احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 5 من 7

الفصل الرابع

أما إيمان، فكانت في غرفتها المنعزلة تعيش في عالم آخر نسجته من حقدها وخيباتها المتراكمة التي أكلت سنوات شبابها.
جلست على طرف فراشها، وأمسكت هاتفها المحمول وعيناها تتأملان الشاشة برغبة عارمة في الخلاص من واقعها؛ بدأت تبحث في قائمة الأسماء ببطء حتى توقفت عند اسم "محمد"، زميل دراستها القديم في الجامعة، والذي تزوج واستقر وصار أباً منذ سنوات.
كانت نيتها واضحة وضوح الشمس، ولا تدخفيها عن نفسها؛ تريد هدم بيت مستقر وقائم، لتبني فوق أنقاضه وهم سعادتها الشخصية وضمان ألا تبقى وحيدة يطاردها لقب عانس وسط جدران هذا البيت.
ضغطت على زر الاتصال، وانتظرت بنبضات متسارعة، وما إن أتاها صوته من الطرف الآخر حتى تبدلت ملامحها تماماً، وتحدثت بنعومة مصطنعة ورقة مبالغ فيها:
ـ "وحشتني أوي يا محمد.. بقالنا كتير مسمعناش صوتك، أخبار حكايتك ومراتك إيه دلوقتي؟".
تنهد محمد على الطرف الآخر نهدة طويلة خرجت محملة باليأس والإحباط من حياته الزوجية، وقال بجفاء:
ـ "فاشلة يا إيمان.. مهملة فيا وفي البيت بشكل مش طبيعي، أنا تعبت وزهقت من العيشة معاها ومبقتش طايق البيت ولا اللي فيه".
ارتسمت على شفتي إيمان ابتسامة خبث وانتصار، وتلمست أظافرها بزهو وقالت بنبرة تظهر التعاطف وتنفث السم في آن واحد:
ـ "يا ساتر يا رب.. ده أنتوا كنتوا بتحبوا بعض أوي أيام الدراسة! معلش يا محمد، بص حواليك كويس وتأمل، لسه في ناس دايماً بتحبك وشارياك ومهمتة بيك وبتتمنى رضاك".
أغلقت الهاتف بعد أن رمت كلماتها المسمومة، وعيناها تلمعان ببريق الغدر والتشفي.
كانت مستمتعة للغاية باللعب بالنار وتحريك خيوط الدمى، دون أن تدرك لجهلها وقلة وعيها أنها ستكون أول من يحترق بهذه النيران وتذوب في لهيبها عندما ينكشف المستور.
لم تكن أول مرة تتحدث بها مع محمد بعد زواجه ، و لم يكن اختياره عشوائي ؛فهي كانت بالفعل تحبه منذ فترة الجامعه ،و أيضا كان صديق مقرب لها.
وفي المشفى، فتحت "يارا" عينيها بتعب شديد؛ شعرت بثقل غريب يكبس على جفنيها وكأنها تحاول رفع جبل من فوق وجهها لتتبين معالم المكان من حولها.
حاولت أن تبدد الغشاوة والضباب اللذين يشوشان رؤيتها، لكن كل ما وقع عليه بصرها كان جدراناً بيضاء مصمتة تحيط بها من كل جانب، تنبعث منها رائحة المطهرات الكريهة.
جسمها كان ثقيلاً للغاية، شعرت عضلاتها بالخدر الكامل وكأن أحداً قد وثق أطرافها بالحبال إلى الفراش الحديدي.
حاولت أن تحرك يدها لتلمس وجهها أو تتحسس الدماء الجافة، فدوى في عروقها ألم حاد ومفاجئ جعلها تطلق صرخة وجع مكتومة، كانت موجوعة لدرجة لم تحتملها فاستسلمت لسكونها مجدداً.
نظرت حواليها مرة أخرى بذعر وقلق، فلمحت والدتها وأخاها الأكبر "عمر" واقفين جنبها وعلامات القلق والترقب تكسو ملامحهما الشاحبة.
كانت أمها تنظر إليها وعيونها مليئة بالدموع وحسرة الفقد، وقالت بصوت مخنوق تملؤه الغصة:
- "إيه اللي حصل فيكي يا عيني؟! مين اللي عمل فيكي كده؟"
اقترب منها "عمر" بسرعة، وعيناه تشتعلان بالشرر وعروق عنقه بارزة ومتوترة من شدة الغضب، وقال بصوت هادر أرعب الممر في الخارج:
- "مين اللي عمل فيكي كده؟! والله العظيم ما هسيبه! هجيبه لو كان تحت الأرض!".
بدأت يارا تبكي ، وانهمرت دموعها حارة على وجنتيها المتورمتين، ولكن صوتها لم يخرج؛ تلاشت النبرة تماماً في حنجرتها.
فتحت فمها وحركت شفتيها تحاول يائسة أن تنطق باسم أو تشرح لهما وحشية ما حدث لها في ذلك المرحاض المظلم، ولكنها فشلت تماماً في إخراج أي نبرة.
