وضع القراءة:

"أشباحُ المَاضي ونُذُرُ العَاصِفَة"

__في أروقة قصر غايونغ - قبل عامين__
.
.
.
​اندفعت يونهي كفراشة ضلّت طريقها وسط ممرات القصر الرخامية، ركضت والحماس يسبق خطواتها نحو مكتب والدها.
كان شعرها البني يتمايل مع كل خطوة، كاشفًا عن عنقها الأبيض المرمري الذي ينم عن رقةٍ فاتنة.
دون أن تطرق الباب، اقتحمت مجلس الملك بضحكة صافية، لتجد والدها الملك "كيم" وزوجته بانتظارها هناك.
​اتسعت ابتسامة الملك بحنان عميق، وفتح ذراعيه لابنته المدللة قائلاً: "جميلتي.. تعالي إليّ، لدي ما أخبركِ به."
ارتمت يونهي في حضنه بدلال، وقالت وهي تداعب لحيته بخفةٍ ودلال : "ما الأمر أيها الوسيم؟ ما السر الذي يجعلك تبتسم هكذا؟"
​هنا، قطعت زوجة الأب "كيم" اللحظة بنظرةٍ ممزوجة بالدهشة والانزعاج: "ما هذا الأسلوب يونهي؟ تحدثي بأدب، إنه والدكِ وملك هذه البلاد!"
قلبت يونهي عينيها بملل طفولي: "بحقكِ، لم أقل ما يسيء إليه."
تدخل الملك بحدة هادئة ليحمي ابنته: "كيم.. توقفي، إنها تمازحني وأنا راضٍ بهذا تماماً."
تمتمت الزوجة بحنقٍ: "بالتأكيد، أنا المخطئة دائماً في هذا القصر."
​تنهد الملك بعمق، ثم أمسك كفي يونهي الرقيقتين ونظر في عينيها بجدية لم تعتدها: "يونهي، صغيرتي.. لقد أتممتِ دراستكِ كما رغبتِ، وتعلمتِ الكثير وتفتحت بصيرتك، أليس كذلك؟"
أجابت بتوجس: "أجل يا أبي.. ولكن لماذا هذا التمهيد؟"
​ابتسم الملك بحزن خفي: "لقد حان الوقت لتتزوجي وتستقري… لن أبقى إلى جانبكِ طويلاً، وهذه حقيقة لا يمكنني تجاهلها. وشقيقكِ 'جان'.. بالكاد يستطيع أن يكون سنداً لنفسه قبل أن يكون سنداً لكِ."
اعترضت زوجة الأب بحدة: "كيم! ما هذا الكلام؟ لماذا تتحدث عن ابني بهذا الأسلوب؟"
رد الملك بيأس: "كأنني كذبتُ… إنه طائش ولا يهتم إلا بملذاته."
​تجمدت ملامح يونهي، كأن الكلمات انتزعت الهواء من صدرها، وابتعدت عن حضن والدها وهي تهز رأسها برفض قاطع: "أبي، بحقك! لن أتزوج وأتركك أبداً.. لا أريد الزواج أصلاً، من قال إنني أحتاجه؟"
صرخت زوجة الأب: "أتريدين جلب العار لنا؟ لقد تجاوزتِ العشرين ولم تتزوجي بعد! كل هذا بسبب دلال والدكِ الزائد.. أرأيت يا ملك غايونغ ماذا فعل دلالك بنا؟"
​"كيم، يكفيكِ!" زجرها الملك بحزم، ثم عاد ليلين صوته لابنته: "صغيرتي، أعطِ الأمر فرصة. أنا كبرت في السن، وهذه سنة الحياة.
هناك شاب رائع من المملكة المجاورة، يُدعى 'تايهيونغ'، إنه في الخامسة والثلاثين، رجل وقور وأب لطفلين توأم بعمر 'جيلان'.
رغم أنه أرمل، إلا أن الجميع يمتدح نبله، وقد أُعجب بكِ منذ رآكِ في الحفل الأخير."
​شهقت يونهي بصدمة: "ماذا؟! أتقول إنه في الخامسة والثلاثين وأب لطفلين؟ وجود طفلين في حياتي… كفيل بأن يخنقني قبل أن أبدأ حتى. أنا لا أريده يا أبي."
علقت زوجة الأب بتهكم: "عشر سنوات فقط وليست دهراً، لا تبالغي. أنا تزوجت والدكِ وكان لديه أنتِ، ولم أشتكِ."
