الفصل الأخير
الفصل الأخير: سحر المها وفجر الأمان
كانت "مها" مستسلمة تماماً بين ذراعي "مازن"، يتبادلان معاً قبلة دافئة طويلة، ملؤها الحب الصادق الأبدي الذي نبت من رحم جحيم الموت.
أصبحا زوجين رسميين أمام الله والناس منذ عام كامل، ولكنه بنبله وشهامته وحبه الجارف لخوفها، لم يقترب منها أو يلمسها كزوج إلا بعد مرور ثلاثة أشهر كاملة من الزواج؛ ترك لها وقتها لتتعافى روحها وجسدها وتثق بالأمان من جديد.
خلال هذا العام، كان مازن يذوب شوقاً وعشقاً لها، يتلذذ بوجودها في حياته، حتى أقام لها قبل أشهر حفل زفاف مهيباً، أسطورياً لا يُنسى، ليعوضها به أمام الدنيا كلها عن كل ليلة حزن عاشتها في الماضي.
كانت مها تشعر بحبها العميق له يتغلغل في خلايا جسدها، واعترفت له بنبرة تفيض بالدموع أنها لم تكن فقط تحبه كمنقذ، بل تعشقه لحد الجنون، لكنها في البداية كانت مشوشة ومشتتة من كثرة الألم والخوف الذي عاشته تحت سقف ذلك البيت الملعون.
كان مازن يتأمل ملامحها وهي نائمة بجانبها كالطفل البريء، ووجهها المشرق الخالي من الهموم يرسل الراحة والسكينة لقلبه المتعب.
اقترب منها ببطء ليقبل وجنتها الناعمة برقة شديدة، وما إن لامست شفتاه بريق بشرتها، حتى فتحت عينيها العسليتين ونظرت إليه بحنان جارف.
حدق في تفاصيل وجهها كأنها حلم جميل يخشى الاستيقاظ منه.
قالت له بدلع أنثوي ساحر وهي تضع يدها الصغيرة على صدره لتبعده عنها قليلاً:
ــ "كل مرة أصحى فيها من النوم ألاقيك باصص لي ومثبت عينك عليا كده! هو أنا الحقيقة اللي في دنيتك ولا أنت الحلم اللي في دنيتي يا مازن؟".
ضحك مازن من قلب قفز فرحاً، وقال بنبرة تفيض عشقاً:
ــ "على فكرة.. أنا اكتشفت إني بحبك دلوقتي أكتر من الأول بكتير، وكل يوم الحب ده بيزيد ويفرش في قلبي".
ردت عليه بابتسامة غنج ودلع:
ــ "ما هو ده بقى سحر المها اللي ملوش علاج!".
ضحك بصوت عالٍ وضمها إلى صدره بقوة وعنفوان حانٍ، كأنه يريد إخفاءها داخل ضلوعه ليحميها من العالم أجمع.
كان مازن قد اتخذ قراراً بترك عمله والابتعاد عن مشاغل الدنيا منذ ثلاثة أشهر متواصلة، فقط ليتفرغ لها، ليعيش معها، فهو يعشقها لحد الإدمان الذي لا مفر منه.
وفي الجهة الأخرى من المدينة... في شقة "يمنى"...
كانت "إيمان" تجلس بمفردها على حافة سريرها في غرفتها المظلمة.
مضت سنة وثلاثة أشهر كاملة منذ علاقتها السري من "محمد"، ذلك الندل الذي تركها رمياً بعد عام واحد فقط من استهلاكها، وسافر مستقراً خارج البلاد مع زوجته الأولى وابنته.
المفارقة المرة أن زوجته الأولى حامل الآن في طفلهما الجديد، وقد اكتفى بإرسال رسالة إلى إيمان عبر البريد، وأغلق شقته السفرية خلفه دون إبداء أي ندم.
جلست إيمان منهكة، منطفئة، مدمرة من الداخل كلياً؛ لم تكسب من تلك العلاقة المحرمة وتلك الوعود الوردية الكاذبة سوى الألم، والخذلان، ونظرات القرف الصامتة من والدتها القعيدة.
فجأة، خرجت من غرفتها على صوت جلبة وحركة غريبة وأصوات عالية قادمة من غرفة الاستقبال ؛ لمحت رجالاً ونساءً بغرباء لا تعرفهم، ولم تكن تعلم ولم يخبرها أحد أن هناك ضيوفاً سيزورونهم اليوم.
عادت إلى غرفتها مسرعة، مرتبكة وخجولة بسبب ملابسها المنزلية البسيطة وشعرها الأشعث.
وبعد ساعة كاملة من الشرود والنظر إلى الفراغ والتفكير في مستقبلها المجهول كـ " مجهضة"، انفتح الباب ودخل عليها شقيقها الأكبر "محسن" بصوت غليظ قاطع لا يقبل النقاش:
ــ "ابن عمك (آسر) برا، وطلب إيدك مني ومن أحمد.. وأنا وافقت واديته كلمة رجالة".
