تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
2
رجعت للغرفة، فوجدت الجميع مستيقظين، بعدما تركت «عزرا» وحده مستيقظا يتحدّث مع خطيبته بهاتف مهرّب، كانت مآقيهم تسألني دون كلمات، نظرت في عيون كلّ واحد منهم، نظرت في عيون أصدقائي؛ الواحد تلو الآخر، هؤلاء الذين ما عرفت سواهم هنا، وأنا الغريب البعيد عن «أوفاكيم» مسقط رأسي، وعن أمّي التي أردت الإتّصال بها لأخبرها، لكنّي خشيت أن أزيد من قلقها، وربما ارتفع ضغطها هذه اللّيلة، فتزداد حالتها سوءا باتّصالي الأحمق، وهي التي ظلّت تعاني مع أبي، الذي لا زال يرقد لغاية اللّحظة في مستشفى «سوروكا»، في «بير شيفا»، متأثرا بإصابته البليغة في العمود الفقريّ، بعد هجوم صباح السّبت السّابع من أكتوبر، ولم يفعلوا له شيئا حتّى السّاعة.
- ما الذي حدث؟، ماذا كانوا يريدون منك في القيادة؟.
قالها «شلومو زوسمان»، الرّسّام النّمساويّ وهو يحاول بحرص شديد استشعار مشاعري، ثمّ أردف «رفائيل»:
- نعم نحن نسمع.
وحرّك «عزرا» رأسه صعودا وهبوطا في تذبذب سريع تشجيعاً لي على الكلام.
نظرت إليه قائلا في بطء مشدّدا على الأحرف:
- سأذهب للحرب في «غزّة»؛ يجب أن أكون هناك، في «سديروت» غدا صباحا، قبل السّاعة العاشرة حسبما كُتب في الأمر.
وأريته الورقة، فخطفها «رفائيل» في حركة سريعة من حركاته القتاليّة.
وجم الجميع ومرّت دقائق دون أن ينطق أحد، أخرس هول المفاجأة ألسنتنا، فاكتفينا بما تقوله العيون.
بعد دقائق قال «عزرا» وهو يسترق النّظر للورقة التي خطفها منّي «رفائيل»:
- أنت؟... أنت لم تكمل تدريبك بعد، هناك خطأ بالتّأكيد، من يقول ذلك؟، قل كلاما آخر «دافيد» ونحن سنصدّقك، ثمّ... هل تحاول إقناعي أنّ هذا الوغد أيقظنا قرب منتصف اللّيل ليخبرك أنّك ستذهب للحرب في «غزّة»؟، لماذا يخبرك الآن تحديدا؟، لماذا لا ينتظر للصّباح؟، «غزّة» بعيدة، إنّها... إنّها على بعد مائتي كيلومتر من هنا؟.
وسرعان ما سانده الكلّ في موقفه.
لم نستطع جميعا إيجاد تفسير مناسب رغم كلّ ما تناولناه من تحاليل وقراءات، أمامنا معادلة رياضيّة لا تحلّ، ثمّ اقترح «شلومو» في النّهاية أن نخلد للنّوم، كي ينهضوا باكرا دون إرهاق، لمواصلة التّدريبات.
بدأ الزّمن يمرّ عليّ وأنا في سريري في سرعة السّلحفاة، نظرت إلى «عزرا» فوجدته ما زال يتكلّم مع خطيبته، كعادته دائما كلّ ليلة، كأنّه ما زال مدنيّا يسهر للصّباح كيفما شاء، في حين أراه يتثائب في كلّ ساعات النّهار تقريبا، وأحيانا يغفو بعد وجبة الغداء حين يغلبه النّعاس، إذ كثيرا ما عاقبه الضّابط المدرّب «ديميتري» الذي فكّرت أن أطلب تدخّله؛ لأنّي أثق فيه وفي خبرته، وأرتاح لنصائحه رغم قسوته، ثمّ قلت في نفسي:
- ما عساه يفعل لي؟، هذا أمر من القيادة العليا، يا لي من غبيّ!.
ثمّ تذكّرت أنّ الضابط الذي أتى ليطلبني قال إنّ القيادة تريدك، لكنّه انحرف في الطّريق إلى أحد المكاتب، ومقرّ القيادة العليا معروف لكلّ عسكريّ في القاعدة.
ماذا يحدث هنا بالضّبط؟.