​حاول الملك تهدئة الأمور: "لم أقل ستتزوجينه غداً. سيأتي للزيارة فقط، لنتحدث ونرى.. إن ارتحتِ له سنفكر في أمر الأطفال. فقط أعطيه فرصة."
نظرت إليه يونهي بعبوس، محاولة استخدام سلاحها الأخير (الاستعطاف): "لن أحدثك بعد الآن… أنا حقاً حزينة منك."
​هز الملك رأسه بقلة حيلة أمام طفولتها، بينما انسحبت هي بغضب وهي تتمتم: "يقنعني بالزواج؟ تلك الأفعى الصفراء هي من حرضته.. سأريكِ يا زوجة أبي، سأنتف ريشكِ يوماً ما."
​دخلت غرفتها وأغلقت الباب بقوة هزت أركان الجناح الفخم، وارتمت فوق سريرها الحريري، محاطة بأثاثها الأنثوي الناعم الذي لا يشبه أبداً صخب الأفكار القاتمة التي بدأت تزحف إلى عقلها حول هذا الزواج الإجباري.
​حلّ المساء على مملكة غايونغ، واجتمعت العائلة الملكية حول طاولة العشاء التي ازدانت بما لذ وطاب.
لم يكسر الصمت سوى رنين الأواني الفضية الخافتة.
قبل أن يقرر جان كسر الجمود بنبرة مستفزة وهو ينظر لأخته: "أخيراً ستتزوجين يا يونهي.. وأرتاح أنا من إزعاجكِ الذي لا ينتهي."
​قلبت يونهي عينيها بملل وهي تمضغ طعامها: "ممم… لا تفرح كثيراً أخي، فلن يحدث هذا قريباً."
​كان الملك يراقب مشاكستهما المعتادة ببرود.
جان، الذي بلغ الثالثة والثلاثين، كان من المفترض أن يكون أباً وقائداً، لكن طيشه كان يمنع الملك حتى من التفكير في تزويجه.
​وفجأة، رمى جان شوكته قائلاً باحتجاج: "أبي! ألسْتُ أنا الأحق بالزواج قبل يونهي؟ لماذا ترفض كلما فتحتُ معك الموضوع؟ أنا أيضًا… هناك من اختارها قلبي، رغم أنك ترفض حتى رؤيتها."
رد الملك بهدوء وهو لا يرفع عينه عن طبقه: "عندما تصبح رجلاً رزيناً، وتختار فتاة تليق بمكانة البلاط الملكي، حينها فقط سأزوجك."
​تدخلت زوجته بنبرة ناعمة تحمل السم في طياتها: "كيم عزيزي، ما هذه الشروط التعجيزية؟ إنه شاب في مقتبل العمر، والزواج سيحميه من سلوك طرق سيئة."
جان بلهفة: "أجل يا أبي! أنا أريد زوجة كبقية الرجال.. وما بها من أحب؟ لقد وعدتني أنها ستترك الرقص تماماً إذا تزوجتها."
​هنا، وضع الملك معلقته بقوة هزت الطاولة، وصرخ بغضب: "أتظنين أنكِ تغلفين قذارته بكلماتكِ المعسولة؟ أيتها الأم المثالية، هل تظنين أنني غافل عما يفعله؟ السهر، والعربدة، واستغلال الفقراء ونهبهم متذرعًا باسم الملك! وفوق كل هذا، يريدني أن أزوجه بـ "راقصة" ترقص أمام العامة بلا حياء؟ أنتم تريدون قتلي وإهانة سمعتي!"
​رد جان بصراخ مماثل، والغل يملأ قلبه: "أجل، أعرف.. لو كان بيدك لتبنيت 'ابن جيون'! أنت تمدحه دائماً وتذمني مهما فعلت، بحقك ما هو سر هذا الولاء له؟"
​صرخت زوجة الملك: "كيم! ما هذا الهراء؟ ابني لا يفعل ذلك، إنهم أتباع 'جيون' يلفقون له التهم، أنا متأكدة!"
​قهقه الملك بسخرية مريرة: "ابن جيون؟ لو كان الأمر بيدي لسلمته الحكم الآن! أنت… لن تقترب حتى من ظله، ما حييت. إنه رزين، ذو قلب نقي، والقرية بأكملها تمجده.. فعلاً، 'هذا الشبل من ذاك الأسد'. أما أنت.. فلا أدري لمن تشبه بحق!"
