احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 12 من 14
وضع القراءة:

الفصل العاشر

تسلل مازن بخفة عبر الغسق، ودلف إلى الشقة العلوية بطريقته المعتادة التي حفظ تفاصيلها؛ متسلقاً عبر نافذة غرفة الطهي.
خطى نحو الداخل بخطوات حذرة، حافية، يكتم أنفاسه بين ضلوعه والوجع يعتصر قلبه إثر معركة الصباح.
تقدم مازن نحو غرفة مها بهدوء مميت، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمدت الدماء في عروقه وسقطت كبرياؤه أرضاً؛ صاح بنبرة مخنوقة يملؤها الفزع الصادم:
– "مها!.. إيه اللي حصلك؟! مين عمل فيكي كدا؟!".
لم تكن مها تبكي، بل كانت في وضع صدمة نفسية حادة (تروما) شلت حواسها؛ كانت تجلس بآلية ميتة أمام المرآة، وتكتفي بالنظر برعب مائل إلى ملامح وجهها المشوهة، وآثار كدمات يمنى ودماء شفتيها التي صبغت ذقنها باللون القاني.
لم تجب مها ولم تحرك ساكناً، بينما اقترب مازن منها بخطى واجفة وضم جسدها الهزيل إلى صدره بصدمة عارمة وروحه تبكي مما يرى؛ لم يكن يتوقع أبدًا، في أوج مخاوفه، أن يكون هذا هو الثمن الذي ستدفعه مها فور مغادرته شقة والدته بعد اعترافه الأهوج.
أمسك بيدها الباردة التي بلا حياة، ودلف بها برفق إلى المرحاض.
أجلسها على الأرضية الباردة، وبدأ يداوي جراحها بقطع القطن والمطهر؛ كانت تئن بوجع مكتوم مع كل لمسة، بينما كان وجه مازن يحتقن باللون الأحمر القاني من شدة الغضب والغل المكبوت.
كانت يداه ترتعشان بعنف من فرط التوتر والخوف؛ خوف مما حدث لها، وخوف أعمى مما هو قادم.
في البداية، كان يظن أنه يملك زمام اللعبة ويتوقع خطوات أمه ومحسن، ولكن الآن، أمام وجه مها الحزين والمحطم، أصبح لا يتوقع شيئاً مطلقاً، وشعر أن الطوفان قد جرفهم جميعاً.
وفجأة.. استمع الاثنان إلى صوت حاد لفتح باب الشقة الخارجي! فزعت مها وانتفض جسدها برعب قاتل، بينما تحرك مازن بغريزة البقاء وانسحب سريعاً بخطوات صامتة ليختبئ خلف باب إحدى الغرف المظلمة المجاورة للمرحاض.
بقيت مها على حالها، مشلولة من الرعب، تجلس في أرضية المرحاض وأمامها بضع قطع من القطن الملوث بالدماء، وطبق بلاستيكي به مياه دافئة تغير لونها؛ كانت تنظر أمامها بعينين متسعتين وجسد يرتعش كلياً، ولا تدري في زحمة رعبها ما الذي يمكن أن تفعله لتنجو.
دلفت يمنى إلى الشقة بخطى ثقيلة، وثابتة، تفيض ببرود مرعب.
كانت تقبض بيمينها على ذلك السكين الحاد الذي أحضرته معها، وتبحث عن مها في أرجاء الشقة بكل هدوء وثقة أفاعي، إلى أن قادتها خطواتها نحو المرحاض؛ رأت مها تجلس مستسلمة وظل ظهرها مكشوفاً بالكامل لباب المرحاض.
لم تتردد يمنى لثانية واحدة، ولم يطرف لها جفن؛ تقدمت نحوها بخطى ذئبية، ورفعت يدها بالسكين، ثم طعنتها في ظهرها طعنتين غائرتين بقسوة وغل لا يصدران عن بشر.
تلك الضربات الغادرة جعلت مها تهوي بجسدها الضعيف على أرضية المرحاض الباردة، وسقطت فوق دمائها دون أن تتلفظ بحرف واحد، أو تملك حتى القدرة على الصراخ؛ خارت قواها فوراً واستسلمت للموت.
