احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 4 من 7

الفصل الثالث

لم تكن شمس الصباح التي تسللت عبر النوافذ تطرد برودة هذا البيت، بل كانت كضوء كاشف يفضح قبح الحقائق المستترة خلف الجدران.
استيقظت مها فزعة على صوت حركة عنيفة؛ كانت "يمنى" تقتحم الغرفة مستخدمة نسختها الخاصة من المفتاح، لتبدأ طقوس المهانة اليومية دون تمهيد.
لم تكتفِ يمنى بالدخول الساخر، بل توجهت مباشرة نحو خزانة الملابس (الدولاب)، وشرعت تنبش في محتوياتها بوقاحة وفوضوية، ملقية بالثياب يميناً ويساراً على الأرض.
استمرت في البحث حتى سحبت قميص النوم الجريء الذي لم يُلبس بعد، ورفعته في الهواء وهي تطلق ضحكة تهكمية لاذعة:
ـ "الهدوم لسه بتيكتها يا محروسة! ابني مش بيقرب منك عشان أنتِ خايبة ومش ملو هدومك، سايبة مراته الأولى تسرق قلبه وتلف عليه وأنتِ نايمة هنا زي قتيل القتلة".
رمت الثياب بقسوة في وجه مها، واستدارت نحو الباب وهي تأمرها بنبرة جافة:
ـ "اغسلي وشك وانزلي حالاً تحت.. الشقة محتاجة تنظيف من ساسها لراسها".
هبطت مها وجسدها يرتجف من الإهانة، لترد على حرب أخرى كانت "إيمان" قد أعدت مسرحها بعناية.
بدأت مها في مسح الأرضيات وتلميعها وجسدها يئن من التعب والجهد. وما إن فرغت من تنظيف الصالة واعتدلت لتلتقط أنفاسها، حتى تقدمت إيمان ببرود قاتل، وأمالت قدمها لتقلب جردل المياه الملوثة بالتراب ليتدفق السائل القاتم ويعيد تشويه الأرضية.
نظرت إيمان إلى بقع المياه، ثم رفعت عينيها نحو مها وقالت بنبرة هادئة ومستفزة:
ـ "معلش يا موها.. مخدتش بالي!".
لم تستطع مها مقاومة الدموع التي كانت منحبسه في عيونها ، ركضت إلى ملاذها سطح المبني .
كان وجهها محمر من شدة الغضب ، وشفتها متورمه قليلاً بسبب أسنانها التي كانت تضغط عليهم لكتم غيظها؛ تتنفس بشكل متلاحق و هي تركض .
لم تكن ترى أمامها ،كانت الدموع تشوش على حرية بصرها.
صدمت بشخص ، رفعت عيناها و تلاقت أعينهم ؛ تعلقت عيناها به قليلاً قبل أن تتخطى وجوده و تكمل ركضها نحو السطح .
بينما هو نظر إلى أثرها على الدرج ، و هو يتذكر وجهها الباكي ، شفتيها المتورمه الحمراء شعرها المنسدل بشكل خطف بصره و روحه معاً.
صعد خلفها بهدوء ، ثم فتح باب السطح بهدوء ، رأها تجلس على الأرض تضمن ركبتيها إلى صدرها و تنظر إلى السماء و تبكي ؛ أقترب مازن منها و جلس القرفصاء خلفها واضعاً يده على كتفها و قال :- "مها"
أبتلع ريقه و هو ينتظر رفضها له ، و لكنها كانت ثابتة ، تنظر إلى السماء ، ثم قطعت هذا الصمت بصوت باكي و قالت :-"تفتكر أستحق اللي بيحصل ؟"
أجاب مازن مازحاً:-"أنتِ عارفه أن ودنك كبيرة ،و بتكبر أكتر وأنتِ بتعيطي ."
نظرت له بضيق و استغراب في آن واحد ،وقالت :-"أنت بتستهزء بالم اللي أهلك بيسببوا ليا ؟، ما أكيد ما أنت أبنهم ،يعني زيهم "
أزاحها مازن قليلاً و جلس بجانبها و قال :- "أنا بهزر عشان أفكك من العياط اللي أنتِ فيه ده ، مع أنك شكلك حلو أوي و أنتِ بتعيطي ؛ثانياً بقى أنا مليش شبه و لا بشبه حد أنا مازن واحد بس مفيش.."
