وضع القراءة:

|9| حينَ تَطولُ الأحاديث.

مرّ شهرٌ منذ علمت ملاك بأمرِ خالها، لكنّ المفارقةَ أنّها لم تَرَهُ جوار المنزل أو في أرجاء كليّتها مما أحبطها وجعلها تفقد بارقة الأمل المتبقّية لإصلاح ذاك الشرخ. كانت تودّ لو تراه، أن تصارحه بما علمت، ربّما لتعتذر عن أسلوبها حتّى وإن بدا منطقيًا آنذاك.
كل ليلةٍ كانت تدعو أن تحين لحظة اللقاء، فتجلس معه لعلّها تتذكّر المواقف التي جمعتهما، لقد استطاعت أن تسترجع بعض الذكريات التي نَستها، الصور كفيلة لفعل ذلك لكنّه لم يكفِ لقلبها.
الشمس غارت خلف المباني، لتميل نحو المغيب، لتخفت أشعّتها عن ساحات الكليّةِ التي بدأت تخلو تدريجيًا من الطلاب، حيث بقي قليلٌ منهم فقط بعد الساعة الخامسةِ عصرًا لمحاضرةٍ إضافية.
تجلس ملاك في الصف الأمامي، كما كانت تفعل طوال الوقت، تتابع المحاضر بغير تركيزٍ وهو ينهي كلماته الأخيرة. كان صوته يعلو تارة وينخفض تارة أخرى، لكنها لم تعِ ذلك حتّى.
نظرت من نافذة القاعة إلى الخارج، تدعو في سرّها أن يكون حازم في أرجاء الحرم الجامعي، تحديدًا في المكان الذي اعتادت أن تراه فيه طوال فصلها الدراسي هذا، كل ما شغل تفكيرها رؤيته وفرصة التحدّث معه.
أغمضت عينيها للحظة، تلتقط نفسًا عميقًا، وضعت كفّها على وجنتها راجيةً أن يأذن المُحاضر لهم في الخروج، إذ بدأ حديثه يصبح مملًّا بشكلٍ لم تعهده من قبل، ربّما لأنّ قدرتها على الانتظار نفدت مؤخّرًا.
وضعت كفّيها على رأسها بتعبٍ حين تذكّرت رؤيتها له أول مرةٍ يقف على بعد أمتار قليلة منها بلباسه الغريب الذي أرّقها، دون أن تدرك أنّه يقربها رغم شعورها أنها تعرفه.
في البداية ظنّته مجرد عابر سبيلٍ مرّ في حياتها صدفةً، حتّى بدأت تلاحظ تكرار حضوره بشكلٍ شبه يومي، في أيّام دراستها وخلال الساعات التي تتواجد فيها هناك، وكأنّه يعلم متى تذهب ومتى تغادر ومتى تتواجد.
لم يتحدّث مع أحد، لم ينظر لأحدٍ سواها فتشعر بشعور غريب يجتاحها.
«يا تُرى ما هو الشيء الخاص الذي تفكّر فيه طالبتنا المتميّزة في آخر محاضرة لهذا اليوم!» نبس المُحاضر من العدم بصوتٍ هادئ
قفزت ملاك من مكانها قائلةً بأسف: «أعتذر منكَ يا دُكتور، كنتُ شاردة الذهن.»
ابتسم بهدوءٍ مشيرًا إلى القاعةِ ثم بابها الضخم، لتجدها تكاد تخلو، ولم يبق سوى عدد قليل من الطلاب يغادرون بالفعل.
تنهّدت بتيهٍ لتبدأ بتوضيب أغراضها تزامنًا مع قولها: «طاب يومكَ يا دكتور، وجزاكَ الله خيرًا.»
أومأ لها بتهذيبٍ وهو يعدّل نظارته ملتقطًا حقيبته: «وإيّاكِ.»
شكرته ونهضت مسرعة، تضم كتابًا بين أناملها لم تقدر على دسّه في حقيبتها، ثم هرعت إلى الخارج لترى الشمس شبه منطفئة، نظرت للساعة لتعلم أن ساعة تبقّت على آذان المغرب.
خرجت من بوابة الكلية وهي تعدّل حقيبتها بنظر يشخص صوب الأرض، وكلّها يقين أن اليوم كغيره من أيام الشهر الأخير.
