احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 9 من 14
وضع القراءة:

الفصل الثامن

خرجت مها من المرحاض بخطى ثقيلة متهالكة، ودلفت إلى غرفتها يجرها الانكسار.
ارتمت بجسدها الهزيل على فراشها، بعد أن عانت طوال الليلة السابقة من نوبات بكاء مرير وفزع نهش روحها؛ كانت تشعر أن جدران الغرفة تضيق عليها، وأن أنفاس محسن القاسية لا تزال تطاردها في العتمة.
ولكن، في وسط هذا الركام النفسي وكل هذه الأحداث السوداوية الأخيرة، لمع في مخيلتها فجأة وجه "مازن".
تذكرت ملامحه الوسيمة القلقة عليها، نظراته التي كانت تفيض بالشغف، أنفاسه الحارقة التي اقتربت من أذنها فوق السطح، وحتى بحة صوته الدافئة وكلماته الحازمة وهو يوجهها لتنقذ نفسها.
كل هذه الأشياء المجتمعة كانت تجعل مها تشعر، لأول مرة في حياتها، بأنها أنثى مرغوبة، والأهم من ذلك كله... أنها في أمان بين يديه.
أغمضت عينيها وتذكرت لوحته الأخيرة؛ تلك اللوحة الزيتية الرطبة التي رسمها لها وهو يقف خلفها عاري الصدر يضمها وينظر لشفتيها برغبة جارفة.
تنهدت بوجع، وكم كانت تتمنى من كل قلبها في هذه اللحظة أن تكون تلك اللوحة حقيقة واقعة تعيشها، وليست مجرد ألوان على قماش هرب بها مازن بعيداً.
على الجانب الآخر، وفي الشقة السفلية...
كانت يمنى تدور حول نفسها كالمجنونة، وعقلها يطبخ خطة شيطانية لما يمكن أن تفعله بمها لتأخذ ثأر ابنها الأكبر.
كانت عيناها تتطاير منهما شرارات الحقد وهي تمتم بغضب أعمى:
– "شيطانة! عرفت تلف وتدور وتوقع الواد الصغير في حبها عشان تخرب البيت.. عايزة تعمل نار وفتنة بين عيالي؟ وعهد الله ما هخليها توصل للي في دماغها، ولا هسيبها تتهنى يوم واحد!".
اندفعت يمنى نحو المطبخ بغل، وسحبت سكيناً حاداً من جُرابها، ثم خرجت من شقتها وهي تسير بغضب عارم وبخطوات سريعة متلاحقة كأنها تسير نحو معركة دم.
صعدت الدرج وعيناها مغيبتان تماماً؛ لم تكلف نفسها عناء دق الباب، بل أخرجت نسختها من المفتاح وفتحت الباب بحدة ودلفت إلى الشقة؛ فهي تريد أن تفاجئ تلك "الحرباية" وترى ما الذي تفعله في الشقة بمفردها بعد المصيبة التي تسببت فيها.
وما إن رأتها مستلقية على الفراش في غرفتها، حتى انقضت عليها كالوحش الكاسر.
أمسكتها بقسوة من خصلات شعرها ورفعت رأسها للأعلى، وبدأت تصرخ في وجهها بأفذع الشتائم، بينما بدأت مها تصرخ بفزع وهي تحاول الفرار والدفاع عن نفسها بين يدي الثور الهائج.
صاحت يمنى وهي تنهال عليها بالضرب:
– "بقى أنتِ يا وش الغراب.. يا خطافة الرجالة، نايمة ومستريحة هنا بعد عملتكِ الوسخة؟! بتخلي عيالي يمسكوا في بعض ويخسروا بعض عشان حتة بت جربوعة زيك؟! أمال لو كنتِ حلوة شوية ونظيفة كنتِ عملتي فينا إيه؟! ده أنتِ سحرتي للواد الصغير!".
لم تجد مها قوة لترد عليها، بل اكتفت بالصراخ والدموع تنساب على وجنتيها المخدوشة، ودفعتها بكل ما أوتيت من عزم وهربت راكضة نحو الصالة، كانت تود الفرار خارج الشقة بأي ثمن.
ولكن يمنى، برغم كبر سنها، كانت مدفوعة بغلّ قاتل؛ لحقت بها في الصالة وأمسكت شعرها مجدداً من الخلف بعنف، ورمت بجسدها الهزيل على الأرض الصلبة، وانهالت عليها بضربات متتالية بقدميها وبقبضتيها، تاركة السكين على الطاولة القريبة لتشفي غليلها بالضرب أولاً.
