دَهَلِيزُْ
عندما يكون الفراغ شاغِر تفكيرك ،والضباب فحسب ما يغطي وعيَكَ ستبحث تلقائياً عن منقد لتيهانك وحتى لا يتمكنَ مِنْكَ الملل تقوم وتبحث عن أي شيء لتملأ بهِ
فجوة فراغك قبْل التهامك.
فإختلاء الإنسان مع عقله من أسوء الأمور وأكثرها إلاماً.
وهذا تماماً ما يجعلُنَا نأخد أول خطوةً لأشياءَ لم نكل لِنتجرأ حتى على التفكير بها، أو الإقدام على شيءٍ قد يبدو تافهاً للبعض ولكنّه يعني الكثير لنا،آملين أن يبثرُ شُعورَ الفراغ داخلنا أو يضيء السعادة بقلوبنا مهما كَانَ بسيطاً،ففي النهاية نحن نختار أين سيؤول بِنا فراغنا، نحو ثهوّر يجرُّ ورائه خطر محدق، او استغلاله بأفعال ستعود علينا بالنفع، أو حتى أفعال تجلب سَعادة لحظية تدغدغ ارواحنا المتعبة.
وهدا تماما ما جعل تلك الأميرة ذات الخصلات الحالكة
جالسة في صالون العناية بالشعر بعد هروبها من الحصة الأخيرة ،تحدّق في إنعكاسها بأعين حادة تملك من البغض واليأس مالا تستطيع البوح به،بينما ارتسم على وجهها تعابيرُ متجهّمة موجهة لِمن تقف خلفها.
اردفت ببرود لا يخلو من الصدمة التي مزِجَة بحدة:
"ما هدا بحق الجحيم....لا أتذكر انني اخبرتك ان تصففيه
بشكل مجعّد...وهذه الخصلات الزرقاء أيضًا لم تصبغيها كما تخيلتها".
طأطأت المصففه رأسها للأسفل فلم تجد ما تقوله
لها فهي ارادة فقط أن تراها بشعرٍ مجعّد إذ انها اعتقدة
بأن التجعيد مع خصلاتها الزرقاء سيغذو رائعاً،و أيضا لن تستطيع أخبارها بأنها ليست جنّي لتعلم مايدور بخيالها لتطبقه على أرض الواقع ،لكنها اكتفت بالصمت لأنها لا تحبّذ خسارة وظيفتها وما عليها سوى أن تخفف من حدّة الجلبة التي تحدتها تلك الفتاة القابعه أمامها على الكرسي.
"آسفة آنستي يمكنني إصلاحُها ان اردتي"
تحدتت بنبرة متأسفة كمحاولة منها لتلطيف هذا الجو الموتّر
وجهت عينيها العسلية المشغولة بتفقد شعرها نحوها ترمقها بقزز،و أردفة بينما هزة رأسها بإمائة خفيفة
"يمكنكِ أجل....يمكنك لكنني أجزم بأنك ستحولِينه هذه المرة إلى شعر مهرج بالسّرك. "
انهت حديتها بسخرية لاذعة بينما جلست ببرود تفكّرة بحل فهي لن تقوم بدفع آخر ما تبقى لها على هدهِ التي تعتبرها مهزلة حلّت بشعرها.
"أين صاحبة الصالون...اريد تقديم شكوى على هذا الإهمال"
نطقت بنبرة حادة عَلَة قليلا بدون ارادة منها ، فيبدو ان الغضب تملّك منها وتلك المصففه لا تزال واقفه تتخد الصمت ملاذاً لها، فهل ظنت أن آنيا طفلة بريئة وتستطيع ان تلعب بشعرها كما ترغب، هي حتى لا تتذكر انها طلبة منها ان تقوم بتجعيده بهذه الطريقة التي تمقِتها.
نهضت من الكرسي بعنف حتى اندفع للخلف بقوّة،وما
إن التفتت حتى لاح على مجال رؤيتها ملامح المصففه المصدومة كأنها تترجاها بصمت ألاّ يصل الأمر للمالكة،لكنّ هدا ليس من شأن آنيا بالطبع، التي فتحت فمها بنبرة خلت من الهدوء والبرود هذه المرة " ألم تسمعي....يبذو أنك لا تعاني من نقصٍ في النباهةِ فحسب بل ايضا صمّاء"
اثارة فضول القابعين بالصالون بفعل نبرتها العالية بعض الشيء ومنهم كانت تلك التي جاءت تهرول ناحيتها، ونطقت بنبره لطيفه مستفهمة " ما الذي يحدث آنيا هل انتهيتِ أخيراً ؟!"
لم تمنحهى الأخرى اهتماما بل اكتفت بالنظر لها من طرف عينها في جزء من الثانية،واستمرت برمي نظراتها كسهام حادة للمصففة الّتي أحست بأنها على وشك الذوبان بفعل عيناها حتى شعرت برعشة اخدت طريقها لتهزّ يدها بشكل مبالغ،ليس خوفًا من التي تقف أمامها فهي فسرت الأمر على أنه محاولة مستميتة للحفاظ على وظيفتها الوحيد فلا تملك فكرة عما سيحدث ان خسرت وظيفتها بسبب هده المراهقة العابثة فنطقت أخيرا
" أنا آسفة حقا اعتقد أن الأمر لا يستحق استدعاء المالكة...سأصلح الأمر صدّقيني..و إن لم ترغبي بي فسأستدعي زميلتي لتفعل ذلك... مع كامل أسفي مرة أخرى."
حاولة قدر الإمكان ان يبدو اسفُها ظاهراً من نبرة صوتها الرقيقة الهادئة، بينما اكتفت الأخرى بنظرات تائهة
وهي تحدّق بالمصفّفه و صديقتها بشعر غريب أول مرة تراه عليها فهما اتفقتا على أن تقوم بصبغه بخصلات زرقاء وليس ان تصففه بهده الطريقة المريبة،هي لن تنكر أنه بدا رائعًا عليها وافضل من رؤيتها بشعرها الحريري المنسدل على ظهرها كالمعتاد.
