احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 11 من 14
وضع القراءة:

الفصل التاسع

اتسعت عينا أحمد بذهول حقيقي، ونظر بصدمة مروعة إلى والدته يمنى وقال بنبرة لاهثة:
– "يعني محسن عارف بكل الكلام ده ومستحيل يكون سكت؟! هو عارف وسكت وعادي كدا؟!".
ردت يمنى بقسوة وحقد أعمى يملأ نبرتها السامة:
– "أيوه عارف.. كل حاجة عارفها! مازن قالها في وشه ومن غير ما يختشي ولا يعمل حساب لأخوه الكبير؛ أخوك محسن كان عايز يقتله ويقتلها ويغسل عاره بإيده، وأنا اللي وقفت في وشه ومنعته! أنا اللي حاولت أصبره وأهديه، وعرفته إن أمك هي اللي هتاخد حقه وحق شرفه من غير ما يؤذي مازن ولا يضيع نفسه بسببه!".
ثم التفتت يمنى بنظرات ضيقة تقطر غلاً نحو مها الواقفة ترتعش، وضغطت على أسنانها بقوة وهي تحاول كبح رغبتها العارمة في الفتك بها وسبها، وقالت بنبرة فحيح مخيفة:
– "أنا هقولك يا مها.. أنا هخلص منك قريب أوي، وهخلي مازن بنفسه يساعدني في قتلك والتخلص من قرفك!".
خرجت يمنى من الشقة وهي تهبد الباب خلفها بعنف، وكان وجهها يشتعل حمرة من شدة الغضب والغل.
في تلك الأثناء، وقف أحمد بمفرده أمام مها، وتطلع إلى ملامحها المنهكة، ثم سألها بكل هدوء وعقلانية يحاول استبراء الحقيقة: "الكلام اللي بيتقال ده حصل منك فعلاً يا مها؟ ولا أمي بتتبلى عليكي من عندها؟!".
ازدادت شهقات مها تعلى،وانفجرت في بكاء هستيري مرير وهي تقول بنبرة ممزقة:"الحقيقة إني معملتش أي حاجة والله العظيم! أنا كل اللي أعرفه إن محسن ملمسنيش ولا قرب مني من يوم ما اتجوزنا غير امبارح بالليل.. وماكنش شيء عادي ولا برضايا، ده تعدى عليا واغتصبني امبارح بوحشية، وجاي يعيب في شرفي ويتهمني اتهامات باطلة النهاردة! أنا حتى الملاية بتاعة السرير لسه بدمها ومتغسلتش في الأوضة جوه عشان تشوفوا ظلمكم؛ وأمك كل ما تشوفني تهيني وتضربني وتبهدلني كأني حشرة.. أنا عملت إيه لكل ده؟! ذنبي إيه في جحيمكم ده؟! ".
ظهرت علامات الصدمة والذهول على وجه أحمد، وتراجع خطوة للخلف وسألها باستغراب عارم وعقل مشتت:"اغتصبك ليه؟! ما أنتِ مراته على سنة الله ورسوله أصلاً.. ف ليه يعمل كدا ويوصلها للوحشية دي؟!".
تحدثت مها بصوت منكسر يائس، صوت يعبر عن كم الألم والمهانة والظلم المكبوت الذي تعيشه داخل جدران هذا المنزل الملعون: "صحيت من النوم فجأة لقيت جسمه فوق مني وبيعتدي عليا بقسوة.. أنا مش عايزة أكمل معاه، أنا مش عايزة أعيش عيشتكم دي، أنا مش عايزة أي حاجة من الدنيا دي غير إني أبعد عنكم وعن جحيمكم وبس!".
شعر أحمد بكتلة من الشفقة والوجع تضغط على قلبه تجاه مها؛ وأدرك في تلك اللحظة أن اندفاع مازن واعترافه العنيف بالأمس لم يكن خيانة، بل كان محاولة يائسة وبطريقة متهورة منه ليبعدها عن كل هذا العذاب ويحميها، ولكن طريقته الطائشة كادت أن تودي بحياتها وتؤدي إلى قتلها على يد والدته ومحسن.
تنهد أحمد بقلة حيلة؛ فهو برغم تعاطفه، لا يستطيع أن يفعل لأجلها أي شيء يقف به في وجه أمه وأخيه الأكبر.