ارتفع صوت مها بالنحيب والاستغاثة من شدة الضرب والألم الساحق الذي تغلغل في عظامها، وكانت تتلوى على الأرض تحاول الزحف للفرار ولكن بدون أي جدوى أمام قسوة حماتها.
في هذه اللحظة الرهيبة، دلف "أحمد" (الأخ الأوسط) من الباب الذي تركته يمنى منفتحاً خلفها.
صُدم من مشهد والدته وهي تطحن زوجة أخيه على الأرض، فاندفع بسرعة وحاول بكل قوته أن يبعد أمه عن جسد مها المستسلم، وهو يسأل باستغراب ودهشة عارمة:
– "في إيه يا أمي؟! اهدي بس وصلي على النبي.. فهميني طيب في إيه لكل ده؟!".
ولكن يمنى لم تجب عليه، وكانت تحاول الإفلات من يده لتركل مها مجدداً، مما دفع أحمد –بدافع من مروءته– أن يمسك بيد مها المنهكة ويجذبها بقوة لتقف  خلف ظهره، حائلاً بينها وبين والدته حتى لا تقتلها في نوبة غضبها تلك.
كان منظر مها يدمي القلوب؛ وجهها متورم تماماً من أثر اللكمات، ملابسها تقطعت بشكل أكبر الآن، وشفتيها تنزف دماءً قانية تصبغ ذقنها.
صرخت يمنى في وجه أحمد وهي تشير بإصبعها المرتعش نحو مها وصوتها يبح من الغيظ:
– "أبعد عنها يا أحمد! أوعى تدافع عن الفاجرة دي.. أنت متعرفش بتعمل إيه من ورا ضهرنا! لو كانوا أهلها معرفوش يربوها ورموهالنا، أنا هنا عشان أقتلها وأغسل عارنا مش هربيها!".
أمسك أحمد بكلتا يدي والدته ليتأكد من تجميد حركتها، وقال بنبرة هادئة ومحيرة تحاول استيعاب الموقف:
– "هدي نفسك يا أمي وفهميني بالراحة في إيه؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ مها عملت إيه يخليكي تبهدليها بالشكل ده؟!".
أجابته يمنى بغضب أعمى وصوت زلزل أركان الشقة:
– "الوسخة دي... ماشية مع أخوك مازن في الحرام، ودايرة على حل شعرها معاه وهي لسه على ذمة أخوك التاني محسن!".
هز أحمد رأسه برفض تام وصدمة، وقال مدافعاً غريزياً عن شرف أخيه:
– "مستحيل يا أمي! مازن ميعملش كدا أبداً.. مازن متربي ومستحيل يبص لمرات أخوه!".
أجابته يمنى بنفاذ صبر وصرامة قاطعة:
– "يعني أنا هتبلى عليها وعلى ابني؟! أخوك مازن هو اللي اعترف بعضمة لسانه قدام محسن وقدام عيني وقال كدا! قال إنه عايز محسن يطلقها وإنه هو اللي بيحبها وعايزها!".
تصلب جسد أحمد، وتلفت برأسه ببطء ونظر بصدمة مروعة، تارة إلى والدته وتارة أخرى إلى مها الواقفة خلفه ترتعش وتبكي في صمت.
في نفس الوقت، في الشقة السفلية...
كانت "إيمان" تجلس في غرفتها تستمع إلى ذلك الصراخ البعيد والعاصفة التي تدور في الأعلى، ولكنها لم تكن تريد أن تهتم بما يحدث لمها، فهناك في شاشة هاتفها شيء أخطر وأهم من ذلك بكثير يمس مستقرها.
كانت تتحدث في هذه الأثناء عبر الشات مع "محمد"، الذي كان يتلاعب بمشاعرها كالعازف على أوتار ممزقة، حيث بعث لها برسالة يقول فيها بمكر:
– "عايز أشوفك يا إيمو... وحشتيني موت ومش قادر أصبر أكتر من كدا".
كتبت إيمان بأصابع ترتجف، وهي تشعر بخوف حقيقي وقاتل من أن يراها أحد من أشقائها أو والدتها:
– "بس أنت عارف يا محمد أنا مش هقدر أشوفك برا في كافيهات.. أنا بخاف جداً حد من إخواتي أو معارفنا يشوفني وتخرب وفضيحتي تبقى بجلاجل".
