وضع القراءة:

شادية الحمراء، الفصل التاسع.

في المجلس قاعة كبرى، الشموع تنعكس على الرخام الأسود، وأبو جعفر يجلس في صدر المجلس مزهواً بماله وعلاقاته، يظن أنه فلت من شكوك الملك.
كان الوزراء والشعراء يراقبون، والملك ينظر إلى قمر بنظرة المتآمر الذي ينتظر لحظة الهجوم.
قمر تدخل بوقار مذهل، لا تنظر لأبي جعفر، لكنها تضبط أوتار عودها ببطء، مما يزيد من توتر الصمت في القاعة.
سارقُ السنابل
يا حارساً للدارِ والبابُ مَفـتـوحْ .. مَن يشتري الأسرارَ بالسرِّ مَفضوحْ
بِعتَ الوفاءَ بمالٍ ليسَ ينفـــــعهُُ .. والـغدرُ في عـينيكَ بالنارِ مطـروحْ
أبو جَعفرٍ في الوهمِ يبني لهُ قصراً..ويحسبن السترَ سيبقى لهُ دهرا
نَسِيَ أن عـينَ الملكِ تملأُ البحرا..وأن خـيانةَ الثغرِ.. حـفرت لهُ قبرا
لا تفرَح بالذهب.. الذهب زائلْ
خنتَ العهد والوطن.. يا ابن القبائل
اليوم عِزّك غاب.. والظلم رِاحل
وما إن أتمّت قمر مطلع الموشح، حتى سقط قناع الهدوء عن وجه أبي جعفر؛ فاصفرّ لونه كأنه الرماد، وبدأت حبات العرق تتصبب من جبينه لتفضح دقات قلبه المتسارعة التي كادت تسمع من بين ضلوعه. في تلك اللحظة المزلزلة، أدرك الطاغية أن التي تقف أمامه ليست مجرد جارية تغنّي الموشحات، بل هي لسان الملك الخفي، وسيف العدالة الذي سُلّ عليه بغتة.
التفت الملك نحو أبي جعفر، والابتسامة ترتسم على شفتيه ببرودٍ قاتل، ثم قال مستنكراً أمام حشد الحاضرين:
- صدقت قمر.. أليس كذلك يا أبا جعفر؟.
كانت تلك الكلمات هي المقصلة التي أنهت وجوده؛ فلم يكن ذلك سقوطاً للمكانةِ فحسب، بل كان إعلاناً بنهايته السياسية والاجتماعية. ونظراً لخيانته، نزُعت عنه أهليته، وصدر الحكم بـ ردّ شهادته، ليصبح بين الناس رجلاً بلا شرف، لا تقُبل له كلمة، ولا يلُتفت له رأي، ولا تقُام له بين الأحرار قائمة.
نهض الملك واقفاً من فوق عرشه، ونظر إلى أبي جعفر بطرف عينيه باحتقار شديد وقال:
- رجل دون مروءة.. يا للعار!.
ثم خرج الملك من القاعة بوقار، تاركاً خلفه موجة عارمة من الفوضى والهمسات المكتومة، حيث جعل الحاضرون يتهامسون وينظرون إلى أبي جعفر بأعين يملؤها الشماتة والازدراء.
وقفت قمر هي الأخرى بثبات وهي تحمل عودها، وتنوي الخروج من القاعة بعد أن أدت رسالتها بنجاح، لكنه استوقفها نداء أبي جعفر الغاضب الذي صرخ بمرارة:
- يا شادية الحمراء!.
التفتت قمر إليه ببطء، ونظرت في عينيه ببرود شديد وازدراء لا يخفى، ليكمل أبو جعفر بصوت يرتجف غضباً وتوتر اً:
- حلت لعنة ﷲ عليكِ!.. حلت لعنة ﷲ عليكِ!.
ابتسمت قمر بتهكم وثقة تامة، ثم قالت بنبرة قاطعة هزت جدران القاعة:
- كلنا يعلم على من حلت عليه لعنة ﷲ حقاً.. فرجل خائن لا تقبل شهادته بين الناس، فليغرس وجهه في التراب أفضل له.
وغادرت قمر القاعة مرفوعة الرأس بخطوات ملكية، تاركة خلفها حقده الأسود وغضبه الحارق يأكل ما تبقى من روحه الذليلة.
_
بعد ساعات قليلة من انقضاض المحفل، اتجهت قمر بخطوات هادئة نحو مجلس العرش ،فوجدت السلطان جالساً على أريكته الملكية، وبينه يديه كومة من الأوراق يقلبها بعناية ويمسح جبينه من التعب .وعندما اقتربت منه قمر وأنارت المجلس بحضورها، رفع رأسه نحوها وقال بنبرة حملت الكثير من الثقة:
- إنني أبحث عن وزير جديد للدولة يا قمر، ووالي مخلص أيضاً لثغور جبل طارق بدلاً من ذاك الخائن.