فبادرت هي بتخفيف الحدة القاتله بينهم، فالأمر لا يستحق ويبدو ان آنيا لم تجد شيء لتلقي به غضبها بفعل درجتها السيئة بالكيمياء أكثر مادة تمقتها، فكانت هده المصففه كالقشة التي قسمت ظهر البعير بفعل تصرفها الأحمق مع الشخص الخاطئ.
وضعت يدها على ظهر آنيا تربت عليه كمحاولة لإمتصاص غضبها المتصاعد ووجهت حديثها للأخرى بنبرة لطيفة
"حسناً نحن نعذُرك .....والآن أين هي زميلتك التي ستقوم بإصلاح الأمر"
انهت حديتها تزامناً مع اتساع ابتسامة المصففه لتشكرها الأخرى و تذهب بسرعة البرق فلم تصدق نفسها بعد وكيف ان هده المعضلة كانت ستسوء لولا تدخل تلك الفتاة التي بدة لوهلة كأنها ملاك اهداه الرب لها!.
لم تستطع آنيا فهم ما جرى بعد فضلّت تفكر معلّقة بصرها على أرضية الصالون دات الرخام الأبيض اللامع.
هل قامت نتاليا بسد فجوة عراك كان على مشارف البدء، للحضة استوعبت ان تلك الفتاة التي لا تزال تربت على ظهرها بشكل مزعج كأنها طفلة أفسدت مخططاتها بتمزيق شعر المصففه و خنقها بخصلاتها، لتلتفت لها بقوة كادت تكسر رقبتها ترى تلك الإبتسامة الودودة لا تزال ترسم خطوطها على ذلك الوجه الذي يوحي من اول نظرة يسرقها شخص ما بمدى نقاء تلك الروح، لكن بالطبع آنيا تعرفها أكتر من نفسها فهي نقيض ذلك تماماً.
ابعدت يدها بعنف مبالغ، واستفسرت
"لما فعلتِ ذلك؟!."
تنهّدت نتاليا بيأس فهي ليست بمزاج يسمح لها بخوض نزاع مع احد وإلا فلِما ستمحي غبار شجار كاد يتفاقم بدلاً من خوض غماره وبلا سبب مقنع، اجابتها بنبرة حماسية نوعا ما وهي تلوّح بيدها في الهواء .
"كفاكِ تفاهه آنيا،هذا لن يزيدك سوى إرهاقاً... أنا اعلم انّكِ تبحثين عن زلّة لتفضِي بها سخطك من معلم الكيمياء ذو الكرش المترهّل"
هل قامت بوصف انزعاجها بالتفاهه؟!
بالنهاية حتى ان لم ينل كلامها أعجابا كبيراً فهو يبدو كجزء من الحقيقة ولن تستطع آنيا إنكار ذلك.
ولما تلك الغبية تستمر بتذكيرها بداك الدب السمين الهارب من الغابات.
شعرت آنيا بملل من الإنتظار واقفتًا ولا تملك سوى الرّضوخ للواقع الذي وضعتها به نتاليا، جلست بينم تتحدث بنبره دفاعية تنفي كل الحقائق
"ليس كذلك ابداً....ألم تري ما فعلته بي؟"
اومأت نتاليا لها بعبوس، انحنت قليلا وأخدت تمرر على خصلاتها وتحرّك شفتيها بتمتمه مسموعة" بحقك....ليس سيء لتلك الدرجة."
قلبت آنيا عيناها بملل لإدراكها انها الوحيدة التي ترى السوء بِه، وللمرة الألف يقع الحق عليها لأنها لم تحبّ شيء
يعجب الغالبية العضمى،كم أنّ هدا يثير حنقها واستفزازها
"لا شأن لي بما تحبذينه... كل ما أريده الآن الخروج من هنا لانني بدأت أشعر بالملل."
"بالطبع، سأذهب لأرى لما كل هدا الإهمال فلقد بدأت اقدر
غضبك الآن" أجابت نتاليا بنبرة يشوبها الملل، فهي تكره الإنتظار خاصتاً بمكان كهذا الذي يفتقر لأدنى سبل الترفيه
على الرغم من انها لم تمضِ سوى عشر دقائق على ذهاب المصففه لإستدعاء زميلتها.
ألقت نتاليا نظره اخيره على شعر صديقتها المجعّد الذي بدا غريبا عليها بقدرِ ما بدى مثيراً فهي تحب التغيير قبل ان تستقيم من انحنائها وتلتفت لتختفي وراء ممر بدا كأنه مخصص للموظفين.
لم تمضِ دقيقتان حتى وصلت نتاليا برفقتها شابة تبدو ببداية عقدها الثلاثين، وسّعت آنيا عيناها بصدمة غير ظاهرة، فشكل الفتاة ليس مألوف او بالأحرى ليست معتاده على رؤية هده الأشكال إلا بمحال الوشوم، فقد كسى وجهها اللون الأسود بوشومٍ متفرّقة منفره للعين، وتضع اقراط أنف مزعجة بينما ترتدي سترة سوداء بأكمام قصيرة تظهر وشم يدها اليسرى وعضلاتها و بنطال جينز ضيق رغم برودة الجو؛ فتلك المرأة أعطت انطباع انها لا اكتراثية،شخصيه خطيرة عابثة وبشده لا تأبه لشيء، اما عن شعرها الأسود القصير فبدا لآنيا كخيوط منسلّة من سترة صوفية، كل شيء بها يثير الريبة والقلق، غير أن آنيا
لن تجعل ذلك يحرك ذرّة من خوفها، تملك حَق ويجب استرداده ولو ظهر حاصد الأرواح أمامها.
حاولت بتر قلقها المخطئ لطريقه، ورمقتها بحده معتمّدَه،
حيث اقتربت الأخرى من كرسيها ترسم ابتسامة متكلفة
على وجهها المثير للإشمئزاز، واردفت بصوتها الرخيم دو البحة
" مرحبا يا فتاة انا آسفة على التأخر،لقد سمعت من إيلا
أن أحد الزبائن يشعر بالإنزعاج من خدماتنا....لا تخافي يا أميرة فأمرك بيدي."
إذا تلك الغبية تدعى إيلا!