قاطعت حديثه و قالت :- "أنت مين سمح ليك تعقد جمبي أصلاً "
نظر إليها كانت الشمس على مشارف الغروب ، و نورها منعكس على عيناها ، أخرج مازن هاتفه سريعاً ؛بينما مها أبعدت نظرها عنه ، فقال بحماس :-" مها بص ليا "
نظرت له كان هو التقط لها صورة ؛ قرب لها الهاتف و قال بهدوء و صوت صافي مثل السماء :-"شايفه عينك حلوه ازاي"
هزت رأسها و لم تجيب عليه ،فقال :-"متتغريش أوي كدا ده عشان أنا ظاهر فيهم بس ."
ابتسمت مها ، فقال بمرح :-"أخيراً ، ده أنا كنت بدأت أفكر أنك مش بتعرفي تتضحكي "
نظرت له و قالت :-"هي الاوضة دي بتاعت أيه ؟"
نظر نحو ما تشير و قال :- "المره اللي فاتت دخلنا فيها و هي مضلمه، تعالي اوريكي موهبتي "
أسندت عليه و توجهت نحو الغرفة ، أضاء النور بشكل خفيف ، كانت هناك رسمات كثيرة ، و كل واحده عليها تاريخ ، ولكن هناك ثلاث لوحات فقط هم من لفتى نظرها .
نظرت له ، بينما هو سحب الدماء من وجهه لانه نسى أمر تلك اللوحات .
أقتربت من تلك اللوحات ، الثلاثة كانا لها ؛ الأولى وهي ترتدي ذلك الفستان اللعين سبب تعاستها ، و من خلفها ظل رجل يضم طرف فستانها ، و في أسفل اللوحه مكتوب أسمه و تاريخ زفافها .
اللوحه الثانيه كانت تحمل حقيبة الظهر الخاصة بمدرسة الثانوي بنفس الزي المدرسي و نفس حقيبتها ؛ و أيضاً في الأسفل هناك توقيع له و تاريخ  أول أمتحان لها في  ثالثة ثانوي .
نظرت له بينما هو قال قبل أن تشاهد الثالثة و تعرف تفاصيلها :-" كفاية كدا ."
نظرت له و قالت :-"بس أنا عايزه أشوف الأخيرة ."
هز رأسه و قال :-"لازم نمشي عشان محدش يشوفنا و يفهم غلط ."
قالت و هي تسير :-"أنت تعرفني من و أنا في المدرسة ؟ قبل ما اتجوز أخوك ، أصل عمري ما شوفتك "
قال بهدوء :-" كنت باخد كورس رسم ، في ورشة الرسم اللي في وش مدرستك "
هزت رأسها ، بينما هي تشعر أن هناك مشاعر له اتجاهها ليست مجرد رسمه ؛و الفضول كان يقتلها حتى ترى تلك الرسمه الذي أخفاها عن عيناها.
قال مازن و هو يناظر عيناها تارى و تارى أخرى شفتيها و قال :-" خلي بالك من نفسك "
ثم أقترب منها أكثر ،وضعاً شفتيه قريباً من أذنها ، و أنفاسه الحارقه تخدر روحها ؛وقال بصوت هامس :-"متخليش محسن يلمسك ."
ثم تخطاها سريعاً هارباً منها ، و من نظراتها التي تقتله ثلاث مرات ، مرة من أجل حبه لها ،و الثانيه من أجل ضعفها أمامهم ، و مره من أجل ضميره .
بينما هي شعرت أن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها .
في تلك الليلة المشؤومة، انفتح باب الشقة العلوية ودلف "محسن" إلى الداخل، وكان وجهه يحمل علامات التجهم ونذر عاصفة وشيكة.
وجد مها تجلس في زاوية الغرفة، غارقة في صمتها وتعبها وجروح كرامتها.
اقتربت منه بخطى مرتجفة تحاول استبيان أمره، لكنه لم يمهلها، بل صرخ بوجهها بصوت غليظ زلزل كيانها وأرعبها:
ـ "عايزك تلبسي دلوقتي حالاً وتنزل معايا تحت تعتذري لأمي!".
ارتجفت شفتا مها وبكت بمرارة وقالت بنبرة استعطاف:
ـ "بس يا محسن.. أنا معملتش حاجة، مش أنا اللي غلطانة والله، أختك هي اللي..".