بدأت أقلق، فأشرت إلى «عزرا» في الظّلام الخفيف، ففهم أنّي أطلب الهاتف، ولا يمكن أن يفهم غير ذلك، فالوضع مربك للجميع، تحت وطأة الحرب يمكن أن يأخذوا أيّ واحد للقتال، ولو رفض لأحالوه على المحكمة العسكريّة، ولأدخلوه السّجن بسهولة تامّة ودون أيّة شائبة.
هل نعاني من نقص في الجنود لهذه الدّرجة؟.
راودتني فكرة الإتّصال بأمّي للمرّة الثّانية، أدخلت رقم هاتفها الخلويّ ثمّ عدلت عن الفكرة في اللّحظة الأخيرة.
قلت في نفسي:
- سأتّصل بأختي «ياعيل»، أفضل، لأنّه يجب في النّهاية أن أتّصل بإحداهنّ.
غير أنّي تذكّرت أنّها لا تعرف إخفاء أيّ شيء عن أمّي، بعد ثلاث ثوانٍ بالضّبط من النّظر المباشر في عينيها، لذلك قرّرت الإتّصال بخطيبتي «أتارا».
كانت السّاعة تقترب حثيثا من منتصف اللّيل، رنّ الهاتف مرّتين، ثمّ سمعت الذي كنت له متعطّشا.
- نعم من المتّصل؟.
قالتها بعياء وفتور.
- أنا «دافيد».
كأنّ صاعقة أصابتها:
- «دافيد»؟، لم أنتظر أن تكلّمني من القاعدة، هل سمحوا لكم باستخدام الهواتف؟!.
- آسف «أتارا» لأنّي أتّصل بك في وقت متأخّر، لكن يجب أن أقول شيئا، إسمعيني أرجوك، دون مقاطعة... أرجوك.
سادت فترة من الصّمت قبل أن أنطق بدموع تخنقني وتخنق صوتي معها:
- أحبّك «أتارا»، تذكّري دائما أنّي أحبّك.
أوّل مرّة أصارحها بمشاعري المكتظّة منذ أشهر، حبيبتي السّمراء ذات السّتة عشر ربيعا، أوّل مرّة أمتلك شجاعة الكلام الذي كثيرا ما لامني صديقي «غابي» على افتقادي لها، منذ أن عرفتها في الثّانويّة؛ بعينيها اللّوزيّتين، منذ أن تحدّثت أمّي مع أمّها واتّفقنا جميعا، مبدئيّا على الخطوبة، سمعت بكائها، وأنا الذي أحاول جاهدا، وبكلّ ما استطعت من قوّة، ألاّ أجعلها تبكي، منذ حادثة شجارها مع «بلانكا مالكامو»، هذا الملاك لم يُخلق ليبكي، هذا الملاك خلقه الرّبّ «أدوناي» ليعيش سعيدا، فلا يجب مطلقاً أن تفارق البسمة شفتيها.
أغلقت الخطّ راميا الهاتف لصديقي على فراشه، هنا بدأت الدّموع تخنقني أكثر، كلّما قاومتها، زادت هي من خنقي، تمنّيت أنّي لو لم أتّصل بها، ما جدوى ما قمت به الآن؟، لا شيء، ربما ضاعفت قلقها، ربما طردت النّوم من جفونها بعباراتي الغبيّة الحمقاء، آهٍ لو طلبت رأي «عزرا»، ربما كان الوضع أحسن بكثير، فهو خبير في هكذا أشياء، حتّى أنّ الجميع هنا يسمّيه «المستشار».
أمّا هو، فالتقط الهاتف وأكمل حديثه بشكل عادي تماما، كأنّي غير موجود، فحين يتحدّث مع خطيبته يلغي من عقله كلّ الأشياء التي تشوّش عليه، حتّى أنّي طلبت منه دواء منوّما، بصعوبة وسط دهشته، كوني أطلب ذلك منه للمرّة الأولى، كانت السّاعة تقترب من الواحدة وأنا في كامل وعيي، ويجب أن أنام لأستيقظ صباحا، فقدّم لي نصف قرص من دواء «كلونوبين»، من أجل مفعول مناسب للفترة التي ما زالت من اللّيل.
«عزرا» هذا؟، غريب وبارع في هذه المسائل، فهو يحسب بدقّة متناهية الوقت الذي يجب أن يستغرقه للنّوم، بعد أن كان يستعمل الدّواء عشوائيّا، ممّا تسبّب له في بقائه نائما حتّى في ساعات النّهار، وحين يصحو يقول لمن يجده أمامه إنّ هناك مطرقة ضخمة في رأسه، تشرع في العمل، بمجرّد أن يفتح عينيه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!