تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
وضع القراءة:

1

«شيزافون»، مدرسة تدريب سلاح المدرّعات؛ صحراء «النّقب»؛ سبعون كيلومترا شمال «إيلات».
حدث كلّ شيء ببطء، وبسرعة في آن واحد؛ أمسية السّبت الثّلاثين من ديسمبر، أي بعد شهرين فقط من هجوم السّابع من أكتوبر، وفي أقلّ من ساعتين، إبتداء من الحادية عشرة ليلا.
كنّا نائمين استعداداً لتدريبات يوم الغد الشّاقّة، حين دخل فجأة ضابط لغرفتنا يطلبني فوراً لمركز القيادة؛ بدا الأمر مريبا لي بعض الشّيء؛ لكن ما عرفته فيما بعد؛ لا يمثّل سوى النّزر اليسير واليسير جدّا أمام هذه الرّيبة؛ وأنا الذي ما زلت طالباً في سلاح المدرّعات، لم أكمل دوراتي التّدريبيّة بعد، هنا في قاعدة «شيزافون»، يرتفع سقف توقّعاتي عاليا باستمرار، كلّما تخيّلت القبّعة السّوداء على رأسي، وراودني حلمي الوحيد الذي عشت وجئت من أجله، فأبتهج غاية الابتهاج، إنّه عنفوان الشّباب الذي يدفعني دفعاً حثيثاً لأرفع رأسي شامخاً بهذه القبّعة، وبعزّة جبل «صهيون».
نعم سأكون ضابطاً مسؤولاً، ذو شأنٍ رفيعٍ يفتخر به أبي، أينما ذهب، سأكون قائد دبّابة «ميركافا 5»؛ آخر إنتاجاتنا العسكريّة، وفخر دولة إسرائيل.
- تحرّك بسرعة.
قالها لي بنبرة آمرة غليظة، وبصوت مكتوم في آنٍ واحد، ناظراً بحنق تجاه صديقي «عزرا غولدشتاين»، الذي أدّى له التّحيّة العسكريّة بنشاط، بعدما أخفى هاتفه النّقال تحت الوسادة، في حركة سريعة، كثيراً ما تدرّب عليها كي يتقنها لمثل هذه المواقف، وأظنّ أنّه انزعج حين وجده مستيقظا في هذه السّاعة المتأخرة من اللّيل.
طار النّعاس من عينيّ وحقّ له أن يطير، بمجرّد هذا الدّخول الفضّ.
إنّها المرّة الثّانية التي أواجه فيها عجرفة أحد الضّبّاط، منذ التحاقي بهذه القاعدة العسكريّة، بعد الشّيطانة التي خرجت للتوّ من الجحيم، الشّيطانة التي استقبلتني أوّل ما وطئت قدماي هذا المكان.
أنا الآن شبيه آلة، أنفّذ حرفيّا ما يأمرني به دون تردّد، كلمة منه؛ معناها زرّ ضُغط عليه، كلمة منه أو حتّى إشارة؛ معناها فعل سيحدث.
كلّ شيء الآن متوقّف على أفعال هذا الضّابط الذي سقط علينا من السّماء.
غريبة هي الحياة العسكريّة، تعلّمك الإنضباط الذي لا تتخيّله مطلقا حين تكون في منزل والديك، كما تلقّنك استشعار الأخطاء التي تتوقّع انكشافها أمام رؤسائك.
تبعته صامتا وأنا أنظّف عدستي نظّارتي الطّبيّة، بينما تركت صديقاي يغطّان في نوم عميق، تمنّيت لو استيقظا، أو على الأقلّ لو فتحا أعينهما فقط، ليريا وجه الضّابط الذي لم أرتح لسحنته حين رأيته للوهلة الأولى، كما أخافتني نظراته الخفيّة المريبة لي في الطّريق، فراحت الوساوس والشكّوك تتلاعب بي تلاعب أمواج المحيط بزورق صيد صغير.
كيف عرفوا أنّي غادرت القاعدة رغم أنّي أخذت كافّة احتياطاتي؟.
هل من المعقول أن يكون أحدهم قد رآني فوشى بي؟.
لقد احترست، فرتّبت كلّ شيء لأمنع وقوع أيّ صنف من الأخطاء، وأيّ نوع من المفاجآت.
فجأة قطع الضّابط حبل أفكاري، لمّا شدّني بقوّة من ذراعي منحرفاً إلى أحد المكاتب، كان هناك رائد مع ضابط آخر لم أتبيّن رتبته، رفقة طبيب سرعان ما تذكّرته، نعم إنّه هو الطّبيب الذي التقيته في مكتب التّجنيد والفرز في «بير شيفا»، وسأل عن حالة أبي الصّحيّة.
أدّينا التّحيّة العسكريّة وقلت بصوت جهوريّ:
- الطّالب «دافيد عوفر»؛ اللّواء المدرّع 460 تدريب إلى اللّواء القتالي 401، تحت أمرك سيّدي.
- ستذهب إلى «غزّة»؛ نحن في حاجة لمقاتلين أشدّاء من نوعيّتك؛ جنود أقوياء أوفياء لدولة إسرائيل، يتّسمون بالشّجاعة والصّرامة والإنضباط.
هكذا ببساطة شديدة، دون مقدّمات كالتي اعتدنا عليها حين نقف أمام الضّبّاط، ولهول المفاجأة لم أعرف حتّى هذه اللّحظة من قالها، هل هو الرّائد أم الضّابط الآخر الذي لم أتبيّن رتبته؟، أم الطّبيب؟، أم الضّابط الذي أحضرني إليهم وبقي واقفا بجانبي؟.
تشويش تامّ أصاب دماغي قضى على تركيزي للحظات، فتركني أقف مشدوها، لا أملك سوى أن أنظر وأنظر، كلّما نظرت ازداد توهاني بين هؤلاء، واشتدّ معه خفقان قلبي.
ثمّ أردف بصوت أعلى من السّابق متعمّدا إيقاظي من شرودي:
- غدا على السّاعة السّادسة صباحا ستجد شاحنة متّجهة إلى «سديروت»، ستأخذك معها.
ودفع بورقة على الطّاولة، كأنّه يدفعني إلى قدري الذي ينتظرني هناك:
- إنصراف.
أدّيت التّحيّة العسكريّة وخرجت، ودقّات قلبي المتسارعة أصوات متتالية تأبى الإنخفاض.
لماذا أنا بالذّات دون سواي؟!، «غزّة»؟... سأذهب إلى «غزّة»؟!، للحرب؟!، كيف؟!، هل سأكون قائدا لإحدى الدّبّابات؟، ثمّ هل أنا جاهز للقتال؟.
عشرات الأسئلة بدأت تتهاطل على رأسي دون أن أجد لها إجابات واضحة، ولو بصفة مؤقّتة تطمئنني، بدل هذا الرّعب الذي أعيشه الآن.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.