رفعت رأسها بعفويّةٍ لتتسمّر مكانها بدهشة. كان حازم يقف عند السور المقابل، لكن ليس كما اعتادت أن تراه في الأسابيع الماضية بسترته الجلدية وكمّامته السوداء، وإنّما بملابسه العادية، قميص أبيض مكوّي بدقّة، وسروال جينز أسود، تسريحة شعرٍ مهذّبة بخصلة قصيرة منسدلة على جبينه.
لم يكن يحاول التخفي هذه المرة، كان يقف مكشوفًا، واضحًا، بعينين غارقتين في حزن عميق، دون تلك الحدّة.
رآها فنال بُغيته، لأنّه جاء من أجل ذلك. ندّت شفتيه عن ابتسامةٍ بالكاد تُرى، لكنّ ملاك رأتها لتشعر بغصةٍ في صدرها وحلقها، لقد رأته أخيرًا بعد طول انقطاع، ولن تسمح له أن يغادر دون الفضفضة له عن كل ما تعرفه.
شعورٌ استحكم به، ربما الخيبة، ربما اليأس اللذان اكتسبهما من هذه العائلة التي علمته ألّا يتوقّع خيرًا من أحد. أوشك على رفع كفّه ليلوّح لها، لكنّه تراجع والتفت ليغادر.
لكنّه ما إن خطا خطوتين مثقلتين حتّى استوقفته بندائِها: «هل تأذنُ لي بكلمة؟»
توقف مكانه، لم يلتفت مباشرة، بدا جسده متصلبًا لوهلةٍ، ثم استدار ببطء يناظرها. مشت نحوه بخطوات ثابتة رغم ارتجاف قلبها. وقفت أمامه للمرة الأولى وجهًا لوجه دون مسافاتٍ آمنة أو حساب، رفعت رأسها قليلًا تناظر طوله الشامخ لتدرك ممن ورثته هي.
تنحنحت معدّلة ياقة فستانها، ثم استجمعت شجاعتها لتقول: «هل يمكننا الجلوس معًا على انفرادٍ في ذاك المقهى؟»
نظر إليها طويلًا بجبينٍ مقطوب، كأنه يحاول التأكد من أن هذه اللحظة حقيقية، أن هذه الشابّة التي كانت تصرخ في وجهه ليتركها لشهور تقف الآن أمامه تدعوه للجلوس معها في مقهى.
أومأ لها دون أن ينبس بكلمة، ابتسمت بهدوءٍ وسارت أمامه نحو أحد المقاهي.
كان المقهى الذي اختارته صغيرًا وهادئًا، بعيد عن صخب الكليّة وشوارعها، لا يتردّد إليه كُثُر في هذه الساعة. جلسا على طاولة بجانب النافذة، وجاء النادل ليأخذ الطلب. طلبت ملاك كوبًا من شاي البابونج، وطلب هو قهوة سادة.
لحظات الصمت الأولى كانت ثقيلة، كان حازم يسند ظهره على قائم الكرسي، يداه الطويلتان مشبوكتان فوق الطاولة، عيناه مثبتتان على فنجان القهوة أمامه. لم يتحدّث أو يكسر الصمت، فقط ينتظرها التحدّث بما دفعها لتدعوه.
قررت ملاك أن تبدأ، لكنها لم تعرف كيف. فكيف تخبر هذا الرجل بالحقيقة التي أخفتها أمّها، وعلمتها هي عن طريق الصدفة؟
«أنا طلبتكَ لأمرٍ هام...» صمتت ثم شربت رشفة من شايها
رفع حازم نظره إليها للحظة، ثم عاد لينظر إلى يديه مجيبًا بصوتٍ هادئ: «وما هو؟»
ازدردت ريقها: «أنا عرفتُ الحقيقة منذ شهر، مصادفةً دون يخبرني بها أحد...»
نظرت له بعينين دامعتين: «عرفتُ أنّك خالي حازم، الذي كنتَ ترعاني في صغري، وعلمتُ أنّ أمّي...»
صمتت بخِزي وهي لا تعرف كيف تصف بشاعة ما فعلته أمّها به، لكنّها تمالكت نفسها لتستكمل: «علمت أنّها السبب في أنّي لا أتذكرك، فلقد قطعت كل خيطٍ أمكنه أن يهديني لك، علمت أنّها اتّهمتكَ زورًا في قتل أخي الصغير...»