لم يتركها تكمل جملتها؛ إذ اندفعت يده الغليظة لتقبض على خصلات شعرها بعنف شديد، وجذب رأسها نحوه بقسوة حتى تلاقت أعينهما، وقال وهو يجز على أسنانه:
ـ "اسمي (سي محسن)! بالنسبة ليكي في البيت ده.. سي محسن، مفهووووم؟!".
سحبها خلفه بقسوة وجفاء كأنها ذبيحة تُقاد إلى حتفها، وهبط بها درجات السلم متوجهاً إلى شقة والدته.
هناك، كان الجمع غفيراً وكأنهم ينتظرون عرضاً مسرحياً؛ يمنى تجلس في صدر المكان وترقب الموقف بنظرات تفيض بالنصر، وإيمان تقف جانباً تشمت ببرود ظاهر، بينما كان "مازن" يقف في زاوية الغرفة، يراقب ما يحدث بعينين متسعتين وقلب يحترق وجعاً وعجزاً على مها.
صرخ محسن وهو يدفع مها للأمام:
ـ "قولي يا بنت الرافِضي.. اعتذري لأمي وبوسي إيدها!".
شعرت مها بنار تحرق صدرها، ورفعت رأسها بما تبقى لها من كرامة مبعثرة وقالت بصوت قوي رغم ارتعاشه:
ـ "حتى لو هموت، مش هعتذر على حاجة ما عملتهاش!".
انفجر غضب محسن العارم، وتلاشت أي رحمة من قلبه؛ فرفع يده وانهال عليها بالصفعات المتتالية على وجهها.
كانت الضربات تسقط عليها وسط ضحكات أمه المشجعة وشماتة أخته المستمتعة بالمنظر.
وتحت وطأة الألم الجسدي القاسي والانكسار النفسي الذي سحق كل قواها، سقطت مها على ركبتيها، ونطقت بصوت خافت لا يكاد يُسمع من بين دموعها:
ـ "آسفة..".
تراجع محسن إلى الخلف، ونظر إليها بزهو مقزز ونبرة تملؤها الفوقية:
ـ "دورك بقى هنا في البيت ده خدامة.. تخدمي عليا، وعلى أمي، وعلى إخواتي.. وحتى مراتي الأولى لما تشرف هنا!".
نظرت إليه مها من بين خصلات شعرها المنسدلة، وفي تلك اللحظة بالذات، انطفأ آخر بريق في عينيها، ومات شيء ما داخلها للأبد.
وفي زاوية أخرى من المدينة، كانت الأجواء تخنق نفساً بريئة أخرى.
وقفت "يارا" في مرحاض المدرسة، تنظر إلى وجهها في المرآة والدموع تنحدر بحرقة فوق وجنتيها الصغيرتين.
كانت كلمات زميلاتها في الفناء تتردد في أذنيها كالسياط التي تخلف جروحاً في الروح، وهي جروح أعمق بكثير من أي ضرب جسدي.
كانت تشعر بخجل خانق من نظارتها الطبية السميكة، ومن هندامها البسيط الذي يفتقر للتأنق، ومن كل تفصيلة في جسدها الهزيل جعلت منها هدفاً سهلاً لقسوة المتنمرين .
أغمضت عينيها وتمنت في سرها لو امتلكت عصا سحرية تغير ملامحها لتغدو أجمل فتيات الأرض، فقط ليتوقف هذا النزيف اليومي من السخرية.
فجأة، انفتح الباب الخارجي واخترقت ضحكة عالية سكون المكان.
تجمدت يارا في مكانها، والتفتت بذعر لترى فتاتين تدلفان إلى الداخل؛ هما ذاتهما الفتاتان اللتان تولتا قيادة حملة السخرية منها في طابور الصباح.
اقتربت إحداهما بخطوات بطيئة وتحمل نظرة حقد دفين، وقالت وهي تكتف ذراعيها:
ـ "أنتِ بقى البنت الشاطرة اللي دايماً شايفة نفسها علينا؟ نفسي أعرف على إيه بالظبط!".
قبل أن تجمع يارا شتات نفسها لترد، اندفعت الفتاة الثانية نحوها وقبضت على شعرها بعنف كأنها تقتلعه من جذوره، وصرخت بغيظ مكتوم يتطاير من عينيها:
ـ "مش عارفة هو حب فيكي إيه؟ عينه فاضية بصراحة.. يبص لواحدة زيك إزاي ويقعد يكلمها!".