وهده الآن تطلب منها بكل وقاحة الا تخاف رغم ان كل المؤشرات تشير بالخطر، فبالتأكيد أنامل تلك المرأة لا تختلف عن شكلها المريب الصاخب، لا يسعها سوى تخيلها تجدب شعرها بلا رحمة لتغذو صلعاء هذه المرّة، رغبة ما بها تخبرها بترك كل شيء والعودة للبيت للنوم ونسيان كل هدا الهراء، لكنها آثرة فعل ذلك ونفت أفكارها بنبرة
تابتة بصيغة أمر وقحه موجهه لصاحبة خصلات الخيط
"لايهم...فقط اصلحي ما افسدتهُ تلك البلهاء بسرعة."
رمتها الأخرى بنظرات هادئة من المرآة قبل شروعها بإصلاح شعرها فلم يكن تالف حتى تأمرها بإصلاحه.
مضت ربع ساعة وآنيا لا تزال تتباع حركات المرأة الرقيقة
والهادئة ،وكيفية إزلاقها لأصابعها بإنسيابية ورشاقة، تمعامل شعرها كأنها تعامل رأس طفل تخشى عليه ان يتأثر بمجرد ضغطة بسيطة،بدة مناقضة تماما لمظهرها.
"انتهيت.... ما رأيك؟."
ظلت تحدق بإنعكاسها تتلمس شعرها بتعجب بينما تدحرج عيناها بينه وبين تلك التي ما تزال تنتظر إجابتا
منها بلهفة مفرطة، أردفت آنيا لتخمد نيران شوقها بنبره عادية " ليس أسوء من ذي قبل"
ابتسمت الأخرى بوسع مُعتبرتاً ذلك بمتابة شكر، فكونها استطاعت حل مشكلة ما وإخراج إيلا من ورطت كانت تطرق على عتبت بابها انجاز عظيم كفيل بجعلها تدين لها ببعض المال، ولحسن الحظ لآنيا_أو لسوءه لهم_ فالمالكة متسلّطت لا تقبل اي تقصير.
انحنت صاحبت خصلات الخيط كما تدّعي آنيا وهمست لها " اعذُريها....فهي جديدة هنا لم يمضِ شهر على توظيفها، وربما ارادة تجربت شيء لمفاجئتك... وأيضاً اقدر صبرك معنا وعفوك عزيزتي"
أَ آنيا تبدو لها كمن يحبذ المفاجآت؟!.
تانيا لولا تدخل نتاليا لما كانت ستعفو بالطبع،فهي كانت تتوق بشدة للكم أحدهم.
نهضت من الكرسي بحركة سريعة، وقفت أمامها واجابتها
بنبرة متلاعبة" بالطبع ستقدرين"
رفعت رأسها لترمقها بتعالٍ، واسترسلة"فلا يوجد شخص رآني إلا وملك قدر كبير من التقدير تجاهي"
لا تعلم ما الذي قالته لكن عقلها أخبرها ونفدت ذلك لأنها وجده فيه بعض المتعة، وخاصة استفزاز أمثالها من البشر.
لكن على العكس فالأخرى اكتفت بنظرة إعجاب بحتة
على عبث آنيا بالكلام،وأخدت ابتسامتها ترسم خطوطها على لوحة وجهها
"حسناً يا صغيره انا حقا تشرفت بمعرفتك...أُدعى فايلر
وأتمنى ان تزورينا مرة اخرى... انا بإنتظا_"
تجاهلتها آنيا وسارت قبل ان تجرها لحديث آخر فما الذي سيجعلها تنتظرها وهي بالكاد رأتها لمدة نصف ساعة من زمن حياتها الكلي المحسوب، رمت المال على الطاولة وأكملت سيرها.
"فايلر " شخرت بسخرية وهي تتمتم بإسم المرأة، لما اخبرتها بإسمها على كل حال؟! ليس وكأنها أرادت معرفت من تكون.
أجرت مسح سريع بعينها لتجد نتاليا جالسة تنتظرها بالمقعد أمام باب الخروج تعبت بهاتفها، لم تفهم لما لم ترجع للبيت حتى الآن، يا لها من مخلصة انها ستبكي حقا!.
أكملت خطواتها تتجاوزها تفتح باب الصالون الزجاجي مقررة الخروج، وتلك البلهاء بالطبع لن تنتبه لها وتأتي خلفها كما اعتقدت،وقفت بقدميها خارج الباب على الأرضية الترابية التي يتخللها حصى صغير متناثر، وفجأة بلحظه غدر من صوابها واتزان عقلها قررت أخيرا العبت كالأطفال.
اخدت إحدى الحصى المرمية بجاب قدمها التفتت خلفها تطل من الباب بحَذر لترى نتاليا ما تزال تعبت بهاتفها رامية بأعباء الأرض خلفها، وقفت بالمنطقة بجانب فتحت الباب والحائط في زاوية غير مكشوفه بالكامل، ورمت ذلك الحجر متوسط الحجم والذي هبط على رأس نتاليا المسكينة.
وبينما كانت الأخرى منغمسة بلعب لعبة ما، تفاجئت بشيء يسقط على رأسها لوهلة ظنت ان زلزال خفيف ضرب المكان وأسقط شيئا من سقف الصالون،اخدت تبدل بصرها في الأرجاء محاولةً الفهم، وفجئه اختفت آنيا من أمامها ولم تجد أحد
" أين اختفى الجميع"
شخرت آنيا بسخرية لرد فعلها الغبي وهي تتمتم "حمقاء"
التفت لتختبئ في الجانب الآخر للصالون منتظرة نتاليا.
وما إن سمعت صوت الباب يفتح سرعان ما طلت لتجد نتاليا تبحت، فخرجت من خلفها تصرخ لتُفزِعها
اختضّ جسد الأخرى بهول وفزع كاد ان يسقط قلبها بملابسها الداخلية، واردفت بصياح لهول ما حدث "ما خطبك هل جننتي؟!"
"نوعاً ما"
أجابت انيا مستمتعة بإنفعالها المبالغ به،فهي ليست قاتل متسلسل بسكين خرج من العدم ليفتك بحياتها.
