تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
وضع القراءة:

3

هنا في إسرائيل، كلّ شيء مختلف عن باقي دول العالم، نحن شعب ولسنا كأيّ شعب، نحن مجتمع عسكريّ بالدّرجة الأولى، نعم نحن كذلك، هكذا يلقّنوننا في المدارس إنطلاقاً من الإبتدائيّة، بل حتّى في الرّوضة التي كانت فيها أختي «ياعيل»، يحاولون غرس هذه الفكرة بعمق، شعب وحيد مضطهد في كلّ أنحاء المعمورة، جئنا من الشّتات من كلّ أصقاع العالم، لنستقرّ في أرض اللّبن والعسل، أرض الأجداد، شعب يواجه تحدّيات كبيرة وصعبة من دول الطّوق كما تسمّى، أي من جيراننا العرب، لذلك تعتمد الدّولة على الأمن والإستخبارات، أكثر من اعتمادها على أيّ شيء آخر، ويتمّ إنفاق حوالي خمسة بالمائة من النّاتج المحلّي على الشّؤون الدّفاعيّة.
من أجل حماية هذه الدّولة من كافة التّهديدات، لدينا ثلاثة أنواع من الخدمة العسكريّة؛ الإلزاميّة والتّعاقديّة والإحتياطيّة، إضافة إلى بعض البرامج الأخرى لمزدوجي الجنسيّة، والمرتزقة الباحثين عن المجد، أو الذين اضطرّتهم الظّروف المزرية لبيع خدماتهم القتاليّة لمن يدفع أكثر، مثل برنامج «الجنديّ الوحيد».
أوّلا، الإلزاميّة التي تؤرّقنا جميعا، بحيث تتلقّى استدعاء آليّا من وزارة الدّفاع ابتداء من السّنة الحادية عشرة من الدّراسة، أي في سنّ السّابعة عشرة أو الثّامنة عشرة عموما، ذكرا كنت أم أنثى، طبقا لقانون خدمة الأمن، لتتوجّه إلى أحد مراكز التّجنيد والفرز القريبة من مقرّ سكنك، وتسجّل وفق بروتوكول واضح شامل، يحدّد بدقّة قدراتك الجسميّة والنّفسيّة والعقليّة، ثمّ تلتحق بوحدتك المناسبة التي حدّدوها لك، بناء على مؤهّلاتك في سنّ الثّامنة عشرة، وتقضي مدّة اثنين وثلاثين شهرا في الجيش إذا كنت ذكرا، أو أربع وعشرين شهرا إذا كنت أنثى، لكن نتخوّف نحن الشّباب من أيّ تمديد، من أيّ نوع، وتحت أيّ ظرف.
ثانيا التّعاقديّة؛ فهي الخدمة النّظاميّة في جيش الدّفاع، إذ تلتحق به بموجب عقد بينك وبينه، فينتقل المواطن الإسرائيليّ من صفته المدنيّة إلى صفة عسكريّة نظاميّة احترافيّة لا وظيفة له ولا عمل سوى الجيش، وما يتلقاه منه من راتب، تماما مثل أبي.
ثالثا الإحتياطيّة؛ وفيها يُستدعى كلّ من أتمّ فترته التّدريبيّة الإلزاميّة في الجيش، لفترة تدريبيّة أخرى، مدّتها شهر فقط في السّنة، تكون بمثابة إعادة رسكلة، ثمّ يعود لحياته المدنيّة، وعمله بشكل آليّ.
ويشمل جيش الدّفاع الإسرائيليّ القوّات البريّة والجويّة والبحريّة، في تعقيدات متشعّبة جدّا، قليل من يفهمها، لكن نعتمد كثيرا على القوّات البريّة على اختلاف ألويتها، وسلاح الإستخبارات الدّاخلي «أمان»، وهو الإستخبارات العسكريّة، وجهاز الأمن العامّ «الشّاباك»، والإستخبارات الخارجيّة المعروفة باسم «الموساد».
