قصر الحمراء بعد ليلة اللقاء في حانوت الوراقين، الفصل الرابع
في الصباح الباكر، شق سكون الرواق نداء آت من ديوان الحكم. استدعى الملك قمر إلى مجلس عرشه، وكان الغضب الطفيف ممتزجاً بالحيرة والوجوم على ملامحه الملكية.
تقدمت قمر بخطى ثابتة، وانحنت انحناءة خفيفة يملؤها الوقار، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة صلبة تقطر كبرياء وثقة:
- لماذا استدعيتني في هذا الصباح الباكر يا مولاي؟.
نظر الملك إليها للحظات طويلة وصامتة، يحاول سبر أغوار عينيها الحادتين، ثم قال بصوت متهدج حزين:
- منذ متى وأنتِ تخونين ثقتي يا قمر؟.
ارتسمت على شفتي قمر ابتسامة هادئة وقالت:
- أخون ثقتك؟ ومن ذا الذي تجرأ وأخبرك بأنني أخون أمانة هذا القصر؟.
تنهد الملك وقال بمرارة:
- بالأمس.. أتت إليَّ إحدى فتيات فرقتك الموسيقية، وأخبرتني بقلق أنكِ ارتديتِ عباءتكِ السوداء ولثامكِ، وخرجتِ متسللة في عتمة الليل عندما كان الجميع غارقين في النوم. وحين أخبرتني، لم أكن لأظن أنكِ خرجتِ طوعاً خارج الأسوار، لكن تلك الفتاة كان لها رأي آخر بدا لي بديهياً ومقنعاً؛ فتاة غير منقبة في القصر، لما ترتدي اللثام وتتنكر إلا لو كانت ستتسلل وراء أسوار الحمراء دون أمر من سيدها، وتخاف أن يكشف الحرس أمرها وهويتها؟.
صمت الملك لبرهة، يتأمل هيئة قمر التي وقفت أمامه كالنخلة الشامخة، لم يظهر عليها خوف، ولم يهتز لها جفن، بل واجهته بكبرياء جعل الشك يتردد في صدره. تنهد الملك وأكمل بنبرة رجاء:
- أنا أستمع إليكِ الآن يا قمر.. وأتمنى بكل قلبي أن يكون لديكِ سبب مقنع يبرئ ساحتكِ، وأنكِ لم تخونيني فعلاً.
ابتسمت قمر واقتربت خطوة نحو العرش وقالت برصانة:
- وهل تأمن صراحتي وحكمتي يا مولاي السلطان؟.
أومأ لها الملك بلهفة وقال:
- تكلمي يا قمر.. فأنا أترجاكِ أن تقولي الحق.
قالت قمر بعزيمة وصدق لا يلين:
- نعم يا مولاي.. خرجتُ بالأمس وتسللتُ خارج أسوار القصر، وذهبتُ إلى حي البيازين متلثمة ومتنكرة، ولكنني فعلتُ ذلك لسبب عظيم يخدم ملكك وسلطانك قبل أن يخدمني أنا.
أصغى إليها الملك بعجب، فأكملت بدهاء:
- أردتُ أن أستمع إلى أهل البيازين في خلواتهم؛ قلتُ في نفسي لعلي أجد أحداً منهم يتحدث عن أحوال البلاد، لأرى إن كان الشعب راضياً عن حكمك وصنيعك أم لا.
قاطعها الملك مستغرباً:
- ولماذا في جوف الليل بالذات؟.
أجابت قمر بيقين:
- لأنني في النهار أعمل بين يديك وفي الدواوين، وليس لدي وقت للراحة أو الخروج، ولم يكن لي مفر إلا الليل. ولم أرد إخبارك يا مولاي لأنني أعلم علم اليقين أنك كنت سترسل حرسك الملكي معي، أو ربما تأتي بنفسك، وهذا لن يجعل رعاياك يتحدثون بأريحية، بل سيخفون الحقيقة خوفاً من السطوة.
اقتنع الملك بكلامها وبدأ الغضب يتلاشى من وجهه، ثم سألها بفضول:
- وهل وجدتِ شيئاً يذكر في الأزقة؟.
زفرت قمر، وأظهرت علامات خيبة أمل مصطنعة على وجهها وقالت:
- لم أجد شيئاً يثلج الصدر يا مولاي.. كانت أزقة البيازين خالية باردة، لكني لم ألمح سوى مجنون يتحدث إلى نفسه في العتمة.
ضحك الملك ضحكة خفيفة وقال:
- مجنون؟ وما شأننا نحن بكلام مجنون هائم؟.
