وضع القراءة:

فقه القضاة، الفصل السابع.

مقصورة الذهب، الحمراء جنة العريف في المساء يلقي بظلاله الزرقاء على الأروقة، وصوت الريح يصفر خفيفاً عبر المشربيات الخشبية المعقدة.
السلطان يحرك قطعة الخيل ببطء، وعينيه لا تفارق الرقعة، لكن عقله يسرح في مكان أبعد، ليقول بنبرة هادئة ومتعبة:
ـ تذكرين آخر مرة لعبنا فيها الشطرنج وتكلمت عن حيلة الوزير ؟ لقد أصبت يا قمر .. الوزير القوي فتنة، لكن الوالي الضعيف كارثة. قولي لي، وأنتِ التي تلتقط أذنك نبض الشارع في نغمات العود.. ما قولك في أبي جعفر ، والينا على ثغور جبل الطارق؟ أراه يكثر من إرسال الهدايا لوزيري، ويقل من إرسال التقارير لي.
تبسمت قمر بخفوت وانشراح داخلي، فقد دارت قطع اللعبة كما تمنت، وجاء الموضوع الذي تحيَّنت الفرصة لطرحه من كلام إدريس، طوعًا بين يديها. توقفت يدها في الهواء للحظة يسيرة كأنها تزن بميزان، ثم وضعت قطعة الجندي بهدوء قاتل ورصانة، كأنها تضع حدا نهائيا لحياة أحدهم، وقالت بصوت رخيم وواثق تملؤه الهيبة:
ـ الهدايا يا مولاي هي لغة من لا يملك الحجة، أو من يملك سراً يحتاج لغطاء من الذهب. أبو جعفر رجل يبني لنفسه قصراً من المديح في بلاطك، بينما جدران الثغر التي يحميها يتأكلها الصدأ. الوالي الذي يخطب ود وزيرك أكثر من هيبتك، هو رجل وضع قدماً في سفينتك، وقدماً في سفينة من سينجو غداً.
السلطان يرفع رأسه بحدة، وعيناه تضيقان:
ـ تتهمينه بالخيانة صراحة؟ الرجل من أكابر القوم، ومن أسرة عرفت بالولاء.
قمر تبتسم ابتسامة باهتة، وتحرك القلعة:
ـ الولاء يا مولاي ثوب يضيق ويوسع حسب ريح المكاسب. انظر إلى الرقعة.. هل ترى الجندي الذي يقف بعيداً عن مَلِكِهِ؟ إنه ينتظر ليرى أي الطرفين سيسقط الآخر ليتقدم ويصبح وزيراً عند الغالب. أبو جعفر لا يخونك لأنه يكرهك، بل يخونك لأنه لا يؤمن بخلود عرشك هو يشتري النجاة من القشتاليين بأسرار حصوننا، ويشتري صمت وزيرك بالمال.
السلطان يضرب بيده خفيفاً على حافة الرقعة:
ـ ويحك يا امرأة الهذا الحد ترين السواد في قلوب رجالي؟.
قمر بثبات:
ـ أنا لا أرى سواداً، أنا أرى خوفاً. الغرناطيون اليوم يا مولاي يخافون الغد، والخائف لا يُؤتمن على مفتاح باب، اسأل نفسك لماذا يبتسم أبو جعفر في وجه رسل القشتاليين أكثر مما يعبس؟ ولماذا القوافل التي تمر عبر ثغره لا تفتش كغيرها؟.
يسكت السلطان، ويبدو عليه أن كلماتها قد لمست شكوكاً كانت مدفونة في صدره. ينظر إلى قطعة الملك المحاصرة بين جنودها:
ـ لو أخذت بقولك، لوجب على قطع رؤوس كثيرة تحتمل الولاء.
قمر:
ـ تقطع الرؤوس يا مولاي.. بل اقطع السبل. غير الأماكن، فاجئهم بحركة لا يتوقعونها، تماماً لا كما سأفعل الآن.
تقوم بحركة بارعة بـ الفيل، فتصدم ترتيب السلطان تماماً، قمر تكمل بنبرة تحذيرية:
ـ كش ملك ... ولكن في اللعب فقط أما في الواقع، فالملك لا يقع إلا إذا صدق أن كل من يمدحه هو سيف له يا مولاي احذر من الصمت الذي يسبق العاصفة، واحذر من الرجال الذين يضحكون والعدو على الأبواب.
السلطان يتنهد بعمق، وينظر إليها بذهول:
ـ أقسم أنني أحياناً أخاف منك يا قمر. كيف لامرأة خُلقت من لحن وجمال أن تملك عقلاً يقرأ ما خلف الحجب؟.