دلَف أحمد إلى شقته وعلامات الهموم تكسو ملامحه، فاقتربت منه زوجته سهر سريعاً، وكانت علامات الخوف الحقيقي واضحة على وجهها وهي تسأله بلهفة:"إحكيلي بسرعة حصل إيه فوق؟ مها كويسة ؟أمك عملت فيها إيه؟".
قال أحمد بوجه أصفر شاحب كالأموات وهو يجلس بتعب: "لا.. أمي كانت هتقتلها في شقتها لولا إني دخلت في آخر لحظة وحجزت عنها، ومازن طلع عايز مها تتطلق عشان يتجوزها هو! أنا مش فاهم إزاي الكلام ده يخرج من مازن بالسهولة دي ويفضح نفسه؟ أكيد الواد ده وراه حاجة وبيخطط لمصيبة".
شعرت سهر بضيق شديد واختناق من كون كل هذا الظلم والنكد يحدث لمها المسكينة ،ويحملونها الشرف والعار، بينما "ريهام" (الزوجة الأولى لمحسن) تعيش حياتها بـ الطول والعرض وتلتقي عشيقها كل يوم دون أن يمسها سوء، بل وتحظى بكل الدلال والرفاهية من محسن.
شعرت سهر في تلك اللحظة أن قهرها سيميتها، وأنها إن لم تتحدث الآن وتكشف المستور، فستصاب بذبحة صدرية تفتك بها.
تحدثت سهر بتوتر ملحوظ وصوت مرتعش وقالت:"أحمد.. أنا في حاجة مهمة أوي عايزه أقولها لك، بس خايفة جداً متصدقنيش وتقول عليا بتبلى عليها".
قال أحمد بنفاذ صبر وضيق ذرع: "خلصي يا سهر وقولي في إيه تاني؟! هو اليوم باين من أوله والسواد محاوطنا من كل حتة!".
قالت بصوت منخفض هادئ وهي تلتفت حولها بحذر:
"طب اهدى كدا واسمعني.. من كام يوم كنت واقفة في البلكونة في الضلمة، وسمعت ريهام وهي بتكلم واحد في الموبايل اسمه خالد، وكانت متفقة معاه بدلال ومياعة إنهم يتقابلوا في شقة سرية في منطقة (***)، والنهاردة هي فعلاً طول اليوم مش موجودة في البيت وخرجة بحجة الكوافير!".
وضع أحمد كلتا يديه فوق رأسه من شدة الألم والصداع الذي كاد يفتك بجمجمته، وقال بصوت صارم وعينين حادتين: "أنتِ متأكدة من الكلام الخطير اللي بتقوليه ده يا سهر؟! ولا ده مجرد كلام وتلفيق عشان أنتِ مش بتحبي ريهام وعايزة تخربي عليها؟!".
ردت سهر بثقة تامة ورفعت يدها تحلف:"لا والله العظيم تلاتة، أنا بقول اللي سمعته بودني وشوفته بعيني بالظبط ومبتبلاش عليها في كلمة!".
وبعيداً عن أجواء ذلك المبنى المشحون بالخيانة والدم...
كانت "إيمان" تجلس على أريكة جلدية ناعمة في شقة "محمد"، وكان هو يجلس بجانبها مباشرة، ينظر إليها بنظرات فاحصة تلتهم تفاصيل جسدها وملامحها.
برغم قوة إيمان الظاهرية ولسانها السليط في بيت عائلتها، إلا أنها هنا كانت تشعر برعب داخلي قضم أحشاءها؛ كانت تريد أن تقوم وتهرب خارج الشقة، ولكن جسدها كان مشلولاً تماماً ولا مفر.
ما إن جلست، حتى شعرت وكأن جسدها قد التصق بالأريكة من شدة الخوف والتوتر، ولم تكن قادرة على تحريك أصابع يدها الواجفة من فرط القلق.
كانت نظرات محمد لها مليئة بالمكر والثعلبية، وبدأ يتحدث معها بنبرة صوت ناعمة ومخدرة، ثم اقترب منها أكثر وجلس بملامسة كتفها وقال بابتسامة خبيثة:"إيمان.. إيه رأيك في الشقة دي؟ مش دي الشقة اللي هنسكن فيها سوا لما نتجوز؟ مش عايزة تقومي وتتفرجي عليها من جوه وتكحلي عينك بها؟".