نظرت له دون تردّد: «أبي رجلٌ تقي، وهو لا يكذب. سمعته قبل شهرٍ يوبّخها على حسابك، يفتح لها مجلّدات الماضي مُذكِرًا إيّاها بفعلتها. لم أشكّ فيه، لكنّي وددتُ لو لم تُكن أمّي شاهدة زور، لكن ما الفائدة؟ لقد اعترفت.»
ارتجفت يد حازم التي رفعت الفنجان ليرتشف منه، كانت القهوة تتحرّك في الداخل. لاحظت ذلك لترفع كفّها وتمسح على يده بحنوٍ لينكّس رأسه مُخفيًا ضعفه، فهو يحبّها كأخته الصغيرة وليس كخالها، هي بالنسبة له كل شيء وبقيت كذلك حتّى مع سجنه.
قالت فجأة: «أنا آسفة يا خالي...» صمتت قليلًا ثم أضافت: «آسفة نيابة عن أمي، عن نفسي، عن كل هذه السنين التي نسيتُ فيها أن لي خالًا يحبني لدرجة أنّه يأتي ليقف أمام كليّتي دومًا.»
ساد صمت وبيل، جعل حازم ينظر إلى يديه، محاولًا تنظيم أنفاسه المبعثرة المضطربة. رفع يده ليمسح وجهه، لتكتشف ملاك أن هناك دمعة قد انحدرت على خده دون أن يشعر بها.
شعرت بقلبها ينقبض. هذا الرجل الذي أمامها، الذي كانت تراه لمدة شهرين، يقف تحت الشمس بلا شكوى، بنظراتٍ حادّة، وجذعٍ مستقيمٍ لا ينحني، يذوب أمامها الآن كالشمعة في صمت أشدّ ألمًا من البُكاء.
«لا تعتذري يا صغيرتي...» قال أخيرًا بصوتٍ أجش خافت: «أنتِ لا ذنب لكِ.»
رفع عينيه المحاطتين بتجاعيد التعب نحوها، لتلتمس فيهما دفئًا لم تستطع وصفه. ابتسم برفقٍ: «أنتِ تشبهين جدتك كثيرًا. أمي. نفس الشعر، نفس العيون، حتى طريقة جلوسك.»
لم تكن ملاك تعرف كيف ترد. لم تتعلم كيف تتعامل مع هذا الحنان المفاجئ، مع هذا الرجل الذي احتوى كل هذا الحب داخله لها طوال ثلاثين عامًا.
استطرد بالقول: «سامحيني لأنّي كنتُ أتتبّع أخباركِ من بعيد، عرفتُ عنكِ كل شيءٍ حتّى علمت أنّكِ متفوّقة. كنتُ أريد أراكِ فقط، أن أتأكد أنّكِ بخير، لا أن أخيفكِ أو أؤذيكِ.»
أشاح بنظره عنها: «كنتُ فقط أتخفّى خوفًا أن تتعرّف علي آمال، إذ رغبتُ تحقيق ثأري.»
لم تعقّب على كلماته الأخيرة ليضيّق عينيه متسائلًا: «لا بُد أنّكِ أدركت تلك الليلة أنّي أتيتُ لقتل أمّك، فكيف تجلسين معي كأنّ شيئًا لم يحدث؟»
لم تظهر عليها أمارات الغضب، وأجابت بهدوء: «لأنّك لو أردتَ قتلها لفعلتَ يومَ نويت، لكنّ تراجعك أثبت لي طهارة قلبك، وعدم قدرتكَ على إيذاء نملة.»
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصدق: «لم أقدر على قتلها، فكّرت بأمّي، فكّرت بكِ، استرجعتُ كل ذكرياتي التي لم أقدر على رميها عَرضَ الحائِط.»
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان مختلفًا. كان صمتًا أكثر راحة، يقترن بالأمل، وأن كل شيءٍ سيغدو أفضل.
«هل تعلم أن أمي لم تخبرني حتّى الآن أنّكَ تقرب لي؟ هل تصدّق أنَها لم تفاتحني بتلك الليلة رغم علمها برؤيتي لك؟ حتّى والدي احترامًا لرغبتها لم يخبرني.»