"على كلٍّ...هيا لنعود فأنا متعبه حقا"
نطقت تتخطاها بعدة خطوات لتتركها تستوعب الأمر
فهي لن تقف و تنتظرها.
"بالمناسبة...شعرك يبدو رائع جدا لقد اسدَلتهُ تلك المرأة بطريقة خرافية"
آنيا تعلم ،لكن شبح كبريائها الطاغي منعها من شكر مصففه تكون زميلة الأخرى الغبية التي كانت ستخوض معها حرب بالألسنة بدل السيوف، ففي المقابل ضلت المدعوّة إيلا محافظة على التزامها المهني.
لا تدري آنيا ان كان احترامها ما اثار حنقها ام لا فهي أرادت شخص سليط اللسان.
رفعت رأسها للأعلى بينما أكملت سيرها تحدق بشمس الوداع وقت الغروب،تلك الشمس التي بدأت بسحب خيوطها لتبدأ دوريتها المعتادة حول الكون على الرغم من عدم حراكها، فهذه بمثابة وظيفة لها لوجودها هنا، فكل شيء يدفع تمن لوجوده، اما هي فعجزت إلى الآن عن إستخلاص سبب لوجودها، ذلك السبب الذي سيدفعها للبقاء أكثر في هذه الحياة المربكة والغير مفهوم نظامها.
فأين كانت يا ترى عندما قامت الحياة بتوزيع مهامٍ على الجميع؟!
هي لا تزال صغيره في واقع الأمر ومع هذا لا تستطيع إيقاف قلقها من المستقبل في كل فرصة تخلو بها مع تفكيرها.
"أتدرين....اعتقدت انك خرجتي وتركتني "
قطع حبل أفكارها تلك التي تسير ملازقةً بها، لتتنهد آنيا
بينما وضعت يدها بجيبها محاولة موارات برد الليل الذي بدء يزداد بشدة جاعلا من خصلات شعرها تتطاير، اعطتها رد جامد ينافس الهواء ببرودته"ربما كان يجذر بي فعل ذلك....لكنني اردت بعض التسلية"
"هدا يبدو منطقيا" تأفأفت نتاليا تسير بجانبها وترميها بنظرات غلبت عليها الحيرة لقد عجزت تماما عن تحسين مزاجها وضنت ان مرافقتها للصالون سيجعلها تهدء، وترخي أعصابها التالفة.
فتحدتت بصوت دافئ تحاول كسر الصمت المرير المحيط بهم.
"ما الذي سيجعل الأميرة سعيدة الآن ....هههم"
قالتها وانحنت بجذعها جاعلتا بعض خصلاتها الشقراء التي تنافس شمس الغروب أمامهم بجماله تسقط على وجهها وامالت رأسها أمام الآخرى بابتسامة ساحرة تنتظر
اجابتها
توقفت الأخرى تحدق بها، على ما يبدو أنها استطاعت
جذب أنتباهها المشتت.
"ماذا؟!"
أعطتها نظرة سريعة وأكملت سيرها بلا اهتمام، لأنها تعلم أن لا شيء سيُعيد صفوَ عقلها ومزاجها إلى معدله الطبيعي الآن سوى الإرتماء على السرير لخمسة سنين آخرى.
"لتجيبها الأخرى بحماس مبالغ "حسنا.... انها نهاية الأسبوع و انا أدعوك لحفلة سأقيمها مع الأصدقاء غذاً، بحكم ان والدي وتلك الشمطاء دهبا برحلة سياحية لأحد الدول الأوروبية."
ثم رفعت إصبعها محذرة قبل أن تنطق آنيا بأي اعتراض.
"ولا مجال للنقاش،القرار محسوم."
توقفت آنيا عن السير فجأة.
توقفت معها الرياح الخفيفة التي كانت تعبث بخصلاتها الزرقاء وكأنها تنتظر الجواب أيضًا، فكرت أهاذه تبدو كدعوة حقا ام إجبار على القدوم؟
التفتت إليها ببطء، ثم قالت بنبرة يقطر منها التهكم:
"أتعلمين يا نتاليا؟"
ضيقت عينيها قليلًا تسترسل حديثها القاسي
"أعتقد أن تهشيم وجهك الجميل وتحويله إلى غبار يُنثر فوق لوحة فنية... هو الشيء الوحيد القادر على إسعادي حاليًا."
لم تبدو على نتاليا أي علامة للتفاجئ أطلقت تنهيده طويلة بقلة حيلة،لا تدري متى ستتوقف عن الرمي بكلامها السام كلما تعكّر مزاجها.
"بحق خالق الجحيم..." تمتمت نتاليا بيأس.
"ألن تتوقفي يومًا عن تمثيل دور الفتاة الثقيلة المستعصية؟...أعرف أنك دودة كتب، لكن ليس لهذه الدرجة لن تدرسي غدًا، ولن تنطلي عليّ أعذارك السخيفة هذه المرة."
صمتت لحظة قبل أن تضيف:
"ثم إنك حضرتِ حفلة واحدة فقط طوال حياتك..
استكمليها هكذا...فارغه من دون متع_"
"أصمتي" قطعت آنيا حديثها بصوت يشوبه الملل
وأكملت "هدا ليس من شأنك....ويبقى تقمص دور الفتاة الثقيلة أفضل من الهرب من بشاعة الواقع داخل زجاجات الكحول مع حفنة من المراهقيين الأغبياء ."
ذكرتها بألا تتجاوز حدودها هذه حياتها بالنهاية وهي ستختار كيف تعيشها.
ضلت تحدق بالسيارات وضجيج المارة ترجو الرب في سرها ان تحلّ تلك الفتاة عن مؤخرتها فبدل ان تعدل مزاجها أحذرته للأسوء
"ألن تأتي إذا؟!"
"آه يا ناتلي....ألا يبدو هدا واضحاً؛ثم وجودي بتلك الحفلة المرة الفائتة كان مجرّد نزوة لن تتكرر"
لا تناديها آنيا بإسم الدلع الا عندما يكون مزاجها جيد أو
لجدب تعاطف الآخرى، تحفظ نتاليا تلك النبرة المهزوزة عن ظهر قلب التي دائما ما تظهرُ أثر محاولتها لإيقاف حديث او لتفيم رأس الصخرة نتاليا بشيء ما.