كانت ترفع يدها السليمة باهتزاز وتشير برعب نحو رقبتها وحنجرتها، وتنظر إلى أمها بعيون يملؤها الفزع والخوف كأنها تعيش تفاصيل الكابوس من جديد أمامها..
تقدم "عمر" منها بخوف حقيقي صدمه من منظر عجزها:
- "انتي مش قادرة تتكلمي؟ صوتك مش طالع ليه؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي بصمت مرير خلع قلب شقيقها.
لم يحتمل عمر رؤية عجز أخته الصغيرة وكسرتها، فنزلت دمعة قهر صامتة على خده، ومسحها بسرعة بظهر يده ثم خرج يركض في ممرات المستشفى يفتش عن الطبيب بنفاذ صبر.
ما إن وجده في مكتبه حتى قال بنبرة لاهثة يملؤها القلق والخوف من المجهول:
- "دكتور... أختي مالها؟ ليه مش قادرة تتكلم؟"
رد الطبيب بهدوء مهني محاولاً طمأنته وضبط انفعاله:
- "حالتها الجسدية مستقرة، عندها كسر في إيدها وكدمات سطحية نتيجة الضرب .. لكن المشكلة الكبيرة إنها مش قادرة تتكلم، وده غالبًا بسبب صدمة نفسية عنيفة مرت بيها وسكتت أحبالها الصوتية كنوع من الهروب، أنصحكم تعرضوها على دكتور نفسي في أسرع وقت."
اتصدم "عمر" وتراجع مكانه خطوتين، وقلبه تقطع وهو يستمع إلى كلمات الطبيب؛ أخته الصغيرة، بريئة العائلة، تعرضت لاعتداء وحشي كاد يودي بحياتها ويحرمها نطق الكلمات... والفاعل ما زال مجهولاً، حراً طليقاً وسط المدينة.
تجلس مها في غرفتها و هي تذهب ذهاباً و أياباً تحاول تذكر تفاصيل اللوحة الثالثة ، ثم أغلقت عيناها ؛تحاول التذكر و لكنها لا تستطيع .
ثم ذهبت نحو الباب و نظرت من العدسة السحرية ، لم ترى حركة خارج الشقة .
فتحت الباب بهدوء و تركته مفتوح بشكل غير ملفت ، و صعدت نحو سطح المبنى ؛في هدوء و هي تتذكر همسه لها ، كيف كانت ترتعش و هي تتذكر ذلك و هي على فراشها ، كيف كان حنون و كلماته هادئة ، كيف استطاع أن يرسم ملامحها بهذا الجمال ؛ تذكرت أنفاسه الحارقة التي كانت تلفحها .
كيف كانت حرارة جسده هو قريب ، تخيلت قليلاً لو يضمها ، كانت تحاول الشعور كيف يمكن أن تشعر إن ضمها بين ذراعيه الكبيرين .
ضربة هواء خفيفة مائلة للرطوبة جعلها تستيقظ من هذه الأحاسيس المحرمه ، لرجل بالحق محرم .
تقدمت من الغرفة و فتحتها و فتحت الإضاءة .
كل شيء كان كما هو إلا من تلك اللوحه الجديدة التي في الزاوية .
لم تعرعها مها أهتمام كبير ، كانت تبحث فقط عن هذه اللوحه الثالثة .
قالت بصوت متحمس :-"أخيراً"
نظرت إلى اللوحه ، كانت تقف في تلك الغرفة خلف الباب ، مثل ما حدث في تلك المرة التي كادت أن يكشف أمرهم ؛ و لكن المختلف هنا أن مازن كان يحجز عليها بيديه و عاري الصدر و تظهر الصورة تفصيل جسده المعضل، كان في الرسم يوضح رغبته في تقبيلها و عدم مقدرته ، حيث أنه كان ينظر إلى شفتيها فقط .
نظرت إلى جسده في الرسمه كان جسده مثالي بنسبة لها ، بينما هي الآن تتخيل شعورها في هذا الموقف المرسوم بالفعل ، كان قلبها يدق بعنف ، بينما هي تنظرإلى الرسمه التي بين يدها ، ثم نظرت إلى تلك اللوحه الجديدة .
كانت الرسمه مازالت رطبه ، مما يدل على رسمها منذ وقت بسيط ... أقتربت منها ، هنا فتحت فمها قليلاً من الدهشة و جرأة تلك اللوحه ، لمعت عيناها و بدأ صدرها في الارتفاع و الهبوط من شدة الإثارة و هي تشاهد الرسمه التي كانت تعبر عن موقف حيوي بينهم ، حيث ما كان يتمنى فعله في الرسمه الثالثة ، قد فعله في هذه الرسمة الجديدة .
ركزت في تلك الرسمه أكثر ، كانت شفتيها حمراء عيونها باكية و لكن تلمع ، و هو يقبلها بشغف وأضح في عيونه .