ابتسم بهدوءٍ شابكًا أنامله ببعضها: «وكأن ذلك غريب؟ أنا تعجّبت منكِ حين تحدّثتِ إلي وطلبتني للجلوس معًا، لأنّي توقّعتُ أنّها لن تجرؤ على إخبارك.»
ابتسمت بلطف: «أنا لن أرفضكَ كما فعلت أمي. أنت خالي، وأريدكَ أن تكون جزءًا من حياتي.» ضحكت بهدوء: «ذاكرتي استعادتكَ قليلًا.»
ابتسم حازم ابتسامة أخرى، أكبر من الأولى، رغم أن عينيه تلمعان ببقايا الدمع. نظر إلى يدها الصغيرة فوق يده الكبيرة ثم قال: «حين كنتُ خارج كليّتكِ خشيتُ أن تصرخي في وجهي...»
وسّعت مقلتيها مقهقهةً بحرجٍ، تتحاشى النظر له: «لقد تذكّرت! أعتذر لكَ عن صفعي لكَ يوم أحضرت لي الهدية...»
ضحك لأوّل مرةٍ منذ جلسا لينفي برأسه: «لا عليكِ عزيزتي، لقد عَذَرتُكِ ولم اتّخذ منكِ موقفًا.»
نظرت له تعبث بأصابعها حرجًا: «خالي.»
نادته بصوتٍ هادئ ليبتسم فقد انتظر هذه الكلمة عمرًا: «أجل يا ملاكي.»
«أريد أن أعرف كل شيء عنك، أين تعيش، ماذا تحب، وأريدكَ أن تعرف عنّي كل شيءٍ كذلك.»
ضحك حازم ضحكة خفيفة: «أعرفك أكثر مما تظنين يا ملاك. أعرف أنكِ تحبين الشاي بالبابونج، وأنكِ تحبين إسدال شعركِ دومًا في البيت بالطبع، وأنّكِ تحبّين مجوهرات الفضّة، وأن لكِ صديقة مقرّبة واحدة تُدعى نَغَم.»
توقفت أنفاسها. تغاضت عن شاي البابونج فربّما استنتج ذلك لأنّها طلبته، لكن البقية صادمة.
ضحك بخفوت حين علم ما يجول في ذهنها: «لا تتعجّبي، الأمر أنّ معظم ذلك عرفته في صغرك، وقليله بعد خروجي من السجن.»
قهقهت برأسٍ مُطأطأ: «لستَ هيّنًا أبدًا.»
وأثناء حديثهما لم يلحظا دخول ذاك الطفل الذي ولج المقهى يحمل زهورًا حمراء، يبيعها رزقًا له.
«أتشتري منّي وردةً يا سيّدي؟» نبس الطفل بلطف
التفت حازم ناظرًا له، أومأ له مخرجًا مالًا من محفظته: «تفضّل. احتفظ بالباقي.»
رفع الطفل حاجبيه باستغراب: «لكن هذا كثير.»
التقط منه حازم الوردةَ نافيًا: «ليس كثيرًا على ابنة أختي.»
ابتسم الطفل ووضع كفّه على صدره ممتنًا: «عوّضك الله.»
ثم تركهما وذهب يستكمل بيعه. نظر حازم لها مبتسمًا وقدّم لها الوردة دون النبس بكلمة. التقطتها ملاك بصمتٍ، تحاول استيعاب حجم الحب يقدّمه لها من كلامٍ وأفعال. حب طاهر نقي لم تجد لمثله نظيرًا.
نظر إليها للحظة، ثم أغمض عينيه باطمئنانٍ، يحاول التأكد أنّ ما يحدث ليس حلمًا، وأن ملاك فعلًا تجلس أمامه، ابنة أخته التي عاشت في كنفه أكثر مما عاشت في كنف والديها.
كسرت الصمت بصوتٍ راجٍ: «هل تأذن لي أن آتي لزيارتكَ وزيارة جدّتي؟ وأن نتسكّع دومًا، أم أنّكَ تُمانع؟»
كان على وشك ارتشاف القهوةِ لكنّه أنزل الفنجان حين أصاخ طلبها وحدّق بها ببرود: «وبعد كل الحديث الذي سرفناه لا زلتِ تَطلبين؟ أنتِ تفعلين ما تشائين دون إذن.»