ثم مد يده بالأوراق نحوها وأردف قائلا ً:
- خذي هذه الأوراق، وساعديني في اختيار رجلين مناسبين لهذه المهمة الثقيلة.
حملت قمر الأوراق وبدأت قراءتها بتمعن؛ كانت السطور تحوي أسماء رجال من أعيان غرناطة المرشحين لهذه المناصب، تضم أسماءهم، وتواريخ ميلادهم، وسير عائلاتهم وقبائلهم. قلبت قمر الأوراق بين يديها قليلاً بذوقها وفطنتها، ثم سحبت ورقتين وقدمتهما للملك قائلة بيقين:
- هذا يصلح وزيراً، وهذا أراه مناسباً لولاية الثغر.
حل صمت قصير في أرجاء مجلس العرش، تأمل فيه الملك اختيارها بارتياح، قبل أن تكسر قمر الصمت قائلة بنبرة حذرة:
- لدي طلب عندك يا مولاي.
رفع السلطان رأسه ونظر إليها بابتسامة واسعة وقال:
- اطلبي ما تشائين يا قمر، فما فعلتيه لأجلي ولأجل غرناطة اليوم كثير جداً.
ابتسمت قمر وقالت بعفوية:
- أريد الإذن بالخروج هذا المساء لزيارة حي البيازين.. فالقصر وجدرانه العالية قد غمتني يا مولاي.
تفاجأ الملك من كلامها، ثم انطلق بضحك خفيف وقال متعجباً:
- القصر غمكِ؟! إن الجميع يتمنون دخول أسوار الحمراء والعيش فيها، وأنتِ يغمكِ القصر؟ وماذا عن جنة العريف؟ إنها واحة واسعة نضرة لا يدخلها أي أحد.
ابتسمت قمر حين تذكرت خلوة جنة العريف وركن الياسمين، لكنها صممت على طلبها وقالت برقة:
- هذا هو طلبي الوحيد يا مولاي.
نظر الملك إليها مطولاً، ورأى الصدق في عينيها، فقال برضا وتفهم:
- اذهبي إذن، لكن شريطة ألا تتأخري في العودة، وسأرسل معكِ حارسين من حراس البلاط لحمايتكِ.
نفت قمر برأسها مسرعة وقالت مستعطفة:
- بل أريد الذهاب وحدي.. أريد أن أختلي بنفسي بعيداً عن عيون الحراس والمظاهر.
نظر إليها الملك مطولاً ودرس ملامحها، ثم قال مستسلماً لرجائها:
- لكِ ساعة واحدة فقط، وتعودين بعدها إلى القصر.
أومأت قمر برأسها موافقة، ثم اتجهت مسرعة إلى غرفتها، فارتدت عباءتها السابغة وأسدلت لثامها على وجهها بعناية حتى لا يتعرف عليها أي شخص في حي البيازين فتنكشف هويتها وتنتشر الشائعات في المدينة. خرجت من أبواب القصر متجهة بخطى حثيثة نحو سوق الوراقين الشهير، حتى دلفت إلى الحانوت الصغير الذي كان يعمل به ادريس.
ما إن دخلت وعبرت الستار، حتى نادت بصوتها:
- ادريس!.
رفع ادريس رأسه عن محبرته مذهولاً، وهب واقفاً على قدميه على الفور وقال بهمس يملؤه الخوف عليها:
- هل تسللتِ مجدداً يا قمر؟.
نفت برأسها متبسمة من خلف لثامها وقالت بطمأنينة:
- لا، لم أتسلل.. لقد سمح لي الملك بالخروج هذه المرة.
مدت يدها ونزعت لثامها عن وجهها الصبوح لتتنفس براحة أكبر وتتحدث بحرية. وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت شيخ وقور من زاوية الحانوت الدافئة، يسأل مستفسراً بنبرة تملؤها الدهشة:
- هل هذه هي قمر؟.
نظرت قمر نحو الشيخ بوجل واستغراب، ثم التفتت بعينيها نحو ادريس ليفسر لها الأمر ،فأجاب ادريس مسرعاً بابتسامة مهدئة:
- نعم يا عمي منصور.. هذه هي قمر ابنة القاضي.
اتسعت ابتسامة العم منصور، وأشرق وجهه بالفرح وهو يتأمل ملامحها الشريفة، ثم قال بنبرة دافئة ومرحة:
- الآن فقط أفهم سبب خوف تلك العجوز المسنة عليها.