ردت قمر بذكاء فقهي مبهر:
-كلام المجانين أصدق من كلام العقلاء يا مولاي! فمن يملك عقلاً سليماً يمكنه خياطة كذبة محكمة وإخفاء ما في قلبه طمعاً أو خوفاً، أما المجنون فلا يتسع عقله لخياطة شيء أو إحكامه، بل ينطق بما في الغيب.
تهلل وجه الملك وسألها بشغف:
- وماذا قال ذاك المجنون؟.
أجابت قمر وعيناها تلمعان:
- قال إنه سعيد بسلطانه، ودعا الله أن يمدد في عمره ليحكم غرناطة لزمن أطول، وأنه مبتهج للغاية لتصدقك بالمال للفقراء والمساجد في ليلة المولد وبعده.
شعر الملك بسعادة غامرة واجتاحت الطمأنينة صدره، وقال براحة:
- لقد أرحتِ قلبي يا قمر.. ولكن، رغم نيتكِ الطيبة، فإن خروجكِ دون إذن رسمي لا يزال خطأ وله عواقب لا أستطيع التجاوز عنها أمام الحاشية؛ فإذا تجاوزتُ عنكِ اليوم، ستبدأ الجواري الأخريات بالخروج تبعاً لكِ وتضيع هيبة القصر.
أومأت قمر برأسها وقالت بامتثال:
- أعلم ذلك يا مولاي، وأنا طوع أمرك.
قال الملك بنبرة رفيقة:
- اذهبي إلى غرفتكِ وقري فيها، ولا تخرجي منها أبداً حتى آذن لكِ.. وهذا العقاب أفضل لكِ بكثير من زنزانة القصر الباردة والموحشة.
انحنت قمر وغادرت قاعة العرش بخطى واثقة منتصرة. وحين فتحت باب مقصورتها المشتركة، وجدت سندس واقفة في وسط الغرفة، والابتسامة الخبيثة الشامتة لم تفارق وجهها، ظناً منها أن قمر عائدة لتجمع ثيابها وتُساق إلى السجن.
نظرت إليها قمر بهدوء شديد وعميق، لتقول سندس بنبرة تقطر شماتة وتملقاً:
- قمر.. كيف كان حديثكِ العاصف مع مولاي السلطان؟.
ابتسمت قمر ابتسامة باردة ثابثة، وخطت خطوات وائدة نحو سندس حتى تكاد أنفاسهما تلتقي، وقالت بصوت منخفض يهمس في أذنها كفحيح الأفاعي:
- سندس.. أنتِ لستِ نداً لي، ولا أنتِ في مقامي أو من ثوبي.. لذا، أنصحكِ أن تبتعدي عن أشياء أكبر من حجمكِ بكثير.
صمتت قمر لثوانٍ، وبينما كانت ملامح سندس تتيبس من المفاجأة، مدت قمر أصابعها بثبات وأخذت تعدل وشاح سندس المائل وتصلح هندامها برفق غريب، وتابعت حديثها بذات النبرة الهادئة المخيفة:
- لأنني لو أردتُ زرع كمين محكم يودي برأسكِ لفعلتُ ذلك بأسهل مما تظنين.. لكن هذا ليس من شيمي، فأنا لم أنسَ مكانتي وأصلي بعد.
نفضت سندس يد قمر عن وشاحها بحنق، وتراجعت خطوة للخلف وقالت بنبرة مضطربة تحاول استعادة شجاعتها:
- أتهددينني يا قمر في عقر هذا البلاط؟.
نفت قمر برأسها بهدوء وقالت:
- بل أحذركِ فحسب.. لأنكِ إذا وقعتِ يوماً في كمين أعمالكِ السيئة، سأكون أنا ذاتي من يجلس على منصة الحكم عليكِ.
تركت قمر سندس واقفة في وسط الغرفة تستشيط غضباً وتغلي مرارة، ودخلت مقصورتها الخاصة لتغلق الباب وراءها بيقين المنتصر.
_
مرت الأيام تلو الأيام، وقمر لازمة غرفتها لا تغادرها امتداداً لأمر السلطان، ولم تمسك عودها أو تدندن بلحن طوال تلك المدة، ومما أثار عجبها أنها وجدت في هذا الحبس راحة غير متوقعة؛ فقد استراحت أخيراً من عناء النفاق ومجاملة رجالات البلاط وشعر المديح الزائف.