اتسعت ابتسامتها لتفتح حقيبتها مخرجةً دفتر ملاحظاتها، مزّقت ورقةً صغيرة وضعتها أمامه مع قلم حبر وأشارت بلطف: «أكتب لي عنوانكَ لأنّي لا أتذكّره فأمّي لم تكن تزور جدّتي.»
ضحك حين أجابته عن سؤاله قبل أن ينطق به: «كدتُ أخبركِ أن العنوان ذاته لم يتغيّر.»
كتب لها العنوان وقدم الورقةَ لها، ثم نهض عن مقعده قائلًا: «موعد مغادرتي حان، سوف أوصلكِ فالظلام قد حلّ.»
أومأت له بسرور: «لن أمانع.»
خرجت ملاك من المقهى مع حازم، وطوال الطريق لم يصمتا أبدًا، كانا لا يزالان يتحدّثا بالكثير وكأن الكلام لا ينتهي. لتمر ربع ساعةٍ قبل وصولهما إلى ذاك الحيّ الذي بدأ منه كل شيء.
أوصلها حيث بوابة البيت الكبيرة الخارجي، ثم ربّت على كتفها برفقٍ: «أستودعكِ الله يا ملاك. تواصلي معي متى ما أردتِ، رقمي في حوزتك.»
زمّت شفتيها تحاول كبح بكائِها، ثم اندفعت صوبه تعانقه: «لقد استمتعت معكَ كثيرًا، ومتشوّقةٌ لنستعيد أيّام الماضي.»
ابتسم ورفع كفّيه يربّت على رأسها بلطف وفغر شفتيه ليتحدّث إلا أن خروج أحدهم من البيت بتر ذلك. كانت آمال قد خرجت بفزعٍ لتبحث عن ابنتها المتأخرة، لتتفاجأ بوجودها خارجًا تعانق أخيها الأصغر.
تسمّرت مكانها حين رأت ذاك المشهد الذي لم تتوقّع حضوره، شكَت في نفسها أن ملاك باتت على علمٍ بالحقيقة، لكنّها فضّلت المكابرة حتى آخر نفس.
تقدّمت منها بخطًى غاضبة تشدّها من ذراعها لتلتفت صوبها: «أينَ كنتِ حتّى هذه الساعة؟ كان من المفترض أن تصلي منذ مدة طويلة!»
كانت تحدّث ملاك ولكن عيناها الوجلةَ تعاينان حازم بخزيٍ طفيف، وكأنّما تريد مراقبة ردّة فعله حيال ما يحدث. لكنّه لم يقدر على التحدّث أو التدخل فهو حتّى لم ينظر لها واكتفى بالتربيت على كتف الصغرى.
نبس بصوتٍ رزين: «طاب يومكِ يا ملاك. أراكِ لاحقًا.»
ثم التفت للمغادرةِ تاركًا خلفه أمًا متخبّطة بين ثورانها من تجاهله وخوف على ابنتها التي غابت مدّة.
نظرت آمال إزاء ملاك وهمست بسخرية: «أراكِ لاحقًا؟ ما يعنيهِ ذلك حتّى؟ منذ متى والخروج مع رجلٍ هو أمرٌ مقبول؟»
رفعت ملاك طرف شفتها بتهكّم: «الخروج مع رجل؟ حقًا! إلى متى ستنكرين يا أمي؟»
ثم التفتت عنها داخلةً إلى البيت دون أن تلقي لأمّها بالًا. لحقتها آمال صارخةً بها: «حين أحدّثكِ أنظري إليّ واحترمي مقامي...»
نظرت لها نافيةً بغضب: «لا يا أمي، لا! أنا لا أقف مع الظلم أبدًا، هذا ليس ما ترعرعت عليه.»
رفعت آمال سبابتها بوجه الأخرى: «لا تغيّري الموضوع وأخبريني لِمَ كنتِ تعانقينه خارجًا؟»
ابتسمت ملاك تستفزّها، عدّلت حقيبتها نابسةً بصوتٍ متفاجئ: «ومنذ متى عناق الفتاة لخالها محرّم أو يخالف عُرف المُجتمع؟»
تجمّدت آمال وازدردت ريقها لتهمس: «لكن... لكن كيف...»