هزت إيمان رأسها بحماس ساذج محاولة طرد الخوف عن عقلها، فوقف محمد وأمسك يدها الساخنة المرتعشة، وبدأ يتجول بها في أركان الشقة وهو ينسج لها وعوداً وردية كاذبة بأن هذه الشقة ستكون ملكاً لها في المستقبل القريب، وأنها إن أرادت تغيير أي شيء في الديكور أو الأثاث سيفعله لها بكل حب وشغف.
استمر في تخدير عقلها بكلامه المعسول، إلى أن وصل بها إلى غاية الشرك... غرفة النوم.
أمسك يدها بلطف وادخلها الغرفة المعتمة، وجعلها تجلس على طرف الفراش الكبير، وبدأ يهمس لها بكلمات تفيض بالرغبة والدناءة عن كم التخيلات التي يتخيلها وهي معه على فراشه، وأنها لابد أن تكون زوجته فعلياً لتثبت حبها له قبل الزواج الرسمي.
بعد مرور ساعة كاملة...
كانت إيمان تقف أمام المرآة في رعب، يداها ترتعشان وهي تعدل ثيابها المبعثرة وتمسح دموع الندم والخوف التي انهمرت على وجنتيها.
كانت تحاول بصوت باهت غريق أن تُحدث نفسها وتواسي روحها المنكسرة بأن ما حدث كان تضحية مشروعة، وأنه يحبها وسيف بعهده ويأتي لطلب يدها رسمياً قريباً جداً.
كانت تحاول إقناع عقلها الباطن بأنه هو من وقع في فخ حبها وليس هي من سقطت في بئر الرذيلة، وأنه لن يتخلى عنها أبداً بعد أن امتلك كل شيء.
ولكي تؤكد لنفسها هذا الوهم القاتل وتطمئن قلبها الواجف، التفتت إليه وسألته بنبرة يملؤها الرجاء والانكسار: "محمد.. أنت وعدتني إنك هتتجوزني صح؟ مش هتتخلى عني؟".
ابتسم محمد بهدوء، تلك الابتسامة الباردة المستهزئة التي يخبئ وراءها نذالته، وقال ببرود تملصي: "خلاص بقى يا إيمو ما تفتحيش السيرة دي وتنكدي علينا.. ولا أنتِ مش واثقة فيا وفي حبي ليكي؟!".
ردت إيمان بتوتر ورعب داخلي أكل أطرافها:"لا.. لا أكيد واثقة فيك يا حبيبي".
عادت إيمان إلى منزل العائلة في وقت متأخر، وكان قلبها يرتعش بعنف وضربات نبضاتها غير منتظمة بالمرة من فرط الفزع؛ كان وجهها شاحباً واصفراً كوجوه الموتى، وظلت طوال الطريق تدعو الله وتتوسل أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس مزعج وتستيقظ منه، أو على الأقل ألا تكشف والدتها يمنى أمر غيابها.
ولكنها ما إن دلفت من باب الشقة، حتى وجدت المكان هادئاً ولم ترَ أحداً في الصالة؛ فشعرت بالاستغراب من هذا الهدوء غير المعتاد، ولكن سرعان ما تملكتها سعادة غامرة وارتياح لأن أحداً لن يحقق معها أو يسألها أين كانت.
ومع مرور الأيام والأسابيع، تحولت إيمان إلى عبدة لمطالب محمد؛ كانت تفعل كل ما يطلبه منها دون تفكير أو اعتراض حتى لا يهجرها ويضيع أملها الأخير في الزواج، ففي النهاية لابد أن يتزوجها ليستر خطيئتها.
كانت تتحدث معه على الهاتف بالساعات، وتذهب إليه في شقته كلما طلب منها ذلك مرغمة.
شعرت بضغط نفسي ساحق يفتك بصحتها؛ لأنها ببساطة لم تعد تملك رفاهية قول كلمة "لا"، فكلما قالت "لا" أو اعترضت، كان محمد يغلق هاتفه بالأيام ويهجرها، مما يرعبها بأنه لن يأتي للتقدم لها، فتستسلم وتعود إليه طائعة منكسرة.
وفي الجانب الآخر المشرق من المدينة... عند يارا...
كانت يارا تجلس أمام مرآة غرفتها تتزين بهدوء ونضج؛ فاليوم هو يوم خطبتها الرسمي.
بالرغم من المظهر المبهج، كانت تشعر بأن قلبها ثقيل ومقبوض؛ لم تكن حزينة من كونها ستُخطب إلى نادر، بل على العكس تماماً، ولكنها كانت قلقة للغاية وبشكل قاتل على شقيقتها الكبرى "مها".