هزت إيمان رأسها ببطء واستسلام، لم تعد تملك القدرة على الاعتراض أو حتى الإرادة لاختيار مصيرها؛ لقد تحطمت كبرياؤها تماماً.
كانت في الماضي تحلم بالزواج من رجل وسيم تحبه، وأن تتخرج من دراستها ثم تتزوجه في حفل زفاف تتباهى به، ولكن الحياة بقسوتها سلبتها كل شيء.
لقد تجاوزت الآن الثلاثين من عمرها، وعلى الرغم من جمال ملامحها الطاغي، إلا أن نظرات المجتمع كانت تلاحقها وتلقبها بلقب "العانس المكسورة".
بعد مرور أسبوع واحد فقط...
جلست إيمان في صالون المنزل مطأطأة الرأس، تمسك بيد "آسر"، وتردد خلف الشيخ والمأذون كلمات عقد القران الشرعي والدموع تحرق عينيها.
لم يكن هناك حفل زفاف، ولا فستان أبيض، ولا معازيم؛ بناءً على رغبة شديدة من زوجته الأولى التي اشترطت ذلك؛ فقد كان آسر متزوجاً بالفعل ويرغب بزوجة ثانية مطيعة فقط لتنجب له الأطفال وتقدم له الرعاية.
يالها من سخرية قدر لا ترحم! إيمان التي عايرت غيرها، تصبح مجرد زوجة ثانية لزوج وأب!
وفي مكان آخر... مبهج ويفيض بالأنوار...
في منزل "خديجة"، كانت "يارا" جالسة على طرف سريرها، تنظر إلى انعكاس ملامحها الفاتنة في المرآة بفستان زفافها الأبيض الأنيق.
بعد هذه الليلة، ستصبح رسمياً وزوجة لـ "نادر".
كانت تنظر إلى خاتم الخطوبة والزواج في إصبعها، وتهمس برعشة وخوف أنثوي:
ــ "أنا خايفة أوي... ومش عارفة ليه قلبي مقبوض من الفرحة".
وفجأة رن هاتفها برنتها المعتادة، وكان المتصل هو "نادر"؛ أجابت بصوت مرتعش، فأتاها صوته العاشق الدافئ:
ــ "عاملة إيه يا عروسة قلبي؟".
ــ "بخير يا نادر.. الحمد لله".
ــ "أنا مش مصدق إن كلها كام ساعة وبكرا هتبقي في بيتي وفي حضني... مش مصدق إن الحلم اتمسك بالإيد".
تنهدت بيأس وقالت:
ــ "بس أنا خايفة.. خايفة أوي يا نادر".
ــ "طبيعي جداً يا يارا تفكري وتخافي... بس بوعدك قدام ربنا إنك هتعيشي معايا أجمل وأحن حياة تستاهليها.. أنا بحبك أوي، أنتِ مش مجرد حبيبة، أنتِ سكن قلبي وأماني".
دقات قلبها تلاحقت وقالت بصدق:
ــ "وأنا كمان بحبك يا نادر.. بحبك أوي".
كان حفل الزفاف مبهجاً، فخماً، بحضور عدد كبير جداً من الأقارب والمعارف، بل وحتى رجال أعمال بارزين ومسؤولين من أصدقاء وشركاء "نادر" في العمل.
كانت "يارا" تمسك بيده بقوة وخوف طفولي، لكنه كان خوفاً ممزوجاً بالأمان المطلق وسكينة الروح.
وقفت "خديجة" بجوار "حليمة" (والدة نادر)، يتبادلن التهاني والزغاريد والفرحة تملأ ملامحهما.
أما "مها"، فكانت تقف بثقة وجمال بجانب زوجها مازن، قريباً من شقيقتها العروس يارا؛ انحنت مها نحو أذن يارا وهمست لها بنبرة حنونة تذكرها بالماضي:
ــ "لسه فاكرة أول مرة مشيتي فيها على رجليكي يا يارا؟ فاكرة لما مسكت إيدك الصغير وعلمتك تمشي خطوة بخطوة؟ النهاردة بتتزفي لعشك يا حبيبتي".
تأثرت يارا بشدة ودمعت عيناها، وضمت شقيقتها مها بقوة وعنف، وقلبها مملوء بحب جارف وامتنان عظيم لهذه الأخت التي ضحت وتحملت الكثير لأجلهم.
الختام
الحب... ليس مجرد كلمات تُقال أو وعود تُكتب على ورق؛ الحب الحقيقي هو أن تغار بصدق، أن تفدي من تحب بروحك، أن تكتفي به وتكون له وحده دون شريك.
الحب مشاعر جارفة، لا نملك حيالها سلطاناً ولا نتحكم بها؛ فأنت في هذه الدنيا قد تملك عقلك وتصرفاتك... لكنك حتماً لا تملك قلبك.
الغيرة المشتعلة، رغبة التملك، الاحترام المتبادل، والتصالح مع أخطاء الماضي... كلها علامات ودلائل على حب صادق، نقي، صمد في وجه الأعاصير وكتب نهايته بالنور.
بقلم الكاتبة /ندى عمرو
تحت اشراف المحررة العظيمه / ماريانا
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!