قمر تطاطئ رأسها بتواضع مصطنع:
ـ الجمال يا مولاي هو غلافي فقط، أما حقيقتي فهي أنني ابنة هذه الأرض، والأرض تشعر بوقع أقدام الغزاة قبل أن يراهم الحاكم في مراياه.
بينما كان الحوار محتدماً حول خيانة أبي جعفر وتحركات القطع، انطلق من مئذنة جامع الحمراء القريب صوت الأذان.. شق صمت الليل الرخامي بنداء الله أكبر.. الله أكبر.
توقفت يد قمر التي كانت تحوم فوق الفيل فجأة. ساد سكون تام في المقصورة، ولم يقطع هيبة الأذان إلا حفيف الأشجار في الخارج. سحبت قمر يدها بهدوء، وجمعت أطراف وشاحها الأرجواني حول صدرها بوقار وقالت بصوت منخفض ولكن حازم
ـ عذراً يا مولاي.. لقد أذن العصر، وحان وقت الوقوف بين يدي من هو أعلى شأناً من الملوك.
نظر إليها السلطان بابتسامة يملؤها العجب، فقد اعتاد أن ينسى حاشيته الدنيا وما فيها بمجرد الجلوس معه، لكن هذه المرأة كانت تملك بوصلة داخلية لا يحركها بريق التيجان، ليقول الملك مبتسما بتعجب:
ـ اتتركين رقعة كدت أن تهزمي فيها سلطانك لتذهبي للصلاة؟ ألا يغفر الله للمحبين تأخير ساعة؟.
قمر تقف بوقار، وعيناها مثبتتان على الأرض:
ـ مولاي.. والدي القاضي رحمه الله علمني أن من ضيع حق خالقه في ساعة الرخاء، ضيعه الخالق في ساعة الشدة. ونحن يا مولاي في شدة لا يرفعها عن غرناطة إلا من نادي الآن باسمه فوق المآذن، الصلاة هي الحصن الوحيد الذي لا يستطيع القشتاليون حصاره.
انحنت قمر قليلاً إجلالاً ، ثم انسحبت بخطوات وئيدة نحو زاوية المقصورة حيث سجادة صلاتها، تاركة الملك ينظر إلى رقعة الشطرنج وإلى مقعدها الخالي بذهول مشوب بالاحترام.
بعدما أتمت قمر صلاتها في ركن المقصورة، وقرأت ما تيسر لها من وردها اليومي من القرآن الكريم بنفس مطمئنة خاشعة، عادت بوجه مشررق وثبات وعيد إلى مجلس الملك لتأخذ مكانها المقابل له فوق وسائد الديباج، ويستأنفا معاً اللعب وتناقل الأحاديث المكتومة يعود السلطان بظهره، وقد غلبت عليه الحيرة، يقلب قطعة الخيل في يده ويسأل بقلق:
ـ إذن، أأمر بضرب عنقه الخيانة لا يُغسل عارها إلا بالدم يا قمر، وأبو جعفر قد أفسد في الأرض بنقضه العهد.
قمر تنظر إلى الرقعة بهدوء، ثم ترفع بصرها:
ـ مولاي.. والدي القاضي كان يقول الإعدام ينهي الخائن، لكنه لا ينهي الخيانة في عقود الشريعة ومواثيق الأمة، هناك ما يسمى بفقدان الأهلية. أبو جعفر لم يعد أهلاً للأمانة، لكن قتله الآن قد يجعل منه مظلوماً في أعين أتباعه، ونحن لا نريد دماً يغلي في عروق قبيلته والعدو يقرع الأبواب.
السلطان باهتمام:
ـ وماذا يقول فقه القاضي في رجل باغ ذمته؟.
قمر بنبرة مليئة بالدهاء الشرعي:
ـ في فقه العقود يا مولاي، إذا نكث الطرف عهده، سقط حقه في الولاية. لا تقتله.. بل اعزله واحصره بماله. الشريعة علمتنا أن التعزير يكون بما يردع لا بما يفني. اجرده من سلطته وصادر أمواله التي جمعها من رشاوى القشتاليين لتعمر بها أسوار الثغر الذي أهمله.
تكمل قمر بحزم:
اجعله عبرة بلا دماء. فالرجل الذي يعيش منبوذاً مسلوب الجاه، محروماً من أهلية الثقة يموت في اليوم ألف مرة، ويبقى حياً ليراه كل طامع فيعرف مصيره. الإعدام يخرس اللسان، لكن العزل والتشهير يكسر النفوس الطامعة.
السلطان يبتسم بإعجاب:
ـ والله لقد نطقت بلسان الفقهاء وكيد الملوك جعلت من الشريعة سيفاً يقطع الطمع لا الرقاب.