خلف الباب الموارب... كان مازن ينظر إلى ما حدث وعيناه متسعتان بجنون، والدموع تنساب على وجهه الساخن في صمت مرعب؛ كانت صدمته فوق احتمال العقل البشري، صدمة في أمه التي ولدت من رحمها وتحولت أمام عينيه لقاتلة سفاحة، وصدمة في ضياع حبه الوحيد وموت مها التي خاطر بكل شيء لأجلها.
كتم صرخته بيده حتى كادت أسنانه تقطع لحمه، وعقله يشل عن الحركة.
لم تشفق يمنى على جثة الفتاة الملقاة تحت قدميها، بل كانت تنظر إليها باشمئزاز،  من حقد دفين؛ ففي نهاية المطاف، لم تكن مها بالنسبة ليمنى سوى مجرد وعاء رخيص لابنها الأكبر محسن من أجل الإنجاب، وخادمة مطيعة في المرتبة الثانية لتنظيف قرفهم، ومادام الوعاء قد تسبب في فتنة بين أولادها، فكسره هو الحل الأمثل.
بدأت يمنى ببرود مخيف تلف جسد مها داخل شرشف سرير واسع وتدثره بإحكام، ثم أخرجت هاتفها ودقت على رقم رجل مأجور يتبعها؛ بعد دقائق، أتى الرجل عبر الدرج الخالي، وحمل تلك الجثة الصامتة ونزل بها سريعاً، وخرجت يمنى وراءه ممسكة بحقيبتها لتختفي معه في عتمة الليل وتخفي معالم الجريمة.
وفي ذات الوقت... وتحت سقف الشقة السفلية...
كانت "إيمان" تقف في منتصف غرفتها، شاحبة الوجه، وتمسك الهاتف بكفيها اللتين ترتعشان من فرط الخوف والهلع؛ فاليوم تلقت الضربة القاضية واكتشفت بالحسابات والتحاليل الطبية أنها "حامل".
اتصلت إيمان على رقم محمد وعقلها يصور لها مشانق الفضيحة، لكن الخط كان يعطي مشغولاً كالعادة، ولم يكن لديها أي حل أو بديل سوى أن تستمر في الاتصال عليه بانهيار وإلحاح مستميت.
إلى أن أتاها صوته أخيراً، حيث أجاب محمد بزهق وضيق شديد وصوت مرتفع يجأر بالبرود:
– "في إيه يا بنتي؟! هو أنا مش بكنسل عليكي وزفت؟! أنتِ مابتفهميش ولا إيه جرا لعقلك؟! ما تتصليش دلوقتي!".
ردت إيمان بصوت ممزق مرتعش وعبراتها تخنق حنجرتها:
– "محمد.. الحقني، أنا حامل!".
تغيرت نبرة محمد فوراً، وتحدث بغضب حاد ونذالة يندى لها الجبين:
– "وأنا مالي؟! هو أنا اللي شايل في بطني؟! ما أنا قولتلك ميت مرة خدي بالك احتياطاتك! أنا ماليش دعوة بالقصة دي!".
قالت إيمان بانهيار كامل وسقطت على ركبتيها تبكي بقهر:
– "طب أعمل إيه طيب؟! أنا كدا اتفضحت في المنطقة وأهلي هيذبحوني! تعالى يا محمد أرجوك استر عليا واتجوزني زي ما وعدتني ميت مرة في شقتك.. دافع عني وعن ابننا!".
رد محمد باستهتار بارد ونبرة تهديد قاطعة سحقت ما تبقى من كرامتها:
– "بصي يا إيمو.. من الآخر كدا أنا مش ناوي أخلف دلوقتي خالص، والعيل اللي في بطنك ده مش مسؤوليتي ولا يخصني في حاجة! أنا مش عايزه.. ومن هنا لحد ما تتصرفي فيه وتجهضيه ما تتصليش بيا تاني، وعلي الطلاق لو اتصلتي بيا أو جيتي ناحيتي، لأجي أنا بنفسي لمنطقتكم وأفضحك قدام أمك وإخواتك  وأعرفهم حقيقتك! اخلصي من المصيبة دي وباي".
أغلق المكالمة بهدوء قاتل، وحاولت الاتصال به مجدداً ومجدداً وهي تصرخ في سماعة الهاتف، ولكن دون أي فائدة؛ فقد أغلق هاتفه بالكامل.
هنا.. وفي هذه اللحظة المظلمة، علمت إيمان بيقين مرعب أنها لم تكن سوى دمية رخيصة جديدة لعب بها الشاب المتزوج وتسلى بمفاتنها إلى أن شعر بالملل، أو شعر أنها ستجلب له المسؤولية والصداع فقرر رميها في القمامة.
كانت تشعر بالحسرة والحيرة القاتلة؛ فبعد كل ما عانته من كلام الناس ونظراتهم لها كـ "عانس"، أصبحت الآن "أماً".. ولكنها أم لطفل غير شرعي لا يجب أن يعلم عنه مخلوق، ووجدت نفسها مجبرة على الاختيار القاسي: إما أن تكون أمًا وتعيش وصمة عار وبدون شرف، أو تعيش بدون أطفال وبشرف كامل ولكن... شرف مزيف ومصنوع من الكذب.
ذهبت وهي تجر قدميها الثقيلتين بخوف متسللة نحو الصيدليات البعيدة في أطراف المدينة، تبحث بوجه متخفٍ عن أي دواء أو حبوب تجعلها تجهض هذا الجنين؛ الجنين الذي كانت تتمنى وجوده كل يوم في حلالها، وتراه الآن لعنة تود الخلاص منها.
عادت للبيت، وأخذت إيمان تلك الحبوب اللعينة وجرعاتها مضاعفة وهي تبكي بانهيار يمزق جدران الغرفة.
لكن الأمر لم ينتهِ بهذه السهولة؛ فبعد ساعات قليلة من تناول الدواء، بدأت إيمان تفقد وعيها تدريجياً، وبدأ جسدها ينزف بغزارة شديدة صبغت الفراش، وسقطت مغشياً عليها بين الحياة والموت دون أن يشعر بها أحد في البيت المشغول بجرائمه.
وفي نفس الليلة الحافلة بالسواد والمصائر المحطمة...
كانت "ذات" تجلس بجانب زوجها الجديد "سيف" داخل قاعة الزفاف الملكية الفاخرة؛ كان حفل الزفاف فخماً بكل المقاييس؛ الثريات الكريستالية الضخمة، والورود الطبيعية التي تم ملء القاعة بها، والموسيقى الراقية، والمدعوون من كبار رجال المجتمع والأعمال.
كانت ذات ترتدي فستانها الأسطوري وتحاول رسم الابتسامة، وتوهم نفسها بأنها في قمة السعادة والانتصار؛ أو هكذا كانت تظن وتتمنى أمام كاميرات المصورين؛ ولكن في داخل أعماقها، وراء قناع المساحيق، كانت تقارن رغماً عنها وعن كبريائها المادي بين "عمر" حبيبها القديم صاحب الورشة، وبين زوجها الحالي "سيف" الذي اختارته بكامل عقلها وطوع بنانها من أجل ماله وسيارته الفارهة.
كانت تشعر بغصة تذبح حنجرتها؛ تذكرت أن عمر برغم فقره كان كفيلاً بأن يجعلها في قمة السعادة الحقيقية لأنه رجل رومانسي، وتعرف يقيناً كم هو يحبها ويعشق تراب رجليها بصدق وكان مستعداً للموت لأجلها.
ولكن مع هذا الرجل الجديد، سيف، أصبح الزواج مجرد "يوم فخم" ينتهي بانتهاء الحفل، دون روح أو عاطفة.
ما إن وصلت ذات في تفكيرها إلى هذه النتيجة المرة الصادمة، حتى شعرت بتخدر كامل يسري في جسدها، وعلمت يقيناً حجم الجحيم البارد والموت العاطفي الذي ستعيش فيه طوال حياتها القادمة.
نظرت بإنكسار إلى سيف الجالس بجانبها؛ لم يكن ينظر إليها بشغف أو بلهفة العاشق كما كان يفعل عمر دائمًا، ولم يلمس يدها بنفس الطريقة الدافئة التي تثير قشعريرة الأمان؛ بل كان يكتفي بتركيز نظراته نحو المدعوين والناس، يراقب كيف ينظرون إلى عروسه الجميلة كأنه استعرض بـ "قطعة أثاث ثقيلة وفخمة" اشتراها بماله ليتباهى بها أمام الجميع فقط، دون أن تعني له كإنسانة أي شيء.
#يتبع...
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.