في مدينتي «أوفاكيم» التي تبعد عشرين كيلومترا إلى الغرب من مدينة «بير شيفا»؛ لم يستفق الجميع من هول الصّدمة، هجوم هو الأوّل من نوعه على إسرائيل، أدّى لمقتل ألف ومائتي شخص، وأسر أكثر من مئتين آخرين، في تسونامي مباغت للجميع، ومفاجئ حتّى للأجهزة الإستخباراتيّة، حيث انطلق زهاء خمسة آلاف صاروخ دفعة واحدة من قطاع «غزّة»، نحو مدننا الكبيرة، «تل أبيب» و«لود» و«أشدود» و«أشكلون» و«أورشليم»، ثمّ اكتسح ألفان وخمسمائة مخرّب من «حماس»، وباقي الفصائل الفلسطينيّة الأخرى، عبر البرّ والبحر والجوّ؛ خمسون موقعاً لنا من كيبوتسات ومدن إسرائيليّة، مثل «سديروت» و«كيسوفيم» و«منيفوت» و«نحال عوز»، وغيرها من المناطق المتاخمة لقطاع «غزّة»، وحتّى قواعد عسكريّة، كنّا نراها رموزاً لدولة إسرائيل، محصّنة لا يمكن اختراقها مطلقاً، مثل «رعيم»، مقرّ قيادة «فرقة غزّة»، والقاعدة الإستخباراتيّة «يركون 8200»، في نطاق يمتدّ خمس وستّين كيلومترا من السّياج الفاصل، أو الذي اعتقدنا أنّه يفصلنا عن هؤلاء الإرهابيّين.
زخم من الأفعال العنيفة حوّل كلّ شيء إلى منطقة أشباح مرعبة، آثار الرّصاص واضحة على السّيّارات والمنازل، لا أحد الآن يجرؤ على الخروج من منزله، مخافة أن يصادف مخرّباً يرديه قتيلاً، هو ومن معه.
هنا في «أوفاكيم»، مشهد سينمائيّ هوليووديّ، أو لنقل -دون مبالغات- أنّه مشهد من مشاهد يوم القيامة.
فقدت المدينة الهادئة ثمانٍ وأربعين مواطناً من أبنائها الأوفياء، في بضع ساعات، مثل «تاتيانا شنايتمان» و«آفي بوزاغلو» و«فلادمير بوبوف»، وغيرهم الكثير، أصاب أحد المخرّبين «فيكتور راشميلوف» إصابة مؤلمة في الفخذ، وعقيلته «ناتالي» الآن في صدمة كبيرة، لا أعتقد أنّها ستزول عنها، وذلك لمّا إلتقى به صباحاً حين كان مارّا بالسيّارة، فأطلق عليه النّار دون رحمة، واختطفوا «ماتان تسينجوكر»، من أقارب صديقي «غابي»، كما اختطفوا «إيليا توليدانو»، من الحفل الموسيقيّ الذي أقيم قرب كيبوتس «رعيم»، وقتلوا أربعة من الأصدقاء والصّديقات هناك بدم بارد، الحفل الذي كنت أنوي دعوة «أتارا» إليه، لولا اعتراض أمّها، بحجّة أنّها ما زالت صغيرة السّنّ، وقد تُمنع من الدّخول.
لقد أنقذنا جارنا الطيّب، السيّد «ريكاردو مزراحي» من المصير المظلم الذي كان ينتظرنا، بأعجوبة أكاد لا أصدّقها حتّى الآن، شعرة رفيعة كانت الفيصل بيننا وبين الموت، إذ من عادته أن ينهض باكراً لممارسة رياضة الرّكض في الهواء الطلق، فسمع صفارات إنذار بعيدة ثمّ صوت إطلاق النّار؛ بعدها وبينما كان يحاول معرفة مصدرها، أطلّت أمّي من الباب، لتتحقّق هي بدورها ممّا يحدث، فأشار إليها أن أخرجوا بسرعة جميعاً من المنزل نحو الملجأ، فدخلت أمّي لتوقظنا، بينما كان أبي غائبا في عمله في حراسة إحدى المستوطنات.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.