شهقت يارا من الألم، واختلطت كلماتها بالبكاء:
ـ "هو.. مـ-مين ده؟ بتتكلموا عن مين؟".
تعالت ضحكة الفتاة الأولى بسخرية مقززة:
ـ "وعايزة تعرفي كمان وعاملة نفسك مش فاهمة! عشان تخطفيه مني؟ ده بعينك يا حلوة!".
ولم تتركا لها فرصة للكلام أو الدفاع عن نفسها؛ إذ انقضتا عليها معاً، وانهالتا عليها بالضرب المبرح، مركزتين ضرباتهما بقسوة على وجهها الرقيق وجسدها الضعيف.
تحطمت نظارتها الطبية على الأرض وتناثرت شظاياها الزجاجية، ونزفت شفتها بقعاً قانية، وسقطت في النهاية جسداً هزيلاً مستسلماً فوق البلاط البارد.
وقبل أن تخرجا وتتركاها في حطامها، التفتت إحداهما وبصقت عليها بقرف قائلة:
ـ "يا ريت ما شوفش وشك الحلو ده تاني في المدرسة كلها، وإلا المرة الجاية هتشوفي أيام أسود".
بقيت يارا ممددة هناك، تستمع إلى صدى خطواتهما المبتعدة، تنزف في صمت مرير وقد أغلقت عينيها هرباً من واقع لا يرحم الضعفاء ولا يلتفت لآلامهم.
وفي الشقة التي فوقهم بطابقين، كان الصراع يتخذ شكلاً آخر من أشكال الانفجار.
عاد "أحمد" إلى منزله مثقلاً بهموم عمله ومشاكل أسرته التي لا تنتهي.
ما إن أغلق الباب وخلع سترته، حتى اقتربت منه زوجته "سهر" بوجه حازم وعينين تلمعان بالإصرار:
ـ "أحمد.. لازم نتكلم دلوقتي، والموضوع ميتأجلش ثانية واحدة".
تنهد أحمد بتعب شديد وجلس على أقرب مقعد واضعاً يده على رأسه:
ـ "سهر.. أنا مش قادر، ممكن نتكلم في أي وقت تاني؟".
انفجرت سهر بصرخة مكتومة وعصبية تملكها طوال اليوم:
ـ "كل مرة تقول وقت تاني لما تبقى عايز تهرب من الكلام! البيت ده خلاص ما بقاش ينفع يتعاش فيه ولا يوم واحد،أمك وأختك بيأذوا البنت الصغيرة الغلبانة دي وعايشين يذلوا فيها، وأنا كمان ماليش أمان هنا مع الناس دي!".
رد أحمد بغضب وضيق، محاولاً الدفاع عن عائلته:
ـ "محدش كلمك ولا حد جه جنبك! أنتِ اللي بتتخيلي حاجات وتكبري المواضيع وتعملي مشاكل من مفيش".
نظرت إليه سهر بنظرة خيبة أمل مريرة، ثم استدارت وتوجهت نحو باب الشقة بخطى ثابتة وقالت:
ـ "لا يا أحمد، أنا مش بتخيل، كرامتي هنا بقت في الأرض، ومرات أخوك بتذلني قدام الرايح والجاي وأنت واقف ساكت ومش بتاخد لي موقف، أنا ماشية وسايبة لك البيت يا أحمد، ولما تعرف قيمتي وقيمة كرامة مراتك ابقى تعالى صالحني.. والعنوان طبعاً مش تايه عنك".
فتحت الباب وخرجت مسرعة، تاركة خلفها ذهول أحمد الذي تجمد في مكانه ولم يصدق أنها فعلتها حقاً،ولم يستفيق من صدمته إلا على صوت ابنه الصغير وهو يقترب منه ويمسك بطرف ثيابه باهتزاز ويسأله بنبرة باكية عن الطعام وأين ذهبت أمه.
لأول مرة، تترك سهر ابنها خلفها وترحل، مما جعل أحمد يقف حائراً عاجزاً، ممزقاً بين ماله القليل الذي لا يكفي لفتح بيت جديد، وضياع أسرته، وقسوة أهله التي بدأت تحرق الجميع.
يتبع
رايكم في مشهد مها و مازن  🤍
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.