أنزلت نتاليا رأسها بدا أمر اقناعها أصعب من امتحان الفيزياء، ضلت تفكر بحل فالإستسلام ليس من قاموسها
إلى أن تقطقة أصابعها بمرح و استطردت بنبرة حماسية بسبب الفكرة التي هاجمة عقلها فجئة
"أه تذكرة...ذاك الوسيم لاعب كرة التنس سيأتي أيضا"
"عما تتحدثين"
سألت بنبرة تكاد تكون مسموعه؛هي لم تقل 'من تقصدين'
لأنها ليست مهتمه بأي كائن على وجهه هده الخليقة سوى والدتها، وأن كان فهوَ مجرّد إعجاب في النهاية.
هرولة الآخرى لتقف أمامها تجبرها على التوقف، وأجابت وهي تضيق عينيها بشك "أنت تعرفين جيدا ما اقصد...لكن لا مشكلة سأذكرك بما ان عقلك الأحمق يأبى الإعتراف،انا أقصد بحديثي ليون مورفاي"
أحست آنيا بنغزٍ في قلبها اثر سماع اسمة ولا تعلم حقا أكان شعور بالضيق ام شيء آخر لا تعرف ماهيته!.
تجاوزتها تكمل بلامبالاة تكمل طريقها
بينما تتحدت ببرود مصطنع "ولما تخبريني هل لي شأنٌ بذلك؟!"
ردت نتاليا بتقة مفرطة، كأنها قامت بإكتشاف دواء لإحدى الأمراض العضال.
"لن يستطيع أحد التقاط نظرات الإعجاب المحلقه في الهواء عند نظرك إليه بقدري انا؛ أنتِ معجبة به لا داعي للإنكار"
تجمدت خطوات آنيا لجزء من التانية، تانية تكاد تمر دون ملاحظة أحدهم لكنها كانت كفيلة لتفهم نتاليا انها على صواب
"ما الذي تهذين به؟!"
أستأنفة سؤالها محاولة نفي ما تفكر به نتاليا.
أكانت واضحة لهذا الحد؟!
حاولت بشتى الطرق محو اي اثر لذلك الإعجاب الذي لفحها بغتة في اول يوم رأته به، أكانت نتاليا تقرأها ككتاب مفتوح بتلك السهولة؟.
تلك الفتاة ليست بهيّنة.
"أنا لا اهذي انت من تستمري في الإنكار...بحق خالق السماء ليس جميع الرجال كوال__"
تلاشت كلماتها مع مهب الريح اثر النظرة التي رمتها بها آنيا،كانت كفيلة بإسكاتها حتى لا تتجاوز الحد معها فتعلم جيدا ان هذا موضوع حساس بالنسبة لصديقتها!.
شتمت نتاليا اسفل أنفاسها، إلى متى ستخفق بالتحكم بزلات لسانها الأحمق.
"أنا آسفة آنيا." نبرتها خرجت ضعيفة يغلفها الأسف، لم تكن تقصد نبش الماضي خاصّتها لكن رغبتها بإقناعها طغت بأنانية.
"ارجوك ان تأتي" لم تحصل على مرادها، استمرت فحسب بتجاهلها هي وحديثها التافه.
تبقى لدى ناتاليا حل اخير لربما ستندم او ستُصفع لكن لا بأس بالمحاولة
"اجيبي قولي نعم هيا"
استمرت بنطق آخر كلمة تنغز دراع الأخرى بسبابتها بإلحاح مدركة ان هدا من أكتر الأشياء الذي يثير استياء آنيا.
أطلقت آنيا تنهيده طويلة خرجت من أعماقها لدس أفكارها الإجرامية التي تريد تطبيقها على أعز صديقه لها.
"حسنا.. توقفي اغلقي فمك اللعين." ابعدت اصبعها بغضب
تشعر الآن بيأس يأكل أعماقها ،أقالت حسناً للتو؟.
هذا بمتابة الذهاب الى منصة إعدام بمحض ارادتها.
"ستأتي إذن؟" لم تستطع نتالي تصديق نفسها،هل نجحت فعلا بإقناعها.
"سأفكر بالأمر" أجابت بقلة حيلة فقط لتسكتها حتى تصل
للمنزل
"هذا رائع" ابتسمت نتاليا بوسع تهتف بمدى فرحتها بنجاحها الصغير هذا.
أسرعت آنيا تتجاهل الآخرى عندما لاح على انظارها الحي السكني خاصتهم، تريد الهرب من هده الحمقاء قبل ان تخرج لها بشيء آخر من العدم يعطّلُها عن مخططاتها.
"انت مقرفة" ضربت نتاليا كتف الأخرى ،بينما سلكت الطريق الآخر تلوّح لها.
"ليس بقدرك يا مجنونه" هتفت آنيا لها بحنق واضح تكشر ملامح وجهها بتقزز، أخرجت نتاليا لسانها بعبث قبل التفافها لتكمل طريقها نحو المنزل.
أكملت هي الأخرى سيرها ببطء ألى ان وصلت لباب تلك العمارة البسيطة المتكونه من تلات طوابق؛ ضيقت عيناها لرؤيتها هيكل سيارة فارهه أمام الباب، لم تشعر بغرابة الأمر كثيرا كونهم بجانب حي راقي للأغنياء وعلى الرغم ان عمارتهم تسكُن منطقة منزوية قليلا عن تلك الأحياء.
رفعت كتفاها بعدم اهتمام، فمن متى وهي تهتم، تفكيرها خانها فحسب وعيناها هربت منها لكون تلك السيارة تجدب الإنتباه.
صعدت الطابق التاني ووقفت أمام الباب الحديدي الصّدأ،
أخرجت المفتاح من الحقيبة، توقفت تانية داعية الرب في سرها الا تتصادم مع الأحمق مارك ليس، الآن وليس هذا الوقت لأنها لن تكتفي بكسر الكأس على رأسه هده المرة.
فتحت الباب برفق تختلس النظر، ليهاجمها دفء المنزل
و هدوءه، دخلت اغلقة الباب خلفها و أطلقت تنهيده تنم عن الراحه، لكنها استطاعت سماع أصوات همس تتسلل من صالة الجلوس.