تلك الرسمه خطفت أنفاسها ؛بدأت تشعر بدفئ المكان من حولها ، تشعر بوجوده و حرارته قريبا منها .
قدمها أصبحت من الصعب الوقوف عليها ، و هي تتخيل تلك الرسومات ليس مجرد رسمه ؛ بل أصبحت تدور حول عقلها .
قالت و هي تخرج من الغرفة و تقفلها بصوت هامس :-" مش مجرد جملة ، و مش مجرد رسمه "
في اليوم الذي يليه، كانت عاصفة الليل قد تركت وراءها هدوءاً خطيراً يسبق أي انفجار مدمر.
كان "أحمد" يقف في صالة شقة حماته، يحاول بشتى الطرق أن يصلح من علاقته مع زوجته "سهر" التي تركت بيتها ورحلت في الليلة الماضية دون أن يدرك في البداية عمق الوجع الذي دفعها لهجر بيتها وابنها وغضبها الشديد منه.
كان يقف حائراً يحاول حل الأمور وديّاً مع والدة زوجته ووالدها أيضاً لتجنب الفضيحة.
قال أحمد بنبرة يملؤها العجز وقلة الحيلة وهو يوجه كلامه لوالد زوجته المستند إلى عصاه:
- "يا عمي، عقل بنتك وفهمها... أجيب منين شقة تمليك دلوقتي؟! هو في شقق ببلاش في البلد عشان تطلب طلب تعجيزي زي ده؟!"
حماته ردت بعصبية حادة وهي تجلس على مقعدها الخشبي وتلوح بيديها:
- "ما هي من حقها تبقى في شقة لوحدها ومستقلة برضو! بنتي مش أقل من حد عشان تعيش وسط المشاكل والقهر كل يوم."
دافع أحمد عن نفسه بضيق وضغوط الحياة تثقل كاهله:
- "طب ما هي لوحدها في شقتها ومحدش بيتدخل في حياتها... حد بيشاركك في لقمة يا سهر؟! حد بيقولك تعالي عندي واطبخيلي؟! بقالك ست سنين معايا، ماحدش من أهلي كلمك بكلمة تضايقك!"
حماه تدخل في تلك اللحظة بصوت هادئ ورزين ووضع يده الثقيلة على الطاولة لينهي اللغط:
- "حتى لو يا بني، وأنا عارف إنك طيب وشاري بنتنا، ماكنش ينفع تسيبها تنزل من البيت وتخرج وهي غضبانة من غير ما تصلحها وتجبر بخاطرها في وقتها، كنت نزلت وراها وقلت لها خليكي مكانك وكرامتك محفوظة في بيتك."
أحمد تنهد بتعب شديد فرك وجهه بيديه، وقال محاولاً إنهاء الخلاف العائلي قبل أن يتفاقم:
- "يا حول الله يارب... عمي، ممكن تسيبني مع بنتك لوحدنا شوية؟"
وافق الحما، وأشار لزوجته فنهضا معاً وتركا غرفة الاستقبال ودلفا إلى الغرفة المجاورة، وأغلقا الباب خلفهما ليتركاهما وجهاً لوجه في مواجهة الحقيقة.
جلس أحمد على المقعد المقابل لزوجته، ونظر إلى وجهها الممتلئ بالحزن والخذلان، وقال لها بتعاطف حقيقي ونبرة لانت لأول مرة:
- "ممكن أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟ ليه كل ده؟ وليه سبتي البيت ومشيتي؟"
قالت سهر وهي تنظر للأرض وعيناها تلمعان بالدموع بصوت مكسور من خيبة الأمل:
- "اللي حصل إني تعبت... مش عايزة أعيش جنب مرات أخوك الاولى دي تاني، وهي طول النهار بتشتم فيا وتقل من كرامتي وانت واقف ساكت ومش بتاخد موقف يحسسني إن ليا ضهر! أنا تعبت من العيشة دي."
اقترب منها أحمد وجلس بجوارها، ثم ضمّها إليه برفق ومسح على كتفها وقال بصدق خرج من قلبه:
- "والله مش كده... أنا بس مش عايز أخسر أخويا ومحصلش فرقة في البيت، وانتي عارفة ده وعارفة غلاوة محسن عندي، بس بوعدك، من هنا ورايح، لو غلطت فيكي تاني أو فتحت بقها بكلمة... أنا اللي هاتكلم وأجيبلك حقك وكرامتك فوق راسي."
رفعت سهر عينيها إليه لتستشف صدق وعده، وهزّت رأسها بهدوء دليل القبول والموافقة بعد أن أفرغت شحنة القهر:
- "ماشي."
ابتسم أحمد بارتياح كبير وقال وهو ينهض مستعيداً زوجته:
- "يلا بقي، قومي البسي وتعالي معايا نرجع بيتنا وابننا اللي قالب الدنيا عليكي."
أجابت وهي تمسح بقايا دموعها بطرف شالها وتبتسم بنبرة هادئة:
- "يلا ."
ينتهي الفصل...
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.