وكانت معينتها المسنة والمقربة هي الوحيدة التي تدخل عليها لتفقد أحوالها، تحمل لها الطعام وتتحدث معها لتسليها في عزلتها. وفي إحدى الأماسي، اقتربت العجوز من قمر وقالت بنبرة خفيضة:
- قمر.. إن ذلك الخطاط الأسمر، إدريس، لا يزال يحوم في السوق ويسأل عنكِ وعن أخباركِ بلهفة في كل مرة يراني فيها.
نظرت إليها قمر وعيناها تلمعان بفضول مكتوم وقالت:
- وماذا أخبرتِه؟.
أطلقت المعينة ضحكة مجلجلة وقالت وهي تلوح بيديها:
- ماذا أخبره؟ أقوم بشتمه وتقريع لسانه، وأتمالك نفسي بصعوبة شديدة في كل مرة لكي لا أشبعه ضرباً بقفتي.
ضحكت قمر من قلبها، وصفت نبرتها وهي تقول مداعبة:
- وتضربين رجلاً؟.
رفعت المعينة كتفيها بلامبالاة وقالت بحنق:
- ولا يهمني لقد مسكِ الأذى والضرر بسببه وسبب رقاعه اللعينة، وها أنتِ محتجزة في هذه الغرفة لا ترين الشمس.
أجابت قمر بنبرة منصفة تعيد الحق لأهله:
- لا تنسي.. أنا من كنتُ أذهب إليه باقدامي وأسعى خلف قصائده، هو لم يجبرني على شيء.
قامت المعينة بضرب كتف قمر بخفة وعتب محب وقالت:
- لم أنسَ ذلك قط.. ولا أزال غاضبة من تهوركِ الشديد وعنادكِ الذي ورثتِهِ عن أبيكِ.
ضحكت قمر مجدداً من رد فعل العجوز الغاضب، ثم قالت بملء ثقتها:
- لا تقلقي علي.. لا يزال في عقلي من الدهاء والخطط ما يكفي لأنقذ نفسي وعنقنا من أي مأزق.
حركت المعينة رأسها بقلة حيلة وأسف وقالت متسائلة:
- وماذا أنتِ فاعلة بشأن سندس الشمطاء تلك؟ أستتركينها تمشي بين الجواري برأس مرفوع بعدما وشت بكِ؟.
فكرت قمر قليلاً، ونظرت إلى الفراغ بعينين باردتين، ثم قالت بحسم يقطع دابر الفتنة:
- سأطردها من فرقتي الموسيقية وفقط.. لا أريد تضييع وقتي الثمين في الانتقام منها أو مجاراتها في صغائر الأمور، فغرناطة أمامها معارك أكبر من سندس ومكائدها.
رفعت قمر رأسها وهي تتذكر تفاصيل تلك الليلة العاصفة، فنظرت إليها المعينة المسنة بفضول وقالت متسائلة:
- بالمناسبة يا قمر.. هل حقاً قابلتِ مجنوناً يهيم في أزقة البيازين كما زعمتِ للملك، أم أن الأمر كله كان من نسج خيالكِ؟.
ابتسمت قمر ابتسامة غامضة، ونظرت إلى نافذتها وقالت بصوت خفيض:
- تقريباً.. نعم، لقد قابلتُهُ.
عقدت المعينة حاجبيها باستغراب شديد وقالت:
- كيف تقريباً؟! يا قمر، قولي لي نعم أم لا.. لا تلعبي بالكلمات معي.
اتسعت ابتسامة قمر، ولمعت عيناها وقالت:
- نعم، التقيتُ بهِ.. وكنتُ أقصد بكلامي ذاك، إدريس الخطاط.
أطلقت المعينة ضحكة قصيرة وقالت مذهولة:
- ولكن إدريس شخص عاقل لبيب، ولم يفقد عقله أو يمت بأي صلة للمجانين.
أومأت قمر، والابتسامة العذبة لا تفارق محياها، وتابعت قائلة بنبرة يملؤها الفخر المكتوم:
- إنه مجنون.. لكنه مجنون بالثورة وعشق الأرض! ونعم أيضاً.. لقد مدح السلطان في ظاهر قصيدته كما أخبرتُ الملك، لكن معاني الأبيات المبطنة وخفايا السطور لم تكن سوى هجاء لاذع وتقريع لحكمه.
أُعجبت المعينة بذكاء قمر الفذ وقدرتها على صياغة الحقائق بوجوه متعددة تنجي رقبتها، وقالت بنبرة رضا:
- إذن.. أنتِ لم تكذبي على الملك في مجلس العرش، بل سقتِ له الحقيقة بثوب آخر.