تقدمت ناوية الدخول لغرفتها ومكافأة نفسها بقصةٍ من الراحة، لم تمنع نفسها من اختلاس النظر بطرف عينيها، صدمة طفيفة زارت قلبها لرؤيته رجل دو هالة تفيض بالأناقة يجلس مقابل والدتها يتحدث معها بأمرٍ ما لم تستطع سماع فتاتٍ منه.
امعنت النظر قليلا وفي لحظة أضاءت شاشة عقلها بذكرة باهته لم تستطع فهمها لكنها احست بأن هذا الوجه مألوف وجدا.
ضلت جامدة تتبت نظراتها علية ولم تستطع رؤية وجهه الكامل بسبب الضوء الضعيف.
في المقابل احست والدتها بثقل نظرات ما لتصمة وتلتفت برأسها بسرعه، التقت عيناهما لثانية قبل ان تتحرك آنيا بسرعة لذلك الممر تعطيهم ظهرها وتدخل غرفتها بسرعة.
أغلقت الباب خلفها، اتجهت بسرعة ترتمي باحضان سريرها، فلا يهمها أمر اي احد الآن.
لكنها تساءلت أقامت والدتها بالانفصال من مارك و مواعدة رجل جديد وبهاذه السرعة، يا لها من إمرأة عجيبة!.
لكن هذا لا يدعو للقلق الآن، فعدم وجود ذاك الرجل المقرف لتشاركه هواء البيت أمر يدعو للنوم بسلام.
اغمضت عيناها بإستسلام آملتاً ان يساعدها النوم بإنتشال تعبها و اغراقها بعالمه المظلم الذي لطالما أرادت البقاء فيه دون رجعة؛ لكنها لم تلبت حتى شعرت بشعرٍ ما على انفها ووجهها يغدغها، نفخت أنفاسها بتعب تزامنا مع فتحها لعيناها لتقابل ذاك الكائن اللطيف، الوحيد القادر على جعلها تتناسى العالم والعيش معه طوال الحياة
انها، القطة 'تيشي'
"ما الذي تريدينه؟" وجهة كلامها لقطتها، ثم أدركت شيء مهم لتضرب جبهتها برفق
"تباً لي كيف نسيت شراء طعامٍ لكِ؟"
وضعتها بحِجرها بعد ما اعتدلة بجلوسها تربت على فروها الرمادي الناعم برفق.
لقد فقدت آخر خصال النوم التى كانت تتشبت بها،كيف تنسى شيء كهذا؛ حتما بسبب تلك الفتاة التي تترثر بالهراء
دائماً
تحركت تلك القطة تُحرك معها شفاه آنيا بابتسامة حانية ثم قفزت تتحرك بالغرفة بعشوائية تصدر مواء محبب لمسامع الأخرى التي اتكأت على السرير بتعبٍ واضح لا تخفيهِ لكونها مع احضان غرفتها مع الطف كائن في الوجود.
ضلت تتقلب ساعة لإيجاد وضعية مريحه تسلبها وعيها وتلقي بكامل غيضها من هذا اليوم المقرف والممل،إلى أنها انتفضت بفزع بفعل طرقات الباب القوية، أفرجت عن عيناها تنهض من السرير تضرب الأرض بقدميها، مواراتاً لغضبها.
"ما خطب البشرية اليوم معي؟!"
حركت المقبض وفتحت الباب بقوة،لترى والدتها العزيزة تقف أمام الباب بابتسامة مريبة.
"ماذا؟!"
"كيف كان يومك عزيزتي؟"
أهذا ما جائت لأجله، ليس وكأنهم قامو بتوزيع سبائك ذهب عليهم بالمدرسة.
"كالمعتاد" حاولة تنسيق صوت هادء قدر الإمكان،لأن من تقف أمامها والدتها حتى وإن كانت تزعجها فهي تقدر قلقها.
زادت ابتسامة والدتها المريبة، تتشبت بأسفلة سترتها بإضطراب واضح لم يخفى عن أعيُن آنيا.
اقتربت والدتها أكثر متخطية عتبة الغرفة، وضعت يدها المرتعشة على خصلات شعر ابنتها تتلمسها بحنان.
"خصلات جميلة يا ابنتي"
أنساب صوتها الواهن الضعيف على مسامع الأخرى كأشواك تُنزف طبلة اذنها.
"أنتِ بخير أمي...صحيح؟!" سألت بصوت قلق جاعلة حركة الأخرى تتيبس على خصلاتها فأنزلتها تجيب بثقة مصطنعة
"اجل عزيزتي...لكن"
لم تكن آنيا غبية لتعلم ان والدتها تعاني من اعراض انسحاب، اشعرها هذا بعجز ثقيل على قلبها،استفسرت بضعف "لكن مذا يا امي؟!"
"أبنتي....أنا..." نطقت وهي تحك يدها بشدة، أكملت ما تنوي قولة بتردد"اريدك ان تدهبي إلى حانه....هناك ستقابلين رجل سيبادلك غرضاً احتاجه"
اغمضت آنيا عيناها اثر الحروف التي تهاجمها كسيوف حادة لقد تبدد تماما تعبها بسبب طلب والدتها ليحل مكانه القلق المغلف بالعجز.
"تحتاجينه؟!....حقاً" حركت رأسها بإستفهام تحاول فهم ما الذي يجري ، أرادت فقط أن تنال قسط راحة، أهذا طلب كبير ايها الآلهه.
"عزيزتي اقسم أنني سأتوقف اتذكرين..."
تقدمت تضع يديها المرتعشة على وجنتي ابنتها،تكمل بنبرة غلبها الوهاء"لقد وعدتك...حسنا...لكنني الآن احتاجه بشدة "
لم تستطع السيطرة على نفسها لرؤية لمعة الحزن في عيني ابنتها فغادرتها دمعة خائنة.
ما شدة البؤس و اليأس الذي تلقي به الحياة لتجعل إنسان يسلك طريق شائك بأقدام حافية وبكامل ارادته
معتقداً انه بإمكانه مداوات الألم بولادة ألم جديد!.
