ليلة كتبتها الاقدار بالحبر الأسود، الفصل العاشر.
كانت دار القاضي في مالقة، تلك الليلة، تفوح بعبق الخبز الطازج وزيت الزيتون المقلي ،ويتردد فيها ضحك الصبايا الثلاث ممتزجاً بصوت الأم وهي تنُشد لهنَّ أبياتاً من موشحٍ قديم توارثته عن جدتها. كانت قمر، أصغر الأخوات، تتكئ برأسها على حجر أمها، تتأمل خيوط الفضة التي بدأت تتسلل إلى شعر أمها بينما أختاها تتسابقان في حياكة طرف من ثوب سيُهدى للعيد القادم.
جلس الأب، القاضي، في صدر المجلس يقلّب في أوراق قضية عرضت عليه بالأمس، وعيناه تنتقلان بين السطور ووجوه بناته بين الفينة والأخرى، وكأنه يخزّن في ذاكرته صورةً يخشى أن تغيب عنه يوماً.
انقبض صدر الأم فجأة، وشحب وجهها، وسقطت المغزل من يدها على الأرض دون أن تشعر، فقالت بنبرةٍ مخنوقة تخالف صفاءها المعهود:
- لسُت مرتاحةً لهذه الليلة أبداً... في قلبي وجعٌ لا أعرف له مستقراً، وكأن الهواء نفسه يحمل نذيراً.
التفت إليها القاضي، وترك أوراقه جانباً، وأمسك بيدها يربّت عليها، وقد تسلل القلق إلى ملامحه لمرآها هكذا:
- ما بِك يا رفيقة العمر؟ أخبريني، ماذا تشعرين؟.
أجابت بدموعٍ حائرة بدأت تتجمع في مآقيها دون أن تسقط:
- أشعر أن مكروهاً عاصفاً سيصيبنا الليلة يا صاحب العدل... وأنا وﷲ أصدق إحساسي، فقد كان مثله ينذرني قبل موت أبي بليلة واحدة.
ابتسمت قمر عندئذ، محاولةً تبديد الوجوم الذي خيمّ على المجلس، ومدت يدها لتربت على ركبة أمها بدلال:
- يا أماه، أنتِ تفزعيننا بلا داعٍ... انظري، أبي هنا، وأختاي هنا، وأنا بين يديك، فمِن أين يأتي المكروه؟.
نظر إليها الأب، وعاد لثباته المقيّد بيقينه، وقال بنبرةٍ مطمئنة يحاول أن يزرعها في قلوب من حوله أكثر مما يزرعها في قلبه هو:
- إن ﷲ معنا... وﷲ لا يترك عباده الصالحين.
لم يكد يتُم جملته حتى تمزّق سكون الليل؛ بدأت أصوات صهيل الخيل تزداد وتقترب، ووقع حوافرها يدق الأرض كأنه الطبول، ثم تناهت إلى مسامعهم صيحات بلغةٍ أعجمية خشنة تختلط بصليل الحديد. أدرك القاضي فوراً ما سيحدث؛ إنهم القشتاليون، وقد نقضوا هدنةً لم يجفّ حبرها بعد.
تحرك بسرعة الفارس المتمرس، وحمل بناته وزوجته بيديه ليريهم مخرجاً سرياً خلف مكتبته، حفره يوماً تحسباً لمثل هذه الليلة، وقال لهن بصوتٍ يقطع كل تردد:
- اخرجن من هنا الآن!... لا تلتفتن، ولا تتوقفن مهما سمعتن.
لكن الجميع رفضن تركه، والتصقن به باكيات، فسحب سيفه الصارم من حزمته المخبأة ،ونظر في عيني زوجته نظرة توديعٍ لم تخفَ عليها، ثم صرخ فيهن بآمرٍ لا يرُد:
- غادرن الآن!... هذا أمر، وأنا خلفكن.
اقتحم القشتاليون الدار بأسلحتهم وحقدهم الشاخص، وتبعتهم عواصف الموت. دارت معركةٌ غير متكافئة بين رجلٍ واحد وزمرةٍ من المرتزقة، ورفضت الأم أن تنجو بنفسها وتترك شريك دربها وحيداً، فحملت ما وقع تحت يدها من أثاثٍ وجسدٍ حامٍ لتدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة امرأة أحبت رجلاً أربعين عاماً ولم ترد أن تودعه من بعيد.
وقفت الأخوات الثلاث عند فوهة الممر السري، مسمرات الأقدام، عاجزات عن الحركة رغم صراخ الأب المتكرر. وفي تلك الليلة الظلماء، رأت قمر بعينيها أبشع فصول الفاجعة؛ رأت والديها يقُتلان معاً في سبيل العرض والأرض، ولم يكتِف القتلة بذلك، بل تقدم أحد القادة القشتاليين بجزمته الثقيلة، وسحب بغطرسةٍ خاتم القضاء من إصبع والدها الميت، وارتداه في إصبعه أمام عينيها المذعورتين، وضحك ضحكةً باردة كأنه يحتفل بغنيمة.
'هروب في عتمة مالقة'
كادت قمر تصرخ وتلقي بنفسها فوق جثتيَ والديها، لولا أن سحبتها أختها الكبرى بقوةٍ وعنف، وأطبقت كفها على فمها لتخنق صرختها، وهمست بصوتٍ يرتجف رغم حزمه:
- إن صرختِ الآن يا قمر، متنا جميعاً... اصمتي، لأجل أمي وأبي، اصمتي واركضي.
انطلقت الفتيات الثالث يركضن في أزقة مالقة، والظلام يبتلعهن، وكل واحدةٍ منهن تمسك بيد الأخرى بقوةٍ كأنها تخشى أن ينُتزع منها آخر ما تبقى لها في الوجود. بعد ركضٍ طويل ومرير، دون أن يعلمن أين الوجهة وإلى أين المفر، سقطن على الأرض معاً في زاويةٍ مهجورة خلف سور مهدّم، وانفجرن بالنواح والبكاء الصاخب، يندبن بيتاً هُدم، ووطناً سُرق، وخاتماً بات في يد الشيطان.
جلست قمر بين أختيها، ورأسها على كتف الوسطى، تستمع إلى نبضات قلبها كأنها الشيء الوحيد الذي يثبت أن الدنيا ما زالت تدور. رفعت الأخت الكبرى وجهها نحو السماء المرصعة بنجوم باردة لا تبُالي بمصائر البشر، وهمست بصوتٍ متهدج:
- يا رب... لقد أخذتَ منا كل شيء الليلة، فالا تأخذ بعضنا من بعض.
لم يكن يعلم أحدهن أن دعاءها ذاك لن يسُتجاب.
في تلك الليلة الليلكاء، لم تكتحل أجفان الفتيات الثالث بغموض نوم؛ إذ طار النوم من مآقيهن صدمةً وحزناً، حتى انشق عمود الفجر، وتهادى إلى مسامعهن صوت الأذان ينساب حزيناً عبر الأثير، فتحسّست قمر وجهها ووجدت أن ملحاً جافاً قد رسم خطوطاً على خديها من كثرة البكاء.
رفعت الأخت الكبرى رأسها المثقل بالهموم، وهمست بصوتٍ مبحوح:
- أين نحن؟.
أجابت الأخت الوسطى وهي تتلفت حولها بذعر:
- أظن أننا ابتعدنا عن أسوار مالقة كثيراً ودخلنا أرضاً أخرى... فالأذان هنا لا يزال يرتفع، وقشتالة لو دخلوا مسجداً لن يتركوا مآذنه تكُبّر.
أطرقن برؤوسهن أرضاً، وجلست الغصة في حلوقهن مع تذكر المأساة، ثم واصلن السير الهائم لا يلوين على شيء، حتى غمرتهن عيون الطرقات وأصوات الباعة الذين بدأوا يفتحون حوانيتهم على مضض، غافلين تماماً عن ثلاث فتياتٍ ضائعات يحملن في عيونهن حكاية ليلٍ لن ترُوى.
وفي غفلةٍ منهن، لمح وجودهن تاجرٌ غريب لا تبدو على مالمحه سحنة أندلسية؛ لمح في وجوههن مالمح النعمة والسبي معاً، فأشار بحاجبه إلى رفاقه من الغالظ الشداد أن يتقدموا نحوهن بهدوء، كصيادٍ يحاذر أن ينفّر طريدته.
دافعت الفتيات عن أنفسهن بكل ما أوتين من طاقةٍ وقوة، وضربن بأيديهن الصغيرة، وصرخت قمر تستنجد بمارةٍ لم يجرؤ أحد منهم على التدخل خشية بطش الرجال، لكن هيهات للحملان أن تقاوم مخالب الذئاب! لم تكن لهن حيلة أمام قسوة الرجال، فاقتيدوا عنوةً تحت جنح ما تبقى من الظالم كأسرى، وسيقوا إلى دهاليز تجارة العبيد.
تطلعت قمر حولها في رعب، وقالت بصوتٍ خافت يكاد لا يسُمع:
- إنهم قشتاليون...
ساد الرعب قلوب شقيقتيها؛ فأن يصبحن جواري عند الأعداء أنفسهم الذين قتلوا والديهما، هو الموت الذي لا موت بعده. انقضت تلك الليلة الطويلة وهن مكدسات في غرفٍ مظلمة ضيقة، مع حشدٍ من النساء اللواتي جُلبن من أجناسٍ وبقاع شتى، بعضهن يبكين بصمت، وبعضهن فقدن القدرة على البكاء أصلا. أمسكت قمر بيدَي أختيها، وأخذت تتلو ما حفظته من الذكر الحكيم، تنفث بها على نفسها وعلى أختيها، تلتمس من ﷲ حمايةً في زمنٍ انعدم فيه الحامي.
ومع إشراقة اليوم التالي، دلف إلى الغرفة رجلٌ بيده كأس نبيذ يترنح به، وتلوح على وجهه معالم الجشع والوقاحة؛ إنه مالك هذه التجارة الآثمة. بدأ يتفحص النساء الواحدة تلو الأخرى بنظراتٍ كاسرة، ثم تكلم برطانةٍ لغوية لم تفهمها قمر، وهو يشير بسبابته إلى بضع فتياتٍ ليعُزلن على حدة... وكانت قمر من بينهن.
انقض الحراس يسحبون المعزولات، وفي تلك اللحظة صرخت قمر صرخةً مزقت نياط القلوب، وتشبثت بأختيها باكيةً ترجوهن ألا يبعدوها عنهن. أمسكت الأخت الكبرى بذراعها بكل ما تبقى لها من قوة، وقالت وهي تجُرّ بعيداً بدورها:
- قمر! أينما ذهبتِ، اذكري اسمنا، اذكري اسم أبيك القاضي، فالا يضيع اسمنا كما ضاع بيتنا!.
صاحت الأخوات في لوعة، ونادت الوسطى باسمها مراراً وكأن الاسم وحده حبل نجاة، لكن سياط الجالدين قطعت حبل الوصال، وُرميت قمر قسراً داخل عربةٍ خشبية كبيرة ومغلقة، بينما ظل صوت أختيها يتردد في أذنيها حتى بعد أن ابتعدت العربة مسافاتٍ لم تعد معها تسمع شيئاً سوى صرير العجلات.
طوال ليلتين كاملتين، ظلت العربة تنهب الأرض نهباً وقمر تبكي في زاويتها بصمتٍ مرير، تمسح دموعها بكسرة ثوبها، وتتساءل عن مصير أختيها، وعن المصير الأسود الذي ينتظرها هي، وعن ذلك الخاتم الذي رأته ينُتزع من إصبع أبيها الميت، تتمنى لو تستطيع نزعه من يد ذلك القاتل بيدها.
وبعد ليلتين من العتمة والاهتزاز، توقفت العربة، وفتُحت أبوابها الخشبية ليتدفق نور النهار الحارق. وجّه الخاطفون الفتيات نحو سوقٍ لم يكن كغيره من الأسواق؛ فلم يكن فيه إلا الحسان من الفتيات والنسوة الطاهرات المسبيات. أجُبرت قمر على الجلوس معهن رغماً عنها، وحين رفعت عينيها المتعبتين لتتأمل الوجوه المحيطة بالسوق، هالها ما رأت؛ لم يكن المشترون من عامة الناس، بل كانوا رجالا ونساءً يبدو عليهم الترف الباذخ، وتشي ثيابهم المزركشة ومجوهراتهم بأنهم من علية القوم والطبقات النبيلة والراقية في البلاد.
بدأت الجواري يقُتدن الواحدة تلو الأخرى ليعُرضن في ساحة المزاد، كأنهن سلعٌ رخيصة لا بشرٌ كرّمهم ﷲ. جلست قمر تراقب المشهد بقلبٍ يخفق بذعر، تحاول أن تتذكر وجه أختيها بدل أن تنظر إلى الوجوه الغريبة من حولها، وتردد في سرها ما وصّتها به أختها الكبرى اسمها، اسم أبيها، أنها ابنة القاضي، كأن هذا الاسم وحده كفيلٌ بأن يعيد إليها كرامتها المسلوبة.
وحين أتى الدور على قمر، صعدت بخطًى متهيبة، لكنها رفعت عينيها لتمسح الحاضرين بنظرةٍ شامخة، تلك النظرة التي ورثتها عن أبيها القاضي دون أن تدري، بينما ظل لسانها رطباً بترديد آيات الحفظ والسكينة، أصمّت أذنيها عن صخب المزايدات وثمن النخاسة، حتى اخترق مسمعها صوت الدلال وهو يعلن إرساء بيعها لرسول بلاط ملك غرناطة.
في تلك اللحظة، رفعت قمر رأسها بسرعة، وسرت في أوصالها راحةٌ غامرة رغم مرارة ما حدث؛ فرغم مرارة الأسر، إلا أن وقوعها في يد ملكٍ أندلسي مسلم، يشاركها الدين والمذهب واللغة، كان أهون بآلاف المرات من ذل العبودية تحت سياط الكفر. مشت خلف رسول الملك بخطًى لا تشُبه خطى الجواري المستسلمات، بل خطى ابنة قاضٍ قررت أن تحمل اسم أبيها إلى حيث لا يعرفه أحد، وأن تصنع من الفقد الذي ذاقته درعاً لا يخُترق، وأن تبقى رغم كل شيء تلك القمر التي لا يطفئ ضوءها في ليل.
_
نظر إدريس إليها بقلب مفطور وعينين يملؤهما الأسى بعدما أنهت حكايتها الشجية، وروت له كيف قيدت بالأغلال من سوق النخاسة لتساق جارية إلى قصر الحمراء بعد تقلب الأيام ببيتها.
صمت إدريس برهة من الزمن يتجرع مرارة ما سمع، ولمح بوضوح غشاوة الحزن الدفين تكسو عيني قمر، فكسر الصمت قائلاً بنبرة خافتة:
- ألا تعلمين أي شيء عن بقية أهلكِ ومن بقي من قريباتك؟.
نفت برأسها بأسى وخطت بسبابتها على الأرض قائلة:
- لا شيء أبداً..... ربما تزوجوا في بلاد ﷲ وأنجبوا أطفالاً، وربما زوجوا أطفالهم أيضاً من بعدهم، أو ربما تلاعبت بهم المقادير فصاروا جاريات عند عربي في ثغر من الثغور، أو عند قشتالي في شمال الأندلس.
وانخفض صوتها كلياً حتى كاد يبح عند كلمة قشتالي، وكأنها في سرها دعت ﷲ وتوسلت أن يكون هذا الاحتمال هو آخر الاحتمالات المتوقعة وأبعدها عن خطوط الغيب. صمت إدريس ملياً تأثراً بوجعها، ثم قال بيقين المؤمن الصابر:
- كان ﷲ معهما أينما حلوا وأقاموا في أرض ﷲ الواسعة.. فﷲ سبحانه لا يترك عبداً ظن فيه خيراً أبداً، ولعل فرجهم قريب.
تمتمت قمر بنبرة خاشعة:
- آمين يا رب العالمين.. آمين.
سكت إدريس قليلاً، ثم سألها بلطف يبتغي به تحويل مسار الأفكار المظلمة:
- أتستشعرين الشوق لأبيكِ القاضي في غيابه؟.
اتسعت ملامح قمر وابتسمت ابتسامة صافية وقالت:
- أشتاق إليه كثيراً يا إدريس.. فكل ذكرياتي الطيبة في هذه الحياة ارتبطت به وحده. لقد كنت في صغري ألازم مجلس قضائه الشريف طوال النهار، ولا أظل في المنزل أبداً، أحب سماع الخصوم ومقالات العدل.
ابتسم إدريس متأثراً بتلك الصورة وقال مستغرباً ومستمتعاً:
- حقا؟ً طفلة في مجلس القضاء؟.
أومأت قمر برأسها وتابعت وسرحت بنظراتها في عتمة ركن الياسمين:
- أجل.. والذكرى المحببة إلى قلبي ولا تفارق مخيلتي، هي عندما كانت إحدانا تقترب من أبي لتتحدث معه وهو يجلس مستقبلاً القبلة يرتل القرآن الكريم بصوته الخاشع؛ عندما ينتهي من حزبه، كان يضع يده الحانية على رأسنا، ويتلو علينا آيات التحصين ويدعو لنا بالبركة ليحمينا من كل شر ومكروه.
ابتسم إدريس لابتسامتها التي أضاءت ثغرها، ثم أردفت قمر وهي تلتفت إليه لتستكشف أسراره بدورها:
- حقاً إن ذكريات الصغر لا تنسى أبداً وتظل منقوشة في الروح.. وأنت يا إدريس، ما هي أحسن ذكريات طفولتك في المرية؟.
نظر إليها إدريس، وتراءت أمام عينيه نسمات البحر البعيدة، ثم قال متبسماً:
- أجمل ذكرياتي كانت عندما كنت أجول في أزقة الميناء القديم، سارقاً أحد الكتب الثمينة من محبرة والدي دون علمه لأقراها وحدي.. فأبي كما تعلمين كان خطاطاً بارعاً، وعندما يفرغ من نسخ أحد الدواوين لشعراء الكلمة، أقوم باختلاسه فوراً لألوذ به إلى رصيف الميناء وألتهم صفحاته.
أمالت قمر رأسها بفضول وقالت:
- ومن هم أفضل الشعراء عندك من بين أولئك الذين قرأت لهم في الميناء؟.
صمت إدريس للحظة يقلب الأوزان في عقله، ثم قال بعينين تلمعان تقديراً للبلاغة:
- المتنبي.. صحيح أن كبرياء شعره وعنفوان كلماته كانا السبب المباشر في موته وهلاكه، إلا أنه كان يمتلك من البلاغة والبيان الساحر ما يعجز عنه الفصحاء، وهو أكثر من يعجبني نظمه.
صمتت قمر لبرهة من الزمن، ودارت عيناها بين ملامح إدريس وبين الأفق الغرناطي البعيد ،ثم التفتت إليه وقالت بنبرة حملت هيبة الحذر وأسى الذكرى:
- المتنبي أوردته بلاغته الموت.. ألا تخاف يا إدريس أن تلقى المصير ذاته، وأن تموت يوماً بسبب كبرياء شعرك وقوافيك؟.
ابتسم إدريس ابتسامة هادئة لا رجفة فيها، ونظر إلى السور العالي وقال بيقين راسخ:
- لا يهمني أبداً إن مت يا قمر.. فشعري هذا لا أكتبه للهوى أو للمدح الزائف، بل هو في نظري جهاد حقيقي عن وطني وأهلي، وموت الشاعر في سبيل قضيته هو خلوده الأسمى.
صمتت قمر وكأن تلك الإجابة الحماسية لم تعجبها تماماً، رغم يقينها الداخلي التام أنه على حق، ورغم إدراكها لصدق نبضه، لكنها وهي التي عركتها المآسي وذاقت مرارة الفقد نكست رأسها وقالت بصوت خافت:
- الموت ليس بالسهولة التي تظنها يا إدريس.. إنه يترك وراءه قلوباً تنزف وحكايات مبتورة.
نفى إدريس برأسه مصراً على عناده الشريف، وقال بنبرة واثقة:
- بل سأتقبل الموت بصدر رحب، وسأفتح له ذراعي باسم الكرامة إن كان في ذلك نجاة لبلادي وحماية لأسوار غرناطة.
ساد الصمت بينهما مجدداً، وعاد حفيف أوراق الياسمين ليمتد في عتمة الليل، قبل أن يلتفت إدريس نحوها وعيناه تشعان بالقلق عليها، وقال محركاً السكون:
- وإنتِ؟.. ألا تخافين على نفسكِ وعلى حياتكِ لأنكِ تتعاونين معي في نظم هذه الموشحات الثورية التي تهز أركان البلاط؟.
صمتت قمر لثوانٍ معدودة، تأملت فيها كفيّها اللتين قيدتا بالأغلال يوماً، ثم رفعت رأسها وقالت بثبات:
- لا بأس بالموت في سبيل الوطن.. فقد عشت ما هو أقسى من الموت.
حولت قمر نظرها إلى إدريس بعينين يملؤهما الثبات التام والعزيمة التي لا تلين، وقالت بنبرة هادئة ورصينة جمعت فيها ببراعة بين وقار مجالس القضاء التي نشأت فيها، ودهاء الملوك الذي تعلمته بين جدران قصر الحمراء:
- يا إدريس، قد يرى البعض في غنائي مجرد طرب ومجالس لهو، لكنه في شرع أبي وقانون الثغور الأندلسية جهاد بالبيان والكلمة. غرناطة اليوم تقع بين فكي غفلة السلطان وخيانة الولاة الذين يبيعون الحصون سراً، وعندما يقرع العدو القشتالي الأبواب، يصبح الدفاع فرض عين على كل نفس بما تملك وبما تستطيع. الفقهاء يملكون المنابر ليعظوا الناس، والجنود يملكون السيوف ليذودوا في الساحات، وأنا هنا خلف هذه الأسوار لا أملك سوى عودي وصوتي؛ فإذا جعلت من هذا الموشح سيفاً مسلولاً يكشف الخونة للملك ويحمي حصون المسلمين، فذلك هو عين العدل وروح الشريعة، وإن أسموه في مجالسهم غناء.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!