نفت قمر برأسها مؤكدة أنها تترفع عن الكذب الرخيص، لتباغتها المعينة بسؤال عميق طالما جال في صدرها:
- ولكن.. أخبريني بالحق يا قمر، لِمَ تتعاونين مع إدريس بالذات دون غيره من شعراء غرناطة وفضلائها؟ فالقصر يعج بالفصحاء والبلغاء الذين يخطبون ودكِ.
ساد الصمت الغرفة لبرهة، وهدأت ملامح قمر تماماً، ثم تنهدت قائلة بنبرة دافئة شجية:
- رأيتُ فيه صدقاً يا صديقتي.. صدقاً خالصاً وحرارة غيورة لم أرها في وجه أي رجل منذ أن غادرتُ مالقة الحزينة ودخلتُ أسوار هذا القصر.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الكلمات تلامس شغاف القلوب، شق سكون المقصورة قرع حاد ومنظم على الباب الخشبي. تراجعت المعينة خطوة، وفُتح الباب ببطء لتدخل جارية من جواري الخدمة الخاصة، وانحنت باحترام شديد وقالت بصوت مسموع:
- إن الملك يستدعيكِ الآن في شرفته يا شادية الأندلس.
التفتت قمر إلى معينتها المسنة، وتبادلتا نظرة طويلة سادها الترقب والحذر، ثم وقفت قمر بكبريائها المعهود وعدلت رداءها الفضفاض، لتمشي بخطى وقورة وراء الجارية عبر ممرات قصر الحمراء الملتوية نحو ديوان الملك المطل على شرفته الفسيحة.
سمح الحارسان الواقفان على الباب لهما بالدخول، فولجت قمر وانحنت للملك انحناءة خفيفة يملؤها الادب، بينما غادرت الجارية الرواق تاركة شادية الأندلس بمفردها مع السلطان.
كان الملك جالساً بوجه هادئ على مفرش وثير حيك من حرير غرناطة الفاخر على الأرض، وتتصاعد من حوله أبخرة العنبر والند الذكية من مباخر النحاس، وقابعاً أمامه رقعة شطرنج من العاج والأبنوس. بمجرد أن اقتربت قمر، رفع رأسه وقال بنبرة ترحيبية:
- أهلاً بكِ يا قمر.. لقد مرت مدة طويلة لم أركِ فيها في ديواني.
ابتسمت قمر ابتسامة خفيفة، وبادرت بالقول:
- لم تنتهِ مدة عقابي بعد يا مولاي.. لكني طوع أمرك في كل حين.
رد الملك بابتسامة رضا وهو يلوح بيده:
- لا بأس ببعض المسامرة والحديث مع مولاكِ لكسر هذا الحبس الحذر.
أشار إليها بأن تجلس في المقابل أمامه، وعندما اتخذت مجلسها بوقار، نظر إلى أحجار الشطرنج الموزعة بين يديه وقال:
- هل تعرفين اللعب بالشطرنج يا قمر؟.
نظرت قمر إلى الرقعة بهدوء رزين وأجابت:
- كنتُ ألعب بها قليلاً مع والدي رحمه الله في سالف الأيام.. وأظنني ما زلتُ أتذكر بعض قوانين حركتها وحيلها.
_
ومنذ ذلك اليوم المشهود، أصبح الملك يستدعي قمر مراراً إلى شرفته لا للغناء فحسب، بل من أجل لعب الشطرنج؛ حيث كانت تسلّيه بأحاديثها الحكيمة وذكائها الفذ، وتنسيه هموم الحكم وأثقال السياسة التي كادت تقسم ظهره.
وبعد أن انقضت فترة عقابها الدستورية داخل غرفتها، عادت قمر إلى عودها وموسيقاها، واستأنفت تدريباتها مع فرقتها الموسيقية. ورغم سلطتها، لم تقم بطرد سندس الواشية فوراً؛ فقد كانت أبعد نظراً من أن تثير الشبهات حول نفسها، أو تجعل الحاشية تظن أنها طردت الفتاة لأنها خائفة من وشايتها أو تحاول الانتقام لسر مخبوء. فضّلت قمر أن تترك الأمور لتهدأ تماماً، وتنام حكاية تسللها الليلي في ذاكرة الجواري، حتى تختار الوقت المناسب لتقليم أظافر سندس دون جلبة.
وهكذا، سارت الأيام بنسق رتيب؛ كانت قمر بعد كل انتهاء من تدريبِ فرقتها وعزف موشحاتها، تصعد بخطى واثقة نحو شرفة الملك، لتجده جائساً ينتظرها بشغف أمام رقعة الشطرنج.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!