وضع القراءة:

ليلة المولد النبوي الشريف، الفصل الثاني

حلَّ الليلُ الأندلسيُّ الساحرُ، واهتزَّ قصرُ الحمراءِ بهاءًا؛ إذِ امتلأتْ ساحاتهُ وردهاتهُ بزينةِ المصابيحِ والقناديلِ الملونةِ التي حوّلت عتمةَ ليلِ غرناطةَ إلى نهارٍ مُضاءٍ. ومُدَّتِ السَّمَاطَاتُ الفاخرةُ والموائدُ الكبرى عندَ الأبوابِ لإطعامِ فقراءِ المدينةِ ومساكينِها الذينَ تدفقوا في خشوع، بينما غصَّتِ الساحةُ الكبرى بالوزراءِ، والأعيانِ، والأثرياءِ والعلماءِ، يستمعونَ في وقارٍ إلى خطاباتِ المولدِ والأحاديثِ الشريفةِ التي تروي سيرةَ النبيِّ الكريمِ ﷺ.
وفي غرفتها العاليةِ، كانت قمر تطلُّ من وراءِ الشرفةِ، ترقبُ ذلك المحفلَ المهيبَ بشجنٍ صامتٍ وهي تستعدُّ لغناءِ موشحِها النبويِّ. ارتدت أفخرَ ثيابِها الموشاةِ بالحريرِ، وقعدت هادئةً بينما كانتْ مُعينتُها المقربةُ تسرحُ خصلاتِ شعرِها الطويلِ بمشطٍ خشبيٍّ عتيقٍ رفيق. وقبلَ أن تنزلَ لخوضِ المحفلِ، ناولتـها المُعينةُ مِعلقةً من عسلِ النحلِ الصافي، فتناولتها قمر لترطيبِ حنجرتِها وضبطِ رخامةِ صوتِها.
نزلتْ قمر إلى القاعةِ، وجلستْ خلفَ الأستارِ الخفيفةِ تنتظرُ دورَها بقلبٍ ينبضُ هيبةً. وحينَ أُشيرَ إليها، تقدمت نحو مقعدِها الأرضيِّ الوثيرِ، وتربعت أمامَ فتياتِ فرقتِها الموسيقيةِ اللواتي رفعنَ أوتارَ الكمانِ، والعودِ والدُف.
حرّكت قمر ريشتها على وجهِ عودِها الشجيِّ، وانطلقَ صوتُها العذبُ يشقُّ سكونَ البلاطِ بموشحٍ نبويٍّ مهيبٍ يفيضُ بالصلاةِ والسلامِ على الرسول ﷺ، نغمٌ يبعثُ الطمأنينةَ والأملَ في القلوبِ المحزونةِ، حتى خيّلَ للحاضرينَ أنَّ جدرانَ الحمراءِ ونقوشَها تشدو معها.
في تلك الأثناءِ، وسطَ زحامِ الوزراءِ والوجهاءِ، كانَ إدريس واقفاً مستنداً إلى أحدِ الأعمدةِ الرخاميةِ الكبرى، لا يلتفتُ لخطاباتِ الملوكِ ولا لزيفِ الأعيانِ؛ بل كانَ يراقبُ من بعيدٍ بديعَ قمر وهي تغني، تائهًا في عذوبةِ صوتِها، متأملاً.
_
انقضت ليلة المولد النبوي الشريف بأفراحها وأنوارها الساطعة، وأتمَّ إدريس عمله الشريف في نسخ الدواوين والخطابات بحرفيةٍ عالية أبهرت العيون. وقبل أن يغادر أسوار القصر الملكي ليعود إلى حيوات الفقر وحانوته في حي البيازين، أخذ يجول بنظراته حثيثاً بين الممرات يبحث عن أثرٍ لـقمر، حتى وجدها بالصدفة تجلس عند أحد الأروقة الهادئة برفقة ذات المرأة المسنة التي رآها في تلك الليلة الظلماء في الزقاق.
تنحنح إدريس قليلاً ليعلن عن وجوده، وتقدم بخطى وقورة ثم قال بنبرة خفيضة:
- أعتذر عن المقاطعة.. لكنني أريد الحديث مع شادية الحمراء للحظةٍ، إن أمكن؟.
نظرت إليه قمر، ثم استقامت في وقار تتقدم نحوه لتستمع إلى ما لديه. مدّ إدريس يده بثبات، وناولها لفافةً ورقية صغيرة مطوية بعناية. نظرت قمر إلى الرقعة الصغيرة ثم رفعت عينيها الحادتين إليه وقالت برصانتها المعهودة:
- أعلِمني ما هذه أولاً.. لأستطيع أخذها وقبولها منك.
اقترب إدريس خطوة، وهمس بصوتٍ دافئ حاد لكي لا تسمعه العجوز القابعة في الخلف:
- إنها قصيدة ليست مدحاً زائفاً، إنما أبياتٌ تنطق بالواقع المرير لغرناطة.. إن كنتِ صادقةً في كلامكِ بالأمس.. فغنِّيها.
أخذت قمر الرقعة الورقية من يده بخفة، وفضّت طياتها لتقرأ بعينيها الأسطر المكتوبة بحبره الفاخر. تلمست عُمق التوجيه والهجاء المبطن تحت قناع الطمأنينة، ثم طوتها مجدداً وقالت بهدوء وثبات:
- سأرى في هذا الأمر.
سكتت للحظة، ثم التفتت برأسها نحو العجوز، وعادت تنظر لإدريس مكملةً بعزة:
- ولا داعي لأن تهمس هكذا.. فهي أهلٌ للثقة وعيبٌ أن نخفي عنها شيئاً.
شعر إدريس بالفضول ينهش عقله، وسأل بنبرة خافتة:
- أليست.. والدتكِ؟.
أجابت قمر بيقين ودفء يملأ نبرتها:
- بل صديقةٌ مقربة.
ولم تنتظر قمر لتطيل الحديث معه خشية أن تلمحهم العيون المتربصة في ردهات الحمراء؛ فاستدارت وابتعدت عنه بخطى سريعة بعد أن خبأت الرقاقة الصغيرة بعناية فائقة أسفل أكمام ثوبها الحريري الفضفاض، وعادت لتجلس بوقار أمام معينتها المسنة وكأن شيئاً لم يكن، تاركةً إدريس يغادر القصر وقلبه يشتعل بالانتظار.
بمرور الأيام، انعزلت قمر في مقصورتها تروض النغمات حتى استطاعت صياغة لحن مهيب يمتزج فيه شجن الأندلس بكبرياء الحق، لحن يليق بتلك اللفافة السرية التي تقبع تحت أكمامها. وحين استدعاها السلطان ليسألها عن جاهزية الموشح الجديد، نظرت إلى عينيه بثبات وقالت:
- لم يبق إلا القليل يا مولاي.. ولكن، لدي فكرة إذا أذنت لي بسماعها، فقد تكون فيها صلاح الحكم وفائدة الملك.
أومأ السلطان برأسه مستمعاً، فأكملت بدهاء فقهي محنك:
- اجعل المجلس هذه المرة مفتوحاً للعامة، ودع من يشاء من الرعية يحضر. دع الشعب يتعرف على تقاليد بلاطك عن قرب؛ فهذا النغم قد يؤلف قلوبهم عليك، ويرضيهم بصنيعك، وينسيهم شجاراتهم وضيقهم ولو لأيام معدودات.
راقت الفكرة له لتهدئة الشارع الثائر، ولكن السلطان رفض أن تدخل الجماهير ساحات الحمراء التي لا يطؤها إلا أصحاب المناصب؛ فأمر بتجهيز ساحة واسعة في قلب حي البيازين نفسه، ليكون المجلس السلطاني العام هناك بين بيوت الطين والأزقة العتيقة.
تجمعت الحشود في الساحة حتى ضاقت بأهلها؛ النساء يطللن من مشارب ونوافذ البيوت المتراصة، والرجال وقفوا عند أبواب حوانيتهم، بينما تصدر الأطفال المقدمة بفضول لا يهدأ. حتى أولئك الذين يملكون دوراً بعيدة عن الساحة، أغلقوا أبواب معايشهم وجاءوا سعياً ليروا شادية الأندلس عن قرب، ويستمعوا إلى الشدو الذي سيخرج من حنجرتها.
جلست قمر على مقعدها المخصص بكبرياء تتفحص الوجوه، وتبحث بعينيها بين سواد الناس عن وجه واحد تعرفه. ولم يطل بحثها؛ إذ وجدت إدريس قابعاً في آخر الساحة، متكئاً بظهره على أحد الجدران الطينية القديمة، يعقد ذراعيه وينظر إليها بعينين يملؤهما الفضول الصارم والتحدي.. يريد أن يرى، هل ستخون الأبيات أم ستصدق الوعد؟.
التقت نظراتهما لثانية واحدة هزت جوانحهما. وفي تلك اللحظة، رفعت قمر يدها بثبات، ومررت ريشتها بقوة وعذوبة على أوتار عودها، لينطلق لحن مهيب خشعت له الأصوات، وبدأت تشدو بصوتها الماسي الذي زلزل صمت البيازين:
غَرْنَاطَةُ اطْمَئِنِّي فَالحِمَى مَحْرُوسُ..مَا دَامَ فِي عَلْيَاءِ رَبِّكِ نُوس
وَالقِشْتَالِيُّ الصَّلْدُ يَقْطَعُ عَهْدَنَا..وَلَنَا بِفَضْلِ اللهِ فِيهِ غُرُوسُ
هز السلطان طرباً، وابتسم الوزراء ظناً منهم أنها مديحة تهدئ الشارع، بينما كان إدريس يشعر بقشعريرة تسري في جسده وهو يسمع كلماته الثائرة تتردد على لسان سلطانة الغناء. وتابعت قمر الشدو، وعيناها مثبتتان على إدريس حيناً، وعلى السلطان حيناً آخر، تعلي نبرتها في أبيات الهجاء المبطون:
مَوْلَايَ خَلَّى لِلرَّعِيَّةِ زُهْدَهَا..فَقَفَا الصِّيَامَ، وَأَجْرُهُ مَقْدُوسُ
يُعْطِي العِدَى جِزْيَاً لِيَدْفَعَ ضُرَّهُم..فَالمَالُ يَفْنَى وَالسَّلَامُ عَرُوسُ
أكملت قمر غناء الأبيات الأخيرة، ورفعت رأسها الشامخ تنظر إلى جموع الشعب المحتشدة. في تلك اللحظة، انفجرت الساحة بالتصفيق الشديد الذي هز أركان البيازين، وتصاعدت صيحات الاستحسان من كل حدب وصوب. ولم تكن الفرحة مجرد طرب، بل كانت أملاً؛ إذ انخرطت بعض النسوة في بكاء حار، مستشعرات بنبرة قمر دافعاً وأملاً صغيراً يداوي جراح غرناطة النازفة.
وسط هذا الصخب، التفتت عيناها نحو ذاك الجدار الطيني، فوجدت إدريس يرمقها بنظرة مغايرة تماماً؛ ابتسم ابتسامة هادئة وأومأ برأسه في وقار، كأنه يقول لها صامتاً:
- لقد أبليتِ حسناً يا قمر، وصدقتِ الوعد.
لم تظهر قمر أي اهتمام ظاهر بنظرته أو بما يدور في عقله الثائر؛ فهي لم تغنِّ لتكسب تحديه، بل فعلت ما أملى عليها قلبها وعقلها وفاءً لتراب هذه البلاد.
استقامت قمر في وقوفها، ونزلت بمساعدة حراس لتركب العربة السلطانية الفاخرة إلى جانب الملك، مغادرين البيازين تحت حراسة مشددة.
كان السلطان يلتفت يمنة ويسرة، وعيناه تلمعان بسعادة غامرة لم يذقها منذ زمن، وهو يرى التفاف الشعب حول عربته، وكيف يحتضن بسطاء الناس بعضهم بعضاً ابتهاجاً باللحن. التفت نحو قمر وقال بفرحة عارمة:
- أبليتِ حسناً يا قمر! لقد أعدتِ الروح لغرناطة.. أخبريني، من أين لكِ بهذه الأبيات القوية؟ مَن الشاعر الذي صاغها؟ واللهِ لأمرنَّ له بخلعة مذهبة ولأعطينه من كنوز غرناطة ما تغنيه طوال عمره.
ضحكت قمر بخفة وسخرية مكتومة، وقالت بنبرة هادئة رصينة تعيد توجيه الملك إلى حقيقة الأمر:
- أكرم شعبك يا مولاي.. وتصدق على فقيرهم ومحتاجهم، فهذا واللہ يكفي عن كل عطاء. أما عن الشاعر.. فقد أخبرني عندما ناولني رقعته أنه يرجو أن تبقى هويته سرية وخلف الأستار.
عجب السلطان من قوله، واستطرد متسائلاً بزهو:
- وهل يخجل من عطائي ومدحي؟ أخبريه أنني سعيدٌ بصنيعه وأريد رؤيته في ديواني.
نفت قمر برأسها، وأجابت بعبارة غامضة حفرت في صدر الأيام:
- اتركه في مراده ورغبته يا مولاي.. فعندما يريد هو، سيأتي إليك ويمشي نحو قصرك بأقدامه.
صمت السلطان مقتنعاً بكلامها، بينما كانت العربة تطوي أزقة البيازين صاعدة نحو الحمراء، وقمر تتحسس أناملها التي ما زالت ترتجف من أثر الأوتار، مدركة أن اللعبة الكبرى بين القصر والشارع قد بدأت لتوها.
_
فعلَ السلطانُ ما أشارت بهِ قمر؛ فأمرَ بديوانِ العطاءِ أن يوزعَ كميةً كبيرةً من أموالِ غرناطةَ صدقاتٍ على الفقراءِ والمساكينِ وفي المساجدِ، وكانت علاماتُ السعادةِ والابتهاجِ ظاهرةً عليهِ طوالَ الأيامِ التاليةِ، إذْ لم يتوقفْ عن الحديثِ بزهوٍ عما حدثَ في البيازينِ والتفافِ الرعيةِ حولَهُ. لدرجةِ أنَّ قمر، وهي تراقبُ فرحتَهُ الواهمةَ، شعرتْ بالشفقةِ عليهِ لجهلهِ المطبقِ بالمعنى الخفيِّ للقصيدةِ التي أطربتْهُ وهو يُهجى فيها! لكنها لزمتْ الصمتَ، وكتمتْ حيرتَها وهي تجلسُ في غرفتها المشتركةِ مع جواري البلاطِ.
قطعتْ سكونَ جلستِها دخولُ مُعينتِها المسنةِ والمقربةِ، التي تقدمتْ نحوها وقالتْ بنبرةٍ جادةٍ:
- قمر.. تعاليْ معي للحظة.
نهضتْ قمر وتبعتْها عبرَ الممراتِ الملتويةِ حتى عزلَتْها في زاويةٍ بعيدةٍ عن أعينِ الحراسِ والجواري، والتفتتْ إليها تهمسُ بحذرٍ شديدٍ وقلق بائنٍ:
- اليومَ.. عندما خرجتُ لأبتاعَ بعضَ المقاضِي والمستلزماتِ للمطبخِ، التقيتُ بالخطاطِ الأسمرِ في السوقِ، واعتسفني ليحملني هذهِ الرقعةَ إليكِ.
أخذتْ قمر اللفافةَ الصغيرةَ بسرعةٍ وخبأتْها بمهارةٍ أسفلَ أكمامِ ثوبِها الفضفاضِ، لكنَّ المعينةَ لم تنصرفْ، بل وقفتْ أمامَها بجسدِها المنهكِ وأكملتْ عتابَها بقسوةِ المحبِّ:
- استمعِي إليَّ جيداً يا قمر.. توقفِي عن لعبِ الأطفالِ هذا! ها أنا أراكِ تلعبينَ بالنارِ لأولِ مرةٍ في حياتِكِ.. لو عرفَ الملكُ بحقيقةِ هذهِ الأبياتِ ووشى بكِ أحدٌ، سيجُرُّكِ الحرسُ إلى خلفِ الزنازينِ المظلمةِ لسنواتٍ طوالٍ، فهو لن يتوقعَ الخيانةَ والطعنَ منكِ أنتِ بالذات.
صمتت قمر، ونزلت الكلماتُ على رأسِها كالصاعقةِ، وشعرت بحيرةٍ تمزقُ أحشاءَها، لتضعَ المعينةُ يدَها على كتفِها قائلةً بنبرةٍ حزينةٍ هزتْ وجدانَها:
- أين حكمتُكِ ورجاحةُ عقلكِ.. يا ابنةَ القاضِي؟.
نظرتْ قمر إلى عينيْ العجوزِ، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتةٌ مثقلةٌ بالهمومِ، ثم غادرتْ المكانَ دونَ أن تنطقَ بكلمةٍ واحدةٍ تُبررُ بها صنعَها.
اتجهت قمر بخطواتٍ مثقلةٍ نحو ساحةِ قصرِ الحمراءِ الفارغةِ، حيثُ كانَ السكونُ يلفُّ الرخامَ والنقوشَ. اتخذت مجلساً منزوياً على أحدِ المقاعدِ، وبأصابعَ ترتجفُ قليلاً، أخرجتِ الرقعةَ المطويةَ من كُمِّها وفتحتها لتقرأَ خطَّ إدريسَ الأندلسيَّ الفاخرَ
**فعلتِها يا شاديةَ الحمراءِ.. وأثبتِّ لي أنَّ كلمتَكِ عندكِ ثقيلةٌ كالوعدِ. إنْ أردتِّ قصائدَ أخرى تكشفُ الزيفَ، فأنا أمتلكُ منها الكثيرَ في جرابِ ثورتِي.. قومِي بغنائِها، وهاجمِي عروشَ الوهمِ من أجلِ بلدِكِ الأندلسِ.. بصوتِكِ.**
-إدريس.
انقبضَ قلبُ قمر فورَ الفراغِ من قراءتِها، وبحركةٍ حاسمةٍ مدفوعةٍ بالخوفِ والترددِ، قامتْ بتقطيعِ الورقةِ إلى أجزاءٍ صغيرةٍ دقيقةٍ، ورَمَت بها في مياهِ النافورةِ المترقرقةِ، لتشاهدَ الحبرَ وهو يسيلُ والورقَ وهو يتلفُ ويتلاشى تحتَ الماءِ.
وجلست هناكَ، وأفكارُها تتدفقُ وتتضاربُ كأمواجِ بحرٍ هائجٍ. سألت نفسَها بمرارةٍ:
إذا حاولتُ المحاربةَ وكشفَ الحقائقِ مع هذا الخطاطِ.. هل أُعتبرُ منافقةً وخائنةً لثقةِ السلطانِ الذي أكرمني ووضعَ تاجَ مشورتهِ بينَ يديَّ؟ هل هذا التمترسُ يخالفُ الشرعَ الحنيفَ، أو يناقضُ ما تعلمتُهُ من علومِ والدي وقواعدِ العدلِ الحقيقيَّةِ؟.
لم تحتملْ قمر ثقلَ التفكيرِ وعجزَ الإجابةِ، فوضعتْ رأسَها بين كفيها وأطلقتْ تنهيدةً حارّةً وقالتْ بحسرةٍ تملأُ صدرَها:
- لم أعهدْكِ ضعيفةً هكذا يا قمر.. أعرفُكِ دائماً حاسمةً، سريعةَ الحكمِ والتفكيرِ.. فما الذي يفعلهُ هذا الخطاطُ بقلبِكِ وعقلكِ؟.
وحين حل الليل، ونامت عيون الحراس والجواري وهدأت الحركة في قصر الحمراء، ارتدت قمر عباءتها السوداء السابغة، وشدت اللثام على وجهها بإحكام. تسللت كظل خفي بين الممرات حتى خرجت من القصر، متجهة بعزيمة صلبة نحو سوق الوراقين في أسفل المدينة.
وكما توقعت تماماً، وجدت إدريس جالساً عند عتبة حانوته العتيق تحت ضوء قنديل شاحب، يمسك بقلمه ويحاول صياغة أبيات جديدة وعلامات السهد بادية على وجهه. اقتربت منه بخطى مسموعة، وبحركة قاطعة رفعت يدها ونزعت اللثام عن وجهها ليظهر حسنها الحزين في عتمة الليل.
انتفض إدريس واقفاً بمجرد أن لمح وجهها، ونظر إليها بنبرة تهكمية امتزجت بالارتياح وقال:
- تأخرتِ كثيراً.. حتى ظننتُ أن الجبن قد تملك قلبكِ وتراجعتِ عن عهدكِ.
نظرت إليه قمر بعينين حادتين ثاببتين وقالت بقوة:
- في العجلة الندامة يا صاحب القافية.. والخطى الحكيمة لا تُقاس بالسرعة.
تنحى إدريس جانباً، وأشار لها بدخول الحانوت بعيداً عن أعين العسس، ثم قال وهو يغلق الباب خلفهما:
- أتيتِ من أجل القصائد الجديدة إذن؟ انتظري.. سأحضرها لكِ فوراً.
توجه إدريس نحو أحد الأدراج الخشبية القديمة، يبحث بيده بين الرقاع واللفائف الورقية، لكن قمر استوقفته بصوتها الرخيم وهي تتجول ببصرها بين محابر الحانوت وأوراقه قائلة:
- بل أتيتُ لنفكر معاً بحكمة.. لا لنأخذ الورق فحسب.
توقف إدريس عن البحث، والتفت إليها عاقداً حاجبيه ونظر إليها بفضول وقال:
- إذن.. أنا أستمع إليكِ، هاتي ما عندكِ.
تفحصت قمر المكان حولها، ثم التفتت إليه وقالت بصرامة:
- سأغني قصيدة أو اثنتين من شعر الهجاء للسلطة.. سأفعل ذلك لأشفي غليلك وغليل الشارع، ولكن في المقابل، عليك أن تكتب شعراً من نوع آخر؛ شعراً يعيد روح المروءة والنخوة إلى قلوب الغرناطيين، شعراً يدفعهم للتفكير بعقولهم في كيفية خدمة غرناطة وحمايتها من الفناء، بدلاً من الجلوس في المقاهي والازقة لإلقاء اللوم والعويل على السلطان فحسب.
نظر إليها إدريس بذهول، وارتسمت على وجهه ملامح الضيق كأن الشروط لم تعجبه بالكامل، وقال مستنكراً:
- ما الذي غير رأيكِ وجعلكِ تترددين يا قمر؟ هل أصبحتِ تحبين الملك الآن؟ أم أن موشح الأخير دللكِ فيه كثيراً وغسل عقلكِ بأعطيات القصر العاجي؟.
تنهدت قمر بحرارة، وقالت بنبرة عاقلة تفيض بالمسؤولية:
- بل أحاول حماية عنقنا من المقصلة يا إدريس! إذا جلسنا نصوغ قصائد الهجاء للسلطة والتحريض الأعمى، سنقود برؤوسنا إلى المقصلة قريباً، وغرناطة ما زالت بحاجتنا.. ولسنا مستعدين للموت باكراً دون نفع.
سكت إدريس لبرهة يزن كلماتها الحذرة، لكن قمر أكملت تصف حال القصر بصدق:
- إن الملك شخص طيب في أصله، وهو يحزن ويتحسر في خلوته على أحوال الأندلس وما وصلت إليه، لكنه ببساطة ليس بالشخص الصلب الذي يستطيع حماية أسوار غرناطة.. لديه نقص حاد في التفكير والتدبير العسكري.
قال إدريس بتهكم مرير وهو يلوح بقلمه:
- إذن.. لقد بايع أهل الأندلس الشخص الخطأ ليقود سفينتهم وسط الإعصار.
أجابت قمر بحسم وهي تستعد للرحيل:
- قدم لي تلك القصائد الآن، ودعني أذهب وأعود إلى القصر قبل أن يلحظ الحراس غيابي في عتمة الليل.
بحث إدريس بين أغراضه ولفائفه بنوع من الاحترام المكتوم، حتى وجد الرقاع المطلوبة وقدمها إليها قائلاً:
- خذيها.. واختاري منها ما يعجبكِ ويناسب لحنكِ.
أخذت قمر الأوراق وبدأت تدسها بعناية أسفل أكمامها، واستدارت لتغادر الحانوت، وقبل أن تفتح الباب وتتوارى في الظلام، ناداها إدريس بصوت خفيض ملأه الفضول والدهشة:
- قمر.. من أين لكِ هذا التفكير العميق والوعي السياسي المحنك؟ لا أظن أبداً أن جارية عادية في قصور الملوك تمتلك مثل هذا العقل والمنطق.
التفتت إليه قمر، ورفعت رأسها بشموخ ونظرت إلى عمق عينيه بنظرة غامضة، وقالت بابتسامة خفية خلف لثامها:
- لا تستعجل في التعرف على رفاقك يا صاحب البيان.. فكل سر في غرناطة له وقت ليظهر.
فتحت الباب وانطلقت كالنسمة في زقاق البيازين المظلم، تاركة إدريس واقفاً في حانوته وعقله يضج بالتساؤلات عن هوية هذه الجارية التي تتحدث بمنطق القضاة والملوك.
_
وصلت قمر إلى أسوار قصر الحمراء، وتسللت عبر الأبواب الخلفية بخفة الظل حتى ولجت مقصورتها المشتركة مع الجواري. نزعت عباءتها السوداء السابغة ولثامها وهي تنفس الصعداء، والتفتت تتفحص المكان حولها؛ كانت الأسرّة ساكنة، وجميع الفتيات غارقات في نوم عميق، إلا سريراً واحداً كان خالياً بشكل غريب يثير الريبة.
تجاهلت قمر الأمر ظاهرياً وهي تمني نفسها بنوم مريح ينسيها عناء الليلة، ولكن ما إن همت بالدخول تحت غطائها، حتى فُتح الباب ببطء ودخلت تلك الفتاة، وعلى ملامحها ترتسم علامات خبث ومكيدة حيكت خيوطها بدقة منذ مدة طويلة. نظرت إلى قمر بعينين شامتتين وقالت بنبرة متهكمة:
- قمر.. كيف كانت رحلتكِ الليلية؟.
التفتت إليها قمر بثبات يحسد عليه، ونظرت في عينيها قائلة ببرود تام:
- عن أي رحلة تتحدثين يا سندس؟.
ابتسمت سندس ابتسامة صفراء ملأها الغدر، وخطت خطوات متبخترة في الغرفة وهي تقول:
- ارتديتِ عباءتكِ المظلمة، ووضعتِ اللثام على وجهكِ وتسللتِ في الهزيع الأخير من الليل.. ظننتِ أننا نائمات لا نرى شيئاً لكنني قلت في نفسي منذ متى كانت شادية الأندلس ترتدي النقاب واللثام؟ أليست جارية في هذا البلاط، ولا يحق لها التنقب والتنكر إلا بأمر صريح من سيدها الملك؟.
رمقتها قمر بنظرة ثاقبة لم تهتز لها شعرة، وقالت بصوت رخيم حاسم:
- سندس.. افصحي عما في قلبكِ ودعينا ننهي هذا الكلام سريعاً، فأنتِ أكثر الحاضرين علماً بأن وقتي أثمن من أن أضيعه في ترهاتكِ.
أطلقت سندس ضحكة مريرة خافتة لكي لا توقظ النائمات، وتقدمت خطوة وهي تلف خصلات شعرها بغرور قائلة:
- الأمر وما فيه.. أن الملك كان يبحث عنكِ الليلة، وطاف رجاله يسألون في أرجاء القصر: أين قمر؟ ولم أستطع أن أرى مولاي قلقاً حائراً دونكِ.. فقررت أن أريحه من عناء البحث، وأخبرته بالصدق؛ أخبرته أنكِ ارتديتِ اللثام وعباءتكِ السوداء الخاصة، وخرجتِ متسللة إلى مكان لا يعلمه إلا الله!.
ساد الصمت الغرفة لثانية واحدة، لكن قمر، وبخلاف كل توقعات سندس، لم تضطرب ولم يصفر وجهها؛ بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ورفعت يديها تصفق بخفة ونعومة، وقالت بنبرة يملؤها الثناء الساخر:
- خير ما فعلتِ يا سندس.. حقاً، أنتِ فتاة نبيلة وأهل للثقة والوفاء.
انحنت سندس برأسها بزهو وغباء، ظناً منها أن كلمات قمر هي اعتراف بالهزيمة، وقالت بمكر:
- بالتأكيد.. فهذا واجبي تجاه القصر.
استدارت سندس واتجهت نحو فراشها الوثير، ودثرت نفسها وهي تشعر بسعادة غامرة تجتاح صدرها، ظناً منها أنها أوقعت شادية الحمراء في شر أعمالها، وأن الصباح سيشهد نهاية سطوة قمر ونفيها وراء الزنازين.
أما قمر، فبقيت واقفة في مكانها تنظر إلى سرير سندس بهدوء شديد وعمق لا قاع له. اتجهت إلى فراشها وتمددت غارقة في أفكارها، ولم يداخل الخوف قلبها بقدر ما تملكتها الحيرة؛ وأخذت تتساءل في سرها وهي تغمض عينيها:
- ما الذي ينتظرني غداً في مجلس الملك؟ وكيف سأبرر له خروجي متنكرة في عتمة الليل دون علمه؟.
9 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.