دحرجت عيناها بكل مكان للهروب من وطأة تلك النظرة المنكسرة التي تنظر بها والدتها، لا تريد أن ترى عيناها منطفئة وبالية هذا يحزِنها بل يفتت كل خلية داخلها.
بلعت ريقها مع تلك الغصة الموجعة،لترد محاولة طمأنتها فهي ليست بكامل وعييها.
"حسناً"
"شكراً حبيبتي"
أنزلت يداها لجيب بنطالها تخرج هاتفها.
"لقد ارسلت لك الموقع الذي اتفقنا عليه...ستجدين به شخص يدعى دوزو"
لم تعطها حتى نظرة اخيرة وخرجت من المنزل بسرعة.
☆☆☆☆
جالت بنظراتها بحيرة وحذر عند وصولها إلى المكانِ المنشود، وقفت أمام حانه في زاوية ليست ببعيدة عن الطريق الرئيسي لكن الأضواء الخافتة وصوت الهواء الضارب بأعراف الأشجار الممزوج ببعض الألحان المتسربة كان كفيل بجعلها تشعر بتوتر طفيف.
ألقت نظرة على الرجال ضخام القامة المنتصبين أمام باب الحانة، ألقى أحدهم بنظرة عابره على شكلها المريب خصوصاً انها لم تُمنح فرصة لتبديل ملابسها المدرسية حتى الآن.
اقتربت منه بخطوات حذرة وقبل ان تنطق، جال على مسامعها صوته الخشن ذو البحة القوية بشكل مزعج
"ابتعدي عن هذا المكان يا صغيرة"
شعرت بأن توترها اختفى بل لم يختفِ هو تحول فحسب لرغبه عارمة بتمزيق وجهه القبيح.
"عفواً...أنا أبحث عن شخص يدعى رورز"
نطقت بلطف مصطنع مناقض لما يربض بداخلها.
رفع الحارس حاجبه بإستنكار يرمقها من شعرها إلى أخمص قدميها، لإيجاد اي شيء يجعلهُ يفهم ما علاقة هده الفتاة بدوزو.
"تقصدين دوزو"
قضمة وجنتها من الداخل، أهاذا وقت ذاكرة الذبابة خاصتها.
"أجل هو... أقصد دوزو"
حاولت أن تبدو طبيعية لكن يداها التي بدأت تتعرق أفسدت الأمر .
مسحت كف يديها بملابسها منتظرة اجابته.
وأخيراً قد صرّح بصوته المزعج لمسامعها بنبرة رسمية" انه بغرفة خلف هذه الحانه، اذهبي من هذا الشارع وانعطفي يميناً"
أشار لها على شارع يبعد بضع مترات عن الحانة، شكرته بصوت هامس.
جرت أقدامها إلى ذلك الشارع الذي يبدو مهيباً بأضواء تكاد تكون معدومه عدى عن ضوءِ القمر، تتخلله شوارع ضيقة عدّة، هذه الدهاليز كانت كفيلة ببت طيف من القلق داخلها لكني سأذكركم بأنها آنيا التي هزت رأسها تنفي فتات ذاك الشعور الذي بدأ يتسلل.
بدأ صوت صاخب يتدبدب لمسامعها،تحركت بفعل الفضول محاولة معرفة سببه، حتى لاح على انظارها
باب ضخم تعلوه لافته عتيقة نال منها الزمن و ملأ حوافها الصدأ، أدركت بسرعة ان هذا المكان منشأة للتدريب والنزالات الغير قانونية بين العصابات ويبدو انها هنا في عرينهم.
'لا شيء يدعو للقلق أليس كذلك؟!'
همست تحادث نفسها الداخلية بِطمأنة.
التفت بجسدها تبحت عن تلك الغرفة حتى وجدة واحدة
يبدو وكأنها هي ما تبحثُ عنه.
كان خالي تماما لا يوجد أمامه حراسة او شيء من هذا القبيل، فالذي يجعلك تشعر حقا بأنه مكان حي هي صدى الضربات و أصوات التشجيع الخافتة الهاربة من المبنى المقابل.
طرقت الباب منتظرة إجابة، بعد دقائق من الإنتظار لم يحدث شيء ظل المكان على حاله،طرقت مرة أخرى بعنف أقوى ليفتح الباب على الفور كاشفاً عما كان يخبئ ورائه، تجمدت آنيا بمكانها تنظر للرجل الأصلع بلحية مشعّته.
قطعت هذا التوتر المحيط بهم بنبرتها الهادئة، مستفسرة
"أنا أبحت عن دوزو، هل خضرتك هو ذاته"
إكتفى الآخر بالتحديق بعينيه القاتمة المخيفة،حك مؤخرت عنقه بينما يتحدث
"من أنتِ؟"
كان صوته هامس أثر نومه العميق، لتأتي هده الشقية الصغيرة وتفسد علية قيلولته المقدسة.
"أنا أتيت من طرف ليفيا براون؛ قالت أن لديها مبادلة معك"
ظل فقط يحدق بإزدراء بادٍ على ملامحه،ليس متأكد
كيف علمت هذه الفتاة بشيفرة البيع خاصتهم فقد كان ذلك تأكيدا على كونها مبعوته من أحد له صلة بهم
ومنهم 'ليفيا براون'.
"أدخلي" أمرها مفسحا لها المجال.
خطت بتردد تضع يدها بجيبها تتلمس السكين الصغير هناك إحطياطا لحدوثِ أي طارء.
ضربت حواسها رائحة البيت أو بالأحرى الغرفة النتنة المحاطة بالعفن، رائحة عرق ممزوجة بسجائر و عفن أكل الحائط.
جعّدت أنفها بتقزز، تنتظره بينما كان هو يبحث بأحد الحقائب.
لقد كانت ممتنة له لأنه لم يثرثر ويسأل كثيراً.
ألتفتَ وألقى لها كيس أسود بعنف، لتفتحة تتأكد من محتواه.
"هل أخدت عمولة من تلك البخيلة"
هل يقصد والدتها؟
بالطبع فمن غيرها؛أشاحت بنظرها بعيدا فلم تتمكن من التحديق بابتسامته البشعة وهو يتحدث
"ما شأنك أنتَ على كل حال؟!"