فمنذ فترة طويلة انقطعت أخبار مها تماماً ولا تتحدث معهم؛ كانت يارا تعلم في أعماقها أن مها تملك كل الحق في مقاطعتهم وعدم التحدث معهم بعد الخذلان الذي رأته من والدتها التي رمتها في تلك الزيجة السودة، ولكن يارا كانت تسأل نفسها بكسرة: "وأنا ذنبي إيه تقاطعني أنا كمان؟!".
قررت يارا أن تكسر حاجز الصمت وتتصل بها، ولكن الهاتف ظل يرن دون أي رد من مها.
ضغطت بضيق على رقم "محسن" زوج شقيقتها وتساءلت عنهما، ولكنه أجابها بجفاء وبرود بأنه لا يعلم عنها أي شيء حالياً لأنه خارج المحافظة في مأمورية عمل.
أغلق الخط، ولكن يارا شعرت بعدم ارتياح وقلق تغلغل في أحشائها.
في تلك اللحظة، دلفت والدتها إلى الغرفة وقطعت حبل أفكارها قائلة بعتاب دافئ: "سرحانة في إيه يا يارا ومأخرانا؟ ركزي شوية في نفسك وفي ليلتك.. العريس وأهله برا في الصالة ومستنيين!".
بدأت يارا تتجهز اللمسات الأخيرة، وكانت تخشى بشدة أن تسأل والدتها عن سبب غياب مها أو تتصل بها مجدداً؛ لأنها كانت تعلم يقيناً أنها إن فعلت ذلك الآن، فستقلب اليوم السعيد رأساً على عقب وتفتح جروحاً لا تنتهي .
فهي تلمح كم عانت والدتها من الحزن المكتوم بعد زواج مها، وكم تشعر بالندم والذنب الناري في الخفاء برغم كبريائها؛ لذلك قررت يارا بذكاء عدم الضغط على والدتها وعدم الاتصال بمها حالياً حتى لا تخرب فرحة ليلتها وتفسد حياتها الجديدة.
خرجت يارا إلى الصالة، ونظرت إلى "نادر" الذي كان يجلس بهندامه الأنيق؛ كانت تتابع حركاته، وطريقة حديثه الرزينة والمهذبة مع شقيقها عمر، فشعرت بقلبها يرق، وعرفت كم هو شاب مختلف تماماً بشكل لطيف ونقي عن كل من رأتهم في حياتها.
ونظراته الموجهة إليها... لم تكن مجرد نظرات عابرة، بل كانت تفيض بالحب والاحترام والأمان.
تنحنح والد نادر وقال بنبرة وقورة وجادة:"يا عمر يا ابني.. أنا جاي النهاردة وأنا كلي شرف إني أطلب إيد بنت الأصول يارا لابننا نادر.. وأنا عارف إنهم لسه صغيرين وفي مرحلة دراسة، وعشان كدا مش هنضغط عليكم خالص في أي حاجة.. أنا عايز بس دلوقتي نعمل خطوبة صغيرة على ضيق نلم فيها العائلتين، ولما يخلصوا نفكر في الباقي".
تحدثت والدة يارا بابتسامة وقالت:
"وأنا موافقة مبدئياً يا حج والنصيب بتاع ربنا، بس لسه طبعاً هنقعد وهنتكلم في الأصول وعن اللي لينا واللي عليكم كعادة البيوت.. إيه رأيك يا عمر يا ابني؟".
قلب عمر عينيه بحنان نحو شقيقته الصغيرة، وقال بصوت هادئ رخيم يملؤه الفخر: "الرأي الأول والأخير هنا هو رأي العروسة.. قولي رأيك يا يارا".
نظرت يارا إلى الأرض بخجل شديد حمر وجنتيها، وقالت بصوت خافت وصادق:"موافقة يا أبيه".
تعالت الابتسامات، وقرأ الجميع الفاتحة بنية التوفيق، ثم انسحب الكبار قليلاً ل يتركوا العرسان يتحدثون مع بعضهم البعض لدقائق تحت أنظار عمر.
في تلك اللحظات، كانت السعادة العفوية والخجل الشديد هما سيدا الموقف بين يارا ونادر، وبدت بداية خيط أمل ونور يولد من رحم المعاناة.
#يتبع...
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.