تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
6
فجأة... وصل ما كانت تخشاه، أمر التّجنيد الذي ظنّت أنّه لن يصل أبدا؛ وصل إلى المنزل عبر البريد العادي، وتفاجأ بعض أصدقائي بالشّرطة أمام منازلهم، تسلّمها لهم يدا بيد.
أصبحت الدّولة الآن حريصة كلّ الحرص على تبليغنا بوجوب وأهميّة الخدمة العسكريّة، في ظلّ الأوضاع المتأزّمة الرّاهنة.
ألحّت عليّ أمّي أن أطلب إعفاء لأنّي أعاني من نقص في قوّة البصر، ولا يمكنني الرّؤية إلاّ بنظّارات طبيّة، تتزايد درجاتها عاما بعد عام، ثمّ تراجعت، وأرادت مجدّدا أن أطلب تأجيلا والدّموع تترقرق في عينيها، فقط بالهاتف دون إبداء أسباب، لأنّه أمر التّجنيد الأوّل، ويمكنني أن أطلب التّأجيل مرّتين متواليتين دون حساسيّات، لكنّي شكّكت في هذا بسبب الحرب، وأمام توقيف الدّراسة، والتّأجيل المستمرّ للدّخول الأكاديميّ؛ والغموض الذي ميّز تلك الفترة، والفوضى التي سادت.
آثرت الإنضمام لجيش الدّفاع كي لا أضيّع وقتا ثمينا أحتاجه في ضمان مستقبلي، لقد خشيت عليّ من الحرب، شأنها شأن أيّ أمّ تحاول حماية أولادها، خاصّة وهي ترى إصابة والدي التي كادت تودي بحياته، كما أصبح لا حديث للنّاس هنا في إسرائيل سوى اجتياح «غزّة»، محو «غزّة»، إبادة «غزّة»، حرق «غزّة»، مهما كلّفنا ذلك من تضحيات، عبارات تبدو بسيطة، هيّنة، غير أنّ أبعادها ستكون وخيمة جدّا على الصّعيد النّفسيّ، والإجتماعيّ، والإقتصاديّ.
كان الجميع مصدومين، وغاضبين، ممّا خلّفته هجمات السّابع من أكتوبر، من قتلى وجرحى ودمار.
لأوّل مرّة تعلن حالة الحرب، بعد إعلانها في 1973م، وتمّ استدعاء أكثر من ثلاثمائة ألف جنديّ وضابط، سيموت الآلاف منهم فيما بعد، وستبكي أمّهاتهم كثيرا، بشكل أكثر فظاعة ومأساويّة... سنبكي دماً أحمر قانٍ، بدل الدّموع الحارّة الشّفّافة.
هنا إسرائيل، هنا الحرب المفروضة علينا، فجر السّابع من أكتوبر، لأوّل مرّة بعد خمسين سنة.
لم أكن وحدي من وصله أمر التّجنيد، لقد صُدم زملائي وزميلاتي في الثّانويّة من الخلط الرّهيب في مواعيد متابعة التّسجيل، في مكتب التّجنيد المحلّي في «بير شيفا»، وهناك من طُلب منه الإتّصال بالمكتب في ظرف أقلّ من ثمانٍ وأربعين ساعة، أو سيدخل السّجن لعقوبة تصل إلى خمس سنوات، بتهمة التّهرّب من خدمة الأمن، مثل «دانيال أدموني» كذّاب الثّانويّة، لأنّه أجّل الإلتحاق بالجيش ثلاث مرّات متتالية.
وحتّى لو شوّهت جسمك للإضرار بقدراتك الصّحيّة لتحصل على إعفاء؛ فإنّ هذا يعدّ جريمة، تعاقب عليها أيضا.
لقد فعلت الحرب فعلتها.
لن تنجو في إسرائيل من هذا الكابوس الرّهيب للبعض إلاّ إذا كنت من «الحريديم»، لا يشغلك شيء في حياتك، سوى دراسة التّوراة.
أطلعت جارنا الطّيّب السيّد «ريكاردو» على الأمر، ورجوته أن يتدخّل لصالحي، فيوجّهوني لمدرسة المدرّعات في «شيزافون» في صحراء «النّقب»، وبذلك أضمن تحقيق حلمي في أن أصبح قائداً لدبّابة «الميركافا»، دبّابتنا الأسطوريّة أوّلا، وأبتعد عن ويلات الحرب لفترة طويلة ثانيا، وأصون وعدي لأمّي، بأن أبقى حيّا أرزق ثالثا، فطمأنني وهو يبتسم ملء شدقيه قائلا:
- لا تقلق «دافيد» حبيبي، مطلقا... دع كلّ شيء لي واذهب للموعد الذي حدّدوه لك.
وطمأنني كلامه غاية الإطمئنان.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!