اجابت قمر بثبات ووقار:
ـ لأن غرناطة اليوم يا مولاي بحاجة إلى العدل الذي يجمع القلوب، لا إلى البطش الذي يفرقها. الخائن سقط في عقد الولاء مع الله أولاً، ومن ضيع عهد الله، سلبه الله القبول.. فلا تجعل له وزناً بالسيف.
اتسعت ابتسامة السلطان، ونظر إلى قمر بنظرة يملؤها الزهو والتقدير لعقلها الداهية، ثم قال بنبرة حملت تفويضاً لم يظفر به أحد من وزرائه:
ـ إذن يا قمر .. سأدعك تحكمين وتديرين هذا الأمر بنفسك ووفق هواك.
نظرت إليه قمر بعينين شاخصتين يملؤهما الاستغراب والتساؤل المكتوم؛ فهي التي اعتادت أن تبث آراءها في كبار رجال الدولة والنبلاء خفية من وراء الحجب والمشربيات، فكيف يُلقي الملك بزمام علية القوم بين يديها علانية؟ لم يترك السلطان حيرتها تطول، بل أردف متبسماً بكيد الملوك:
ـ اختاري شاعراً فصيحاً من شعراء البلاط والقصر، يكتب لك نص حكم العزل والمصادرة بطريقة رشيقة تناسب أوزان موشحاتك وغنائك. سأقيم في القريب حفلاً حاشداً أدعو إليه سائر كبار الرجال والنبلاء وقادة الجند، وأريدك أن تغني موشحك العازل أمام الملأ أريد أن يظهر هذا العزل موجعاً لقلب أبي جعفر، مفسداً لكبريائه أمام أقرانه.
ارتسمت على شفتي قمر ابتسامة ظافرة، وانحنت برأسها في وقار وإجلال وافقت به على شرط الملك ومكرمته.
غادرت قمر شرفة مقصورة الذهب متوجهة نحو جناحها الخاص، وكانت السعادة تكاد تطير بها، وخطواتها الوئيدة تسرع هائمة من الفرح. وعند انعطاف الرواق المرمري الطويل التقت بمعينتها الرؤوم المسنة، فلم تملك قمر نفسها من شدة الابتهاج؛ إذ ركضت نحوها وضمتها إلى صدرها بعناق دافئ واسع، والابتسامة تملأ وجهها الصبوح.
ضحكت المعينة المسنة لطاقة الفرح والسعادة التي غمرت قمر وقالت وهي تمسح على كتفها:
ـ ما الخطب ؟ وما الذي أسعد قلبك الصغير هكذا؟.
صفقت قمر بكفيها الرقيقتين طرباً وقالت بصوت متهدج من السرور:
ـ لقد فعلتها.. لقد فعلتها بحمد الله. سأقوم بطرد وعزل أبي جعفر بيدي، والينا على ثغور جبل طارق.. ذلك الخائن الذي باع حصوننا للقشتاليين سيسقط سقوطاً مدويا بأوتاري وعودي
تبسمت المعينة بفخر واعتزاز وقالت برفق:
ـ أحسنت وصنعت خيراً يا قمر .. هذا جزاء من يخون تراب هذه الأرض.
سكتت قمر فجأة، وتلاشت تصفيقات يديها، ونظرت إلى الأرض بتردد طفولي وهي تفرك أطراف وشاحها، ثم رفعت عينيها وقالت بنبرة خافتة مستعطفة:
ـ ولكن.. لدي طلب صغير عندك.
أومات المعينة برأسها إيجاباً في بادئ الأمر، لكنها لمحت صمت قمر وحيرة ملامحها، فعرفت فوراً مقصد قلبها، فضيقت عينيها وقالت بنبرة حازمة حملت خوف الأمهات:
ـ أي طلب لك مقبول ومجاب يا قمر .. عدا ذلك الفتى النحيل.
عبست قمر بشفتيها في دلال طفولي حزين، ونظرت إلى معينتها بروقان رجاء المستجير وقالت:
ـ أرجوك.. اليوم فقط، وأعدك ألا أطلب هذا مجدداً.
تنهدت المعينة في استسلام لعاطفة ابنة القاضي، وأومات برأسها مضطرة وقالت:
ـ حسناً يا قمر .. ماذا تريدين إرساله وإخباره به؟.
أضاء وجه قمر بابتسامة عذبة ساحرة، وقالت بكلمات تحمل شفرة طمأنينة بليغة:
ـ قولي له.. اليوم مثل الأمس.
غادرت قمر الرواق مسرعة نحو غرفتها لتستعد لخطتها الأدبية الجديدة، تاركة المعينة المسنة تقف وحيدة وسط الممر الرخامي، تنظر في أثرها بقلة حيلة، وتهز رأسها وهي تهمس لنفسها بنبرة يملؤها الشجن الطريف:
ـ والله.. سأصاب بعلة وسقام دائمين في قلبي بسبب هذين الاثنين.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.