بادلت قمر الشيخ الود بابتسامة خجولة، ليتابع العم منصور ترحيبه الحار قاطعا الصمت:
- اجلسي يا بنتي واستريحي.. هل تريدين أن أحضر لكِ شايناً دافئاً، أو ماء، أو شيئاً تأكلينه؟ إن منزلي قريب جداً من هنا وزوجتي بارعة وتعد أشهى الأطباق الأندلسية.
نفت قمر برأسها متبسمة وشاكرة له كرمه الأبوي وقالت:
- أشكرك من كل قلبي يا عمي، لكني مع الأسف لا أملك متسعاً من الوقت، فقد حدد لي الملك ساعة واحدة للعودة.
التفتت قمر بكليتها نحو ادريس، وقالت وعيناها تلمعان ببريق الانتصار والتشفي:
- لقد نفذ الحكم الصارم على أبي جعفر اليوم يا ادريس.. وقصيدتك التي كتبتها بحبر قلبك قد جعلت وجهه أصفر كالرماد، وسالت حبات عرقه خجلاً، والآن يشمت به الناس والوزراء في كل أنحاء القصر بعد أن سقطت أهليته وردت شهادته.
ابتسم ادريس ابتسامة عريضة ملأت وجهه فرحاً، والتفت بنشوة نحو رفيقه وصاح بصوت مرتفع مبهج:
- عمي منصور.. اسمعت ما تقوله قمر؟ لقد حُكم أخيراً على ذاك الخائن الذي فتش حصون طارق وباع ذمته للعدو.
شارك العم منصور فرحتهما العارمة، وهز رأسه وهو ينظر إليهما بفخر واعتزاز، وقال بلهجة صادقة خرجت من جوف قلبه:
الحمد لله.. إن الأندلس ما زال يلوح فيها الخير ما دام فيها أمثالكم. وﷲ إنكما شريكان رائعان؛ هذا بقلمه، وتلك بصوتها وعقلها.
حانَ وقتُ الرحيلِ، فتقدمت قمر نحو عتبةِ البابِ لتعيدَ إرسالَ لثامِها وتغادرَ الحانوتَ قبلَ أن تنقضي الساعةُ الملكيةُ. في تلك اللحظةِ، مالَ العم منصور بنظرتهِِ نحو ادريس، وهمسَ في أذنِهِ بنبرةٍ أبويةٍ حملت حث النخوةِ والشهامةِ :
- أوصلها يا بني.. أتدعُ فتاةً شريفةً تمشي وحدَها في عتمةِ أزقةِ البيازين؟ أين شهامتكَُ ومروءتكَُ؟.
نظرَ ادريس إلى قمر ثم التفتَ إلى العمِّ منصور بترددٍ وارتباكٍ، فالحذرُ واجبٌ والعيونُ تحيطُ بابنةِ القاضي من كلِّ جانبٍ. ولكن، عندما همت قمر أن تطأَ عتبةَ البابِ للخروجِ، حسمَ ادريس أمرَهُ وخطا نحوها قائلاً بلهفةٍ :
- قمر!.. انتظري، دعيني أوصلكِ إلى القصرِ.
التفتت إليهِ قمر ونفت برأسِها برفضٍ تامٍ وقالت بصوتٍ خافتٍ حذرٍ :
- لا يا ادريس.. أتريدُ للحراسِ والعيونِ المحيطةِ بالأسوارِ أن يرونني برفقتكَِ؟ فيأخذونُ أخباري وقصتي كاملةً إلى الملكِ؟.
لم يستسلم ادريس لرفضِها، بل قال محاولاً إيجادَ منطقةٍ آمنةٍ:
- إذن.. نصفَ الطريقِ فقط، حتى تطمئن نفسي عليكِ في هذه المسالكِ الوعرةِ.
مشيا سوياً تحت شمس مساء الأندلسي، والسكوتُ يلف خطواتِهما هيبةً ووصفاً، حتى بلغا نصفَ الطريقِ المؤدي إلى أبوابِ الحمراء العاليةِ. توقفت قمر والتفتت إليهِ، وبدت ملامحُها من خلفِ اللثامِ حزينةً وهي تقول بنبرةٍ شجيةٍ:
- لا أظننا سنلتقي كثيراً من بعدِ اليومِ يا ادريس.. فلن أستطيعَ الخروجَ من القصرِ كثيراً، وأما عن معينتي وصديقتي المسنةِ، فأنا أعلمُ يقيناً أنها سترفضُ مساعدتي مجدداً لأنني بلغتُ الح َّ د الأقصى من مغامراتي، ولن تخاطرَ بي أكثرَ.
نظرَ ادريس إليها، وشعرَ بكتمةٍ في صدرِهِ وكأن منافذَ النورِ تغُلقُ في وجهِهِ، فقال مسرعاً وعيناهُ تبحثانِ عن مخرجٍ:
- وجنةُ العريفِ؟.. وركنُ الياسمينِ الذي شهدَ على لقائنا؟.
تنهدت قمر وقالت بعقلانيةٍ تشوبُها الحيرة:
- وهل ستتسلقُ سورَ الجنةِ العالي كل يومٍ؟ إن الخطورةَ تزدادُ والعيونُ تكثره.
أومأ ادريس برأسهِ بيقينٍ ثابتٍ وثقةٍ هزت قل بَها، وقال متبسماً في تحدٍّ للصعابِ :
- نعم، سأفعلهُا.. سأتسلقُ السورَ كل ليلةٍ إن لزمَ الأمرُ، فقصائدي ورسائلي لا بد لها أن تصلَ إليكِ، وأوتارُكِ هي من تمنحُ حبري الحياة.
صمتت قمر للحظةٍ، وامتزجت حيرتهُا بفرحٍ داخليٍّ غامرٍ لعنادِ وفائِهِ، وجعلتْ تفكرُ في مخرجٍ يوازنُ بين حمايتِهِ من السقوطِ أو الأسرِ، وبين رغبتِها في لقاءِ قلمِها الخفيِّ. وبعدَ أخذٍ وردٍّ في الكلامِ، وصلا معاً إلى قرارٍ مشتركٍ يرضي الطرفينِ ويحفظُ سلامتهما؛ أن يكونَ اللقاءُ سراً مرةً واحدةً كل يومينِ، في جنةِ العريفِ، عِندَ ركنِ الياسمينِ المعهودِ.
_
مرت الأيام والأسابيع، وكان ذلك الاتفاق السري بينهما ينساب بدقة وعناية؛ يلتقيان في ركن الياسمين المقدس كل يومين دون انقطاع. يتبادلان أطراف الحديث الهامس، فيحمل إدريس إليها أنباء البيازين، وحكايات سوق الوراقين، ونبض العامة في الأزقة، بينما تنقل إليه قمر مجريات القصر الصاخبة، وتحركات الوزراء الجدد خلف الأبواب المغلقة. كان اللقاء أحياناً يطول لساعات حتى يداهمهما الفجر، وأحياناً أخرى لا يتعدى دقائق معدودة، يكتفيان فيها بتبادل شفرة خاطفة، وذلك كله يتبع طبيعة الأخبار المحملة في جعبة كل منهما ومدى خطورة العيون المراقبة.
وفي إحدى تلك الليالي الساكنة، تدلى هلال شهر رجب المتناقص فوق الأفق الأندلسي البعيد ،وبدا رقيقاً وضئيلاً للغاية حتى خيل للناظر إليه أنه قد يذوب بين لحظة وأخرى في ظلمة الليل الحالك. كانا يجلسان جنباً إلى جنب على العشب النضير، يستنشقان عطر الياسمين المختلط برطوبة الأرض العتيقة، حين كسر إدريس الصمت الطويل، والتفت نحوها قائلاً بفضول دافئ طالما كتمه في صدره:
- قمر.. أخبريني حقاً، كيف كانت البداية؟ كيف جرت بكِ الأقدار حتى وصلتِ إلى هنا، إلى غرناطة، وأصبحتِ جارية في بلاط السلطان وأنتِ ابنة الشرف والقضاء؟.
نظرت إليه قمر مطولاً من خلف عتمة المكان، وامتزجت في عينيها ملامح العزة بالحزن الدفين، ثم قالت بنبرة هادئة حملت ظلالاً من التمنع:
- وهل تفيدك الإجابة في شيء يا إدريس؟ إنها صفحة طواها الزمان ونالت من صاحبها ما نالت.
نفى إدريس برأسه مسرعاً، ونظر إليها بنظرة رجاء صادقة وقال:
- لا، لن تفيدني بشيء في واقع الأمر.. ولكن، ألن ترضي فضولي؟ أريد أن أعرف قمر الحقيقية، كيف صهرتها الأيام لتصبح شادية الحمراء التي أبكت وزراء القصر بكلماتها.
زفرت قمر زفرة عميقة وحارة خرجت من أقصى جوفها المنهك، ثم رفعت رأسها نحو السماء، وشخصت بعينيها نحو ذلك الهلال الراحل، كأنها ترى في عتمة الفضاء شريط ذكرياتها القديم يمر حياً أمام عينيها، ليعيدها إلى نقطة البداية التي غيرت مسار حياتها إلى الأبد.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.