بترت ملاك قولها: «كيف عرفت؟» صمتت لوهلة ثم أضافت: «لم يكن صعبًا، استقرت السمع على حديثك أنتِ وأبي، لأن ذاك الرجل ونظراته وملاحقته لي لم تكن لنية سيئة، كشفت حدوث شيء غير طبيعي فبحثت... كما أنّي عثرت على صوره في ألبومات العائلة التي أخفيتها في العليّة.»
عبست حاجبيها بحزن مستطردةً: «كيف فعلتِ ذلك به؟ إنّه أخوكِ فأنّى لكِ زجّه خلف القضبان بلا رحمة؟ كيف طاوعكِ قلبك الميت على اتهامه في موت أخي؟»
صاحت أمال بها، لكن صياح ضعف: «إيّاكِ ومحاولة تعليمي! أنتِ لا تفهمين شيئًا، لا زلتِ صغيرة...»
«أخبريني إذن!» قاطعتها ملاك: «أخبريني ماذا فعل ليستحق أن يُمحى من حياتنا بتهمة زائفة؟ ماذا فعلت أنا لتحرميني من الرجل الذي كان كل شيءٍ بالنسبة لي؟»
توقفت أمال، توهّجت وجنتيها توترًا، انقطعت أنفاسها وتبعثرت، وبقيت على وجومها. توجّهت لتجلس فوق كرسيٍ تغطي وجهها بكفّها ودموعها بدأت تتساقط.
قلب ملاك لم يحنّ، وقالت لها: «لن تقولي شيئًا مقنعًا لأنّكِ تعلمين براءته من دم أخي. كل ذنبه أنّه ابن الجد عبد الصمد، وبالطبع لم تحتملي ذلك، وبقيتِ تختزنين أحقادكِ حتّى أطلقتِ عنانه آنذاك.»
لم تعد تحتمل آمال ما يسقط على مسمعيها، لقد تمكّنت منها ابنتها وصارحتها بحقيقتها دون الالتفات إلى ندمها. نهضت بضعفٍ عن الكرسي تصرخ بها بقهر: «وما بيدي أن أفعل الآن؟ ها؟ لقد حدث ما حدث وفلتت زمام الأمور من يدي، أعرف أنّي أخطأت، أعرف، لكن بعد فوات الأوان. إنّي أموت كل يومٍ منذ تلك الليلة.»
«مَلاك، دعي أمّكِ وشأنها، فليس ينقصها المزيد من الهم.»
نظرتا لصاحب الصوت والذي كان حكيم. سمع صوتهما من فوق ليأتي تفقّد الحكاية.
قالت ملاك باندفاع: «لكن أبي! إن أمّي...»
رفع سبّابته في وجهها: «الندم لا يعيد شيء، لكنّها نادمة فلا تلوميها أكثر، ولا تُغرقيها في همّها.»
وفرت ملاك بغيظٍ ونظرت لهما بغير رضى ثم صعدت إلى غرفتها. نظرت آمال لزوجها ببكاء: «أشكرك.»
ابتسم لها باقتضاب: «أنتِ زوجتي، ولن يهون عليّ حزنك. لكن، لا بد لنا إيجاد تعويضٍ لحازم، رغم ألا شيء يسدّ مكان حريّته.»
أومأت له بلهفة: «نعم، نعم، ساعدني أرجوك.»
«أنا سأحاول فعل ما أقدر عليه، لكنّي أطلب منكِ ألا تتراجعي أو تكابري، بل أقرّي بالحقيقة.»
نظرت له متنهدةً بضيق: «رغم خوفي سأنصاع لطلبك.»
أومأ لها، ربّت على كتفها: «سأذهب لتفقّد ملاك وأعود...»
كان حكيم بالكاد يسيطر على غضبه رغم طبيعة هدوئِه، صعد إلى الطابق الأعلى لكنّه قبل التوجّه لغرفتها ذهب نحو غرفته وآمال، إلى تلك الخزانة البيضاء التي تقبع في منتصف الحائط المقابل للباب، فتحها وبدأ البحث في أحد الرفوف العلوية التي يضع فيها حقيبة كبيرة تحتوي على جل الأوراق المهمة، والتي يعود بعضها لسنواتٍ طويلة وبعضها حديث. هو وآمال لا يرميان أيةَ أوراق مهما كانت وإنّما يكتنزانها لعلّهما يحتاجان لها فيما بعد.
لقد كانت كومةً كبيