وضع القراءة:

حبرٌ صادق، الفصل الثامن.

في جوف الحانوت الصغير بالبيازين، كان ادريس يجلس مطرقاً أمام محبرته، غارقاً بين أوراقه وأقلام القصب، ورفقته العم منصور الذي كان يقص بعض الأوراق بهدوء. وفجأة ،انشق ستر الباب ودخلت المعينة المسنة، بملامح يغلب عليها عدم الاهتمام والانزعاج الطاغي .
لم تلمح المسنة وجود العم منصور الرابض في زاوية الحانوت قط، بل شخصت عيناها الحادتان نحو الفتى النحيل مباشرة، وقالت بلهجة جافة وقاطعة:
- أنت!.
رفع ادريس رأسه متفاجئاً من حضورها المربك في هذا المكان، فهب واقفاً على قدميه وقال بنبرة تملؤها الريبة:
- خالتي؟!.. هل بقمر علة أو مكروه؟.
ردت المعينة على فورها بحدة تدفع بها عين الحسد وقالت مسرعة:
- بعيد الشر عليها.. بل في رأسك أنت إن شاء ﷲ.
صمتت المعينة للحظة كأنما تلتقط أنفاسها المنهكة، ثم أردفت وهي تلتفت يمنة ويسرة لتبلغه الشفرة المكتومة:
- قمر تخبرك أنه اليوم مثل الأمس.
أومأ ادريس برأسه، وانزاح جبل من الهم عن صدره، ثم قال بأدب جم:
- إن شاء ﷲ يا خالة.. سأكون في الموعد.
استدارت المعينة لتغادر الحانوت، لكنها توقفت عند عتبة الباب، ونظرت إليه بنظرة تحذيرية قاسية وقالت:
- أنا أراقب خطواتك جيداً.. إياك ثم إياك وأذيتها.
قبل أن يجد ادريس حرفاً يرد به على تهديدها، انتفض العم منصور واقفاً في مجلسه، وهو الذي كان يستمع إلى الحوار الشاذ باهتمام شديد ونخوة غارت على فتاه، وقال بصوت جهور يملؤه الاستنكار:
- من أنت أيتها المرأة؟ وكيف تتحدثين مع ادريس بهذه الغلظة وكأنه رجل سيئ مهتم بأن يأذي ابنتك؟.
التفتت المعينة نحو العم منصور، ولم يهتز لها جفن، بل قالت بتحد وامتعاض:
- نعم أيها السيد.. فابنك هذا، وبسبب فعاله، عوقبت قمر وتلقت لوماً وتوبيخاً لم تسمع مثله في حياتها قط، إلا مني أنا، التي ربيتها.
هم العم منصور أن يجيبها ويرد الصاع صاعين حماية لكرامة بيته، إلا أن ادريس تقدم مسرعاً وأمسك بيد العم منصور برفق راجياً إياه الصمت. غادرت المعينة الحانوت وهي تنفض ثيابها، وقالت كلمة غامضة ذهبت مثلا ً:
- كابنه.. كوالده!.
تسلل السكوت إلى أرجاء الحانوت، ونظر العم منصور نحو ادريس بنظرات حادة تقرأ الوجوه، ثم قال بنبرة خالية من المزاح:
- من هذه المرأة العجوز؟ ومن تكون قمر هذه التي قلبت دنياك؟.
توتر ادريس تماماً، واحمرت وجنتاه خجلاً وارتباكاً، وحاول التملص بإجابة عامة فقال:
- قمر.. رفيقة صالحة أعرفها.
- ومنذ متى كنت تعرف الفتيات؟.
جلس العم منصور مكانه، وجعل ينظر في عمق عيني ادريس لعله يجد إجابات شافية للأسئلة الكثيرة التي اشتعلت في رأسه بعد كلمة العجوز، ثم قال بلهجة آمرة محبوبة:
- أنا أطالبك بالحكاية كاملة يا ادريس.. لا تخف عني شيئاً.
بعد إلحاح شديد وملح من الشيخ الناصح، لم يجد ادريس مفراً من الكلام؛ فقعد بين يديه وحكى له عن قمر، وابنة من تكون، وكيف تلتقي به، لكنه وقف عند حدود آمنة، ولم يخبره بكل التفاصيل الصغيرة أو بأسرار السياسة ودهاليز الملوك التي تدور في الخفاء.
_
في جوف الليل البارد، كان ركن الياسمين في جنة العريف يفوح بعطره الذكي، كأنه يداري أسرارالنفوس المتآلفة. تسلق ادريس السور العتيق بخفة ورشاقة كعادته التي ألفها وصارت جزءاً من تفاصيل ليله، وما إن وطئت قدماه الأرض حتى وجد قمر جالسة على العشب النضير، والابتسامة تشرق في وجهها الصبوح لتنير عتمة الظلال. تقدم نحوها بخطوات وئيدة، ثم جلس أمامها على العشب وقال متبسماً:
- أراكِ سعيدة الليلة.. عسى أن يكون الخاطر مسرورا؟ً.
أومأت قمر برأسها علامة الإيجاب، وقالت وعيناها تلمعان ببريق النصر:
- أجل يا ادريس، أنا في غاية السعادة.. لقد فتح السلطان معي اليوم موضوع أبي جعفر، والينا على ثغور جبل طارق.
أومأ ادريس لها برأسه صامتاً، مشجعاً إياها لتكمل بقية الحديث، فتابعت قمر حماسها المكتوم:
- لقد أخبرني الملك أنه بعد أسبوع من الآن، سيقيم حفلاً حاشداً يستدعي فيه أبا جعفر وسائر النبلاء، وطلب مني أن أقوم بغناء موشح يحمل في طياته حكم العزل والمصادرة الصارم على هذا الخائن أمام الملأ.
سكتت قمر للحظة، وتأملت كفيها، ثم أكملت بنبرة يملؤها الشموخ الموروث:
- سأقوم في هذا المحفل تماماً مثلما كان يفعل والدي القاضي وهو جالس في مجلس قضائه الشريف. صحيح أنني سأغني وأعزف، لكن هذا التذكير الصغير للجميع بمن أكون أنا حقاً، وابنة من أكون، يسعد قلبي ويعيد لي اعتباري.
ابتسم ادريس بعمق، ونظر إلى ملامحها الفخورة وقال بنبرة دافئة:
- أنا سعيد جداً لأجلكِ يا قمر، وتستحقين هذا المجد.. ولكن، من ذا الذي سيكتب لكِ هذه القصيدة العصماء لتغنيها؟.
صمتت قمر قليلاً، ونظرت في عينيه مباشرة بنظرة تحمل كل الثقة والأمل، ثم قالت بهمس قاطع:
- أنت.
تفاجأ ادريس تماماً، واتسعت عيناه ذهولاً من هذا التكليف الخطير، وقال متسائلا ً:
- أنا؟!.. وهل الملك يعرف بأمري وخط قلمي؟.
نفت برأسها مسرعة وقالت مطمئنة إياه:
- لا، لن يعرف السلطان أبداً، سأقوم بالتغطية عليك وحماية سرك بكل ما أوتيت من قوة. لكنني في الحقيقة لا أمتلك ذرة ثقة في شعراء البلاط المتملقين ليكتبوا هذا الموشح العظيم يا ادريس.. أريد حبراً صادقاً يعرف معنى تراب هذه الأرض.
رفعت قمر رأسها نحو السماء الليلة، وجعلت تنظر بأسى إلى القمر الرفيع الذي كان يلوح بين النجوم كأنه خيط فضي دقيق، ثم قالت بنبرة حائرة:
- لكنني معتادة دائماً أن أغني في مجالس القصر عن الشوق، والوجد، والمديح.. لا أعلم حقاً ماذا أفعل الآن، وكيف سأصيغ حكم العزل لحناً وغناء؟.
نظر إليها ادريس بثبات مذهل، وتلاشت حيرته لتحل محلها قوة الشاعر الثائر، وقال بصوت صلب ويقين تام:
- يا قمر.. لن تغني عن الشوق والوجد هذه المرة، بل غني له بيان نعيه وهو ما زال حياً يسعى على قدميه سأكتب لكِ كلمات رشيقة كأنها الرصاص القاتل؛ يظنها الحاضرون في الحفل غزلاً أندلسياً ناعماً، ولكنها في أذن أبي جعفر الخائن ستكون جحيماً مستعراً يحرقه ويذله أمام سائر الخلق.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.