​بينما كان البركان ينفجر على الطاولة، كانت يونهي تأكل بهدوء غريب، فقد اعتادت على هذه الدراما اليومية.
وضعت يدها على كتف والدها بلطف وقالت: "أبي، توقف.. لا ترهق نفسك، سيرتفع ضغط دمك ثانية. أكمل طعامك وسأحضر لك الدواء وأقوم بتدليك كتفيك."
​تنهد الملك، محاولاً ابتلاع غصته، بينما سحب جان ووالدته نفسيهما من الطاولة بغيظ، تاركين المكان يغلي بوعود انتقام صامتة.
​في جناح الملك، كانت يونهي تدلك كتفي والدها برقة، محاولةً تلطيف الأجواء: "أبي.. هوّن على 'جان'، أعلم أنه طائش، لكن كلماتك كانت جارحة له، إنه مسكين حقاً."
تنهد الملك بتعب، وأغمض عينيه للحظة كأن الحديث استنزف ما تبقى من صبره.
ساد صمت قصير، لم يُكسره سوى أنفاسه الثقيلة…
ثم قال بصوتٍ أخفض:
"يا إلهي يا يونهي… أنتِ لا تعرفين أخاكِ كما أعرفه."
وتابع بعد لحظة:
"أتصدقين أن أهل القرية اشتكوا منه لـ جونغكوك؟ لقد جاءني صباحاً ليخبرني..."
​انتفض قلب يونهي عند سماع الاسم، واشتعلت عيناها ببريق لم تخفه: "حققاً؟ متى أتى؟ لم أره في القصر اليوم! ولماذا لم يحضر 'جيلان' معه؟ لقد اشتقت لمشاغباتها."
أجاب الملك بابتسامة: "جاء في الصباح الباكر، كان على عجل من أمره بسبب رحلة عمل، أما الصغيرة فهي عند عمتها."
عبست يونهي بدلال: "أفف.. إذاً سأقضي أياماً أخرى مملة دون مشاغبات تلك الحلوة."
ضحك الملك بخفة: "إنها نسخة من والدها في طفولته.. تماماً كما كان جونغكوك."
​قطعت زوجة الأب اللحظة بدخولها الفظ: "يونهي، اذهبي لغرفتك، أريد التحدث مع والدكِ."
ودعت يونهي والدها بقبلة على خده وهمست له ممازحة: "ليعينك الرب على هذه الليله!" وخرجت تضحك، غير مدركة لما يخبئه الصباح.
​ صباح اليوم التالي - مملكة غايونغ
​تفتحت أزهار الكرز لتعلن عن ربيع فاتن، لكن يونهي كانت تمثل النوم بعناد، متجاهلة طرقات الخدم،
حتى اقتحمت زوجة أبيها الغرفة: "استيقظي! والدكِ أمرني بتجهيزكِ لمقابلة خطيبكِ .
​ردت يونهي بانزعاج: "أخبريه أنني لن أخرج! ليقابله هو إن أراد."
لم تكترث الزوجة، ووضعت فستاناً زهرياً ناعماً مزيناً بالتور: "نصف ساعة وتكونين على مائدة الإفطار، وإلا سيكون لي تصرف آخر معكِ!"
​بعد مدة، نزل الملك وزوجته لاستقبال تايهيونغ.
كان رجلاً مهيباً، ضخم الجثة بملامح رجولية حادة وبشرة سمراء تزيد من وقاره.
جلس بأدب قائلاً: "تشرفت بحضوري هنا أيها الملك كيم، وسعيد بقبولك طلبي لخطبة ابنتك."
​دخلت يونهي أخيراً، بطلة باهية لكنها كانت تجر أذيال الخيبة.
ألقت التحية دون أن تنظر لتايهيونغ وجلست بجانب والدها فوراً.
همس الملك معتذراً: "اعذرها، إنها محرجة منك."
ابتسم تايهيونغ بإعجاب واضح: "لا بأس، الخجل يزيدها جمالاً."
​انسحب الملك وزوجته لغرفة مجاورة لترك المساحة لهما.
تشبثت يونهي بيد والدها بذعر: "لا تذهب أبي!" لكنه أفلت يدها بلين وخرج.