هيَ تعلم مذا يقصد بهذا ،لم تنتظر إجابته ولم ترد سماع صوته والتورط لذا حركت أقدامها تخرج من المكان.
وضعت الكيس بجيبها، تخطو تحت ضوء القمر الفاتر، أرادت الخروج من هنا وحالاً.
لكنّ حضها العاتر لم يلبّي أمنيتها الصغيرة، حيث ظهر أمامها رجل يبدو عليه التمالة.
حك الرجل عيناه قبل ان يبتسم وينطق بصوت مهزوز
"مذا تفعل جميلة متلك هنا ها؟"
"أبتعد عن طريقي يا هذا؟!" أنساب صوتها بغلظه محاولة دب شعور بداخله بأنها ليست ما يبحت عنه، لكن ليس بهذه السرعة.
"تبذين فريسة جيدة اتعلمين!"
تقدم بسرعة البرق محاولا امساكها لكن على عكس توقعاته لم تتحرك من مكانها سانتيمتر واحد منتظره إقترابه
خزنت كل طاقتها بقدمها تم عند اقترابه لمنطقت الخطر التي حددتها وجهت ركلة قوية تحت حزامة جاعلتاً منه ينحني يصرخ بقوة.
إقتربة منه أكثر تشد على شعره بقوة "أحذرك بألّا تقترب من أي فتات أيها الأرعن " انسلّ صوتها حاذا كالسيف مشحون بالغضب ثم سددت له لكمة جعلته يترنح.
إلتفت تخطو بثقة قبل أن تشعر بيد توضع على كتفها بقوة.
ألا يستسلم هذا الرجل؟
أدارة رأسها ناوية إكمال ما تركته ناقصا فأمثاله لا يتوقفون إلا عند خسارت أحد أعضائهم أو عظامهم.
على حين بغتة وضع يديه على رقبتها يطوقها تراجعت هي أتر تلك القوة حتى ضرب برأسها على الحائط بشدّه
جعلها تهسهس بألم، ليس الآن وقت الألم وليس على يد رجل بالذات ستفقد روحها لن يحدث ذلك،ضلت تكرر هذه الكلمات برأسها تحاول استجماع قوّتها.
"أنتِ فريسة شرسه...لكن أتعلمين ما يضحكني؟ أنكم في نهاية المطاف فريسة لعينة" اردف وهو يضحك بصخب يعطي الشخص فكرة انه هارب من مصحة عقلية ما.
تفاعلت غريزة البقاء مع الغضب المتأجج داخلها،غرست أضافرها بيده ليخفف ضغطه لكنه ضغط بشدة أكبر، شعرت بأنفاسها تضيع ورؤيتها تصبح رمادية؛ أجمعة شتات قوتها الخائره محاوله الوصول لجيب سترتها لأخد سكينها الصغير وغرسه في عينة.
كادت ان تصل إليه أخيراً وأن تُخرجه لكن ما حدث لم يكن متوقع.
فجأه أحسة أنها أكتشفت أخيرا كيف تتنفس واختفى الرجل من أمامها،مالت بجذعها واضعة يديها على ركبتها تسعل بقوة تحاول إمساك ذرّات الهواء وإدخالها لرئتيها التي كانت على وشك الهلاك.
إلتفت برأسها لترى الرجل ممدد على الأرض مغطى بدمه، أدارت عيناها لتقع على شاب واقف يرمقها بقلق واضح.
ألقت نظره على هيئته،خانتها عيناها لتقع على عضلاته الظاهرة أسفل قميصة الأبيض التّحتي ارتفعت بنظراتها لخصلاته التي تنافس ظلام اليل بعتمتها، لم تستطع رؤية ملامح وجهه جيدا لكنّ عيناه الزرقاء كانت كفيلة بإضاءة مدينة بأكملها، ضاعت في زراق عيناه شاعرتاً بأنها في ألاسكا؛ عيناه كجليد يعتمل في صدرها جاعلاً من أوصالها تتجمد، لما لماذا لم تشعر بالبرد القارس سوى اللحظه؟!.
لقد جعلها حائرة أهي ضائعه بدهاليز عيناه أم هذا المكان الموحش؟!
لاتدري أهو هنا لمناجاتها أم لإغراقها أكثر؟.
"أنتِ بخير" هبط صوته عليها كصدى صوت بعيد وباهة.
أدركت فجئة أنها أطالت النظر، فدحرجت عيناها بكل مكان عداه وأخدت تعنف أفكارها المتمردة التي بدة لها سخيفة كسخافة الموقف أمامها.
إعتدلت بوقفتها تعدّل هندامها.
"نعم أنا كذلك،كنت أستطيع تذبر أمري لوحدي...شكراً على كل حال" أندفعت كلماتها بثقة مزعومة ترفع ذقتها للأعلى محاولة تثبيت كبريائها الذي ضاع.
من وجهة نظر آنيا كبريائها سيضيع إن رآها رجل ما ضعيفة او عاجزة.
أما الآخر فبقي ينظر لزييها بإستنكار، بينما شخر بسخرية على كلماتها.
"ما الذي تفعله طالبة ثانويه بهذا المكان وهذا الوقت؟!"
هز رأسه لها بإستفهام منتظر توضيح منطقي.
أما هي فكانت تحلل نبرة صوته الفريدة،لم تكن شديدة الخشونه بل هادئه محببه.
"هدا ليس من شأنك" ردت بسخط ورغم محاولتها قدر الإمكان لدس توترها لكن صوتها خانها.
"أتريدين توصيلة...المكان ليس آمن وأنت وحدك هنا"
على الرغم من أن نبرته صادقه يغلفها القلق، لكنها ضنت أنه يستخف بها.
"لا" اندفع صوتها مشحون بالإنزعاج واندفعت هي معه تتخطاه لتعود أدراجها بعد هذا اليوم المتعِب.
إنها البداية فقط والمفاجآت لا تزال محكمة الإغلاق
بصندوق ذو أغلفة لامعة مناقضة للظلام الحالك داخلها
،وأيضا لتوقعاتكم.
آرائكم تهمني🕊
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!