تلقف محمد رسالتها، وتحدث عبر الهاتف بذكاء ثعلبي وتلاعب نفسي مدروس:
– "طب ما تيجي شقتي نقعد براحتنا.. وقبل ما تعترضي أو تفهمي غلط، أكيد أنتِ بنت كبيرة وواعية وعاقلة، وعارفة إني مستحيل ألمسك غصب عنك أو أعمل حاجة تزعلك؛ وده مش هيحصل أبداً لأني فعلاً بحبك وعايزك شريكة حياتي ومراتي في الحلال".
كادت إيمان أن تعترض بقوة وتغلق الهاتف، ودارت في رأسها تحذيرات شرفها، ولكنها سرعان ما تذكرت حفل الزفاف بالأمس؛ تذكرت كيف أنها وحيدة، وكيف أن قطار الزواج يفوتها، وأنه ليس لديها فرص أخرى للنجاة من سجن "العنوسة" المرعب.
رأت في محمد قشتها الأخيرة، واعتقدت بغبائها أنها لا يجب أن تضيع فرصتها الأخيرة لتصبح زوجة.
استسلمت إيمان وقالت بنبرة يملؤها عدم الرضا الداخلي والخوف:
– "خلاص يا محمد... ابعت العنوان وأنا هاجي ليك دلوقتي".
وبعد قليل من الوقت، كان محمد قد بعث لها تفاصيل العنوان بدقة، بل وإن إيمان لم تضيع ثانية واحدة؛ تجهزت، ووضعت مساحيق التجميل، وتسللت خارجة من المنزل وذهبت إليه... تسير بقدميها نحو حتفها.
وفي مكان آخر تماماً من العاصمة...
كانت "ذات" تجلس في أحد الكافيهات الفاخرة ذات الإطلالة الساحرة، طاولة يملؤها ما لذ وطاب من المشروبات الغالية بجانب خطيبها الجديد.
ورغم كل هذا الترف، كانت هناك غصة في قلبها؛ لم تكن تستطيع تقبل فكرة أن يمسك هذا الرجل يدها، وفي بعض الأحيان، كانت تشعر بـثقل شديد ولا تستطيع حتى أن تبتسم ابتسامة صادقة وهي تنظر في عينيه الباردتين.
ولكنها، بالرغم من هذا الجفاف العاطفي، كانت سعيدة! سعيدة بامتلاكها ما لم تكن تستطيع امتلاكه طوال حياتها؛ مبهورة بالسيارات باهظة الثمن التي تركبها معه، والأماكن الراقية التي تخرج إليها وتلتقط فيها الصور لتتباهى بها.
كانت تنظر من نافذة الكافيه وتشعر بنشوة عارمة، وتحدث نفسها أنها الآن تعيش في عالم موازٍ مرفه، عالم كان من المستحيل تماماً أن تذوق طعمه أو تدخل أعتابه لو بقيت مع عمر الفقر والورشة.
بينما في منزل عمر... كان هناك شمس جديدة تشرق.
بدأت "يارا" بالفعل في التغير الجذري؛ أصبحت أجمل بكثير بعد أن تخلصت من نظارتها القديمة واهتمت بهندامها وشعرها، وبدأت تذهب بانتظام إلى النادي (الجيم) لممارسة الرياضة وتفريغ طاقة وجعها، وعادت لتهتم بدراستها بشغف.
ولكن أكثر قرار اتخذته وكان صادماً ومفاجئاً للجميع، هو أنها قررت العودة إلى المدرسة الثانوية لتكمل تعليمها وتواجه المجتمع.
وقف عمر أمامها في الصالة، وقال بنبرة يملؤها الاستغراب والقلق الحقيقي النابع من قلب أخ يخاف على شقيقته من الانكسار مجدداً:
– "عايزة ترجعي المدرسة تاني يا يارا؟! أنتِ متأكدة من القرار ده يا حبيبتي؟... هو أنتِ نسيتي اللي حصل ليكي هناك وعذابك وسطهم؟!".
نظرت إليه يارا، ولمعت عيناها بثقة وقوة لم يعهدها عمر فيها من قبل، وقالت بنبرة صلبة:
– "أنا مينفعش أفضل هربانة طول عمري يا عمر.. هفضل جبانة ومستخبية في البيت لحد إمتى؟! أنا دلوقتي اتغيرت، بالشكل الكافي والكامل اللي يخليني أعرف أواجه الدنيا وأقف في وش أي حد.. وأعرف أدافع عن نفسي وآخد حقي بإيدي!".
#يتبع...
5 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.