ساد صمت ثقيل، قطعه تايهيونغ بسؤال هادئ: "ما اسمكِ؟"
أجابت يونهي بوقاحة متعمّدة: "أهناك من يخطب فتاة لا يعرف اسمها؟"
​اشتعل الغضب في عيني تايهيونغ، وشد على قبضته حتى ابيضت مفاصله، لكنه كتم غيظه أمام صمتها وتجاهلها التام له طوال خمس دقائق.
كانت هي ترتعد داخليًا من بروده الذي بدا أرعب من غضبه.
عندما عاد الملك، انطلقت يونهي كالسهم خارجة من القاعة دون كلمة واحدة.
​وقف تايهيونغ بكرامة مجروحة: "سأذهب.. لم أتوقع هذه الإهانة في قصركم. الكثير يتمنين إشارة مني، لكني فضلت يونهي، وهذا لا يعطيها الحق في معاملتي كأنني نكرة!"
حاول الملك تهدئته بتوتر: "اعذرها يا ملك تايهيونغ، إنها طفلة متوترة.. صدقني لم تقصد."
تنفّس تايهيونغ الصعداء، ثم قال قبل أن ينحني ويرحل: "سأنتظر ردك الرسمي.. أتمنى ألا يطول."
​بمجرد خروجه، انفجرت زوجة الأب: "يجب أن تزوجها له يا كيم! إن رفضته سيأكل الناس وجوهنا، سيقولون إنها وقحة ودفعت الخطيب للهرب. يكفي تدليلاً، أنت من يقرر مصلحتها.. يكفي ما فعلته أمها بنا، تلك الفعلة التي سودت وجوهنا لسنين!"
​تجمدت يونهي خلف الباب، هوى قلبها إلى قدميها وهي تهمس بصدمة: "فعلة أمي؟.. أيُّ فعلة؟!"
تراجعت يونهي خطوةً واحدة، واضعةً يدها على فمها، كأنها تحاول حبس الحقيقة قبل أن تنفجر منها.
الكلمات لم تمرّ مرورًا عابرًا… بل علِقت في رأسها، ثقيلة، خانقة، كصوتٍ يرفض أن يصمت.
الكلمات كانت تتردد في أذنيها كطنينٍ مزعجٍ لا يتوقف: "فعلة أمها.. سودت وجوهنا لسنين".
لم تكن مجرد جملة عابرة، بل كانت مفتاحاً لصندوق أسود لم تجرؤ يوماً على فتحه.
​استندت بظهرها إلى الحائط البارد، وأغمضت عينيها لثوانٍ، محاولةً استيعاب ما سمعته… لكن الأفكار كانت أسرع من أن تُحتوى.
من هي والدتها حقاً؟
ولماذا يكرهها الجميع سوى والدها؟
وهل زواجها القسري من تايهيونغ هو مجرد "كفارة" لخطايا قديمة لم ترتكبها هي؟
​تحاملت على نفسها، ومسحت دمعة هربت من عينها بعناد.
لم تعد يونهي الطفلة المدللة الآن؛ وفي تلك اللحظة… لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل أصبحت بحاجةٍ إليها… لتبقى واقفة، لا لتنجو، بل كي لا تنهار.
​"جونغكوك.." همست باسمه في سرها.
وحده جونغكوك، الشبل الذي يمدحه والدها، والوحيد الذي يبدو صادقاً في هذا العالم المزيف... قد يكون القادر على فتح هذا الباب... أو إحراقه بمن فيه."
​__"بَعْضُ الحَقَائِقِ كَالجَمْرِ المَدْفُونِ تَحْتَ الرَّمَاد، لَا يَحْتَاجُ سِوَى لِنَسْمَةِ شَكٍّ..لِيُحْرِقَ قُصُورَ الزَّيْفِ وَيُعْلِنَ فِتْنَةَ الِانْتِقَام."__
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ما هي "الفعلة" التي وصمت ماضي والدة يونهي بالسواد ؟
​هل يخفي تايهيونغ خلف بروده ووقاره جانباً مظلماً ام ان يونهي خوفها مبالغ به ؟
هل يتدخل "جونغكوك" في الوقت المناسب لإنقاذ يونهي من هذا الزواج الاجباري؟
​هل ستخضع يونهي لقرار الزواج أم ستتمرد وتكشف الحقيقة؟
___________________________
القاكم بالبارت الجاي شاركوني توقعاتكم ولايك اذا حبيتو القصه❤️
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.