حي البيازين، الفصل الثالث
في مكان آخر، وتحديداً في حي البيازين الذي غلفت أزقته خيوط الصباح الأولى، غادر إدريس غرفته الصغيرة المتهالكة التي تفوح منها رائحة الطوب والصلصال الرطب، متجهاً بنعليه نحو الحانوت ليرزق من عمله. لكن خطاه تعثرت حين شق صمت السوق مناداة قوية باسمه.
التفت إدريس، فوجد العم منصور، صاحب الحانوت الذي يعمل به، واقفاً في حلقة ضيقة مع مجموعة من رجال الحي، وكانت الملامح واجمة والجدية تخيم على حديثهم. اقترب إدريس بخطى حثيثة، وقبل أن ينطق، بادره العم منصور مستعجلاً:
- هل سمعت الأخبار الطازجة التي حطت في الحي هذا الصباح يا إدريس؟.
عقد إدريس حاجبيه متعجباً وقال:
- أي خبر هذا الذي قد يجعل الرجال تتجمع في الصباح الباكر وتحير عقولهم يا عمي منصور؟.
هز منصور رأسه وقال بنبرة لاهثة:
- هل تتذكر شادية الحمراء التي غنت في ساحة البيازين قبل أسبوع؟.
أومأ إدريس، وفجأة شعر بقلبه ينبض بعنف وتتسارع دقاته ترقباً لما سيقال. أكمل منصور وعيناه تتلفتان حذراً:
- لقد أتى غلام يعمل في قصر الحمراء قبل قليل، وقال بملء فيه إنها سيقت إلى الزنزانة المظلمة هذا الصباح بتهمة خيانة سيدها الملك.
تدخل رجل آخر من المجموعة متأسفاً:
- لم أكن أتوقع أنها جارية في الأصل، حتى أسمع الآن أن سيدها قد غضب عليها وسجنها.
ابتلع إدريس ريقه بصعوبة، وشعر بتوتر يسري في أطرافه، وحاول الحفاظ على جموده وقال محققاً:
- ومن يعلم بهذا الخبر إلى الآن في السوق؟.
أجاب منصور:
- نحن الرجال الذين نقف هنا فقط.. لأن الغلام الذي نقل الخبر هو صاحب ذاك الرجل.
وأشار بيده إلى أحد الحاضرين في المجموعة.
تنفس إدريس الصعداء داخلياً، وجمع ثباته وقال بنبرة مستعجلة يملؤها الذكاء:
- أتنقادون وراء كلام غلمان؟ أنتم تثقون بحكمتي وأمانتي.. ما رأيكم أن نبقي هذا الأمر سراً قاطعاً بيننا، وسأذهب بنفسي لأبحث عن حقيقة الأمر وآتيكم باليقين؟.
رد الرجل الذي يقرب للغلام متشككاً:
- ومن أين لك أن تأتي بالاخبار الصحيحة من داخل أسوار القصر؟.
قال إدريس بثقة:
- لقد قمت بكتابة بعض الرسائل والدواوين للملك سابقاً، وسأختلق عذراً مشابهاً لألج القصر. والغلام صغير، بالتأكيد لم يسمع الأمر بأذنيه في ديوان الحكم، بل نقله عمن أخبره من الحواشي.
أومأ الرجال باقتناع، وتواثقوا على إبقاء الأمر سراً حتى يعود إدريس بالخبر اليقين؛ فهم يعلمون صدق أمانته وأنه رجل ترفع عن الكذب واختلاق الحكايات، خاصة مع إصرار العم منصور وتزكيته له.
اتجه إدريس نحو الحانوت بخطى مضطربة، لكنه لم يدخل، بل جلس عند عتبة الباب الخشبية، يرنو ببصره نحو ممر السوق، ينتظر بفارغ الصبر أن تمر تلك المرأة المسنة، الصديقة المقربة لقمر. ولم تمر سوى ساعة، حتى لمح قامتها تمشي وسط الزحام، فنهض يركض نحوها كالملهوف يلهث مغبراً.
وقف أمامها وقال وهو يلتقط أنفاسه:
- قمر..؟ ما حال قمر؟.
نظرت إليه المعينة المسنة، وعيناها تطبقان عليه بحدة، وصكت على أسنانها بغيظ شديد، وقالت بنبرة حانقة:
- قمر؟! تسأل عنها الآن أيها النحيل المتهور؟.
رفعت قفتها الخوصية المليئة بالمقاضي بيد مرتجفة، وكأنها كانت على وشك أن تضربه بها على رأسه، لكنها تمالكت أنفاسها بصعوبة تامة وأكملت بهسيس غاضب:
- لقد أخبرتها أن تتوقف عن هذا اللعب، لكنها فتاة عنيدة رأسها من صخر! وأنت من ألصقتها بلعبك وثورتك هذه.. أليس من المفترض أن تعاقب وحدك وتتركها وشأنها؟.
استجمع إدريس شتات نفسه وسألها بصوت خفيض:
- إذن.. صحيح ما قيل في السوق أنها سيقت إلى الزنزانة؟.
استغربت المعينة، ونظرت إليه مستنكرة وقالت بحدة:
- الزنزانة؟! لا.. بل هي قابعة في غرفتها وتحت حمايتنا.
قال إدريس مذهولاً:
- ولكن هناك غلاماً من القصر أوصل خبراً للحي بأن شادية الأندلس سيقت للسجن بتهمة خيانة سيدها الملك.
نفت المعينة برأسها بصرامة وقالت:
- لم يصل غضب الملك إلى ذلك الحد بعد.. الأمر لم يتجاوز عتاباً وسؤالاً.
زفر إدريس بقوة، وأخرج نفساً حاراً وثقيلاً لم يكن يعلم أنه يكتمه في صدره من شدة الخوف عليها، وقال بصوت خافت:
- شكراً جزيلاً لكِ.. والله لقد أرحتِ قلبي.
طالعتها المعينة باستنكار ولوعت فيه قائلة بقسوة:
- أرحتُ قلبك؟! اسمعني جيداً أيها الخطاط المتهور.. ابتعد عن قمر تماماً، وأبعدها عن مشاكلك وثورتك العقيمة. وأقسم بحق الخالق الذي برأنا وجعلك تجتمع بها في ذلك الزقاق الملعون، إن رأيتك تحوم حولها مجدداً أو ترسل لها رقاعاً، سأقوم باقتلاع عينيك من محجرهما، وقطع أطرافك الأربعة، وقطع لسانك من لغاليغه حتى لا تستطيع النظر إليها، ولا المشي نحوها، ولا الكلام معها مجدداً.
أدارت العجوز ظهرها بغضب عارم وغادرت السوق بخطى سريعة، فتمتم إدريس خلفها بهمس وعينيه تلاحقها:
- يا لكِ من امرأة قاسية الوجدان.
عاد إدريس إلى الحانوت، وجلس وراء مكنته، وحكى لعمه منصور الحقيقة كاملة؛ بأن الأمر مجرد إشاعة نقلها غلام جاهل، ليذيعها منصور بين الرجال كما وعدوا، واستطاع بذكائه تطهير اسم قمر من تلك التهمة الشنيعة قبل أن تنتشر كالنار في الهشيم.
لكن تأنيب الضمير كان يساوره ويطحن عقله، وكلمات العجوز وتوبيخها القاسي يترددان في مسمعه كقرع الطبول. لكن.. ما ذنبه هو؟ إنه مجرد شخص خائف على بلده الأندلس، الأرض التي ترعرع فيها وضمت عظام أهله وأجداده. لديه حرارة الانتقام لتراب أرضه التي تسلب قطرة قطرة، وحقد دفين يتأكل في صدره تجاه القشتاليين الذين شتتوا شمله وجعلوه يفترق عن عائلته في صغره.
هو يحاول بالمقاومة والثورة بأبسط طريقة يملكها؛ بأبياته وقلمه الفاخر. ولكي تصل هذه الأبيات وتوقظ الأمة، استعان بالشادية وصوتها، وهو لم يجبرها على ذلك قط، بل هي التي أرادت واختارت طريق الحق بنفسها! فلماذا توبخه تلك المعينة بكل هذه القسوة وكأنه مجرم؟.
وبينما كان يخط رسالة بتركيز، غرقت أفكاره في بحر من السخرية السوداء من هذا القدر العجيب، وفجأة، أطلق ضحكة عالية مجلجلة في وسط الحانوت الساكن، مما جعل العم منصور يترك أوراقه وينظر إليه بقلق واستغراب شديدين وقال:
- ما بك يا ولدي؟ هل ابتلعت الحبر عن طريق الخطأ فذهب بعقلك؟.
نظر إدريس إلى عمه منصور، ثم أحدر رأسه حياءً وخجلاً وهو يمسح على جبهته ليكمل عمله، وقال مبرراً:
- العفو منك يا عمي.. لقد تذكرت نكتة وطرفة خطرت في رأسي فجأة، ولم أستطع كبت ضحكتي.
هز منصور رأسه وأكمل عمله هو الآخر، ولكنه بين الفينة والأخرى كان يسترق النظر نحو إدريس، ليتأكد من سلامة عقله وهل أصابه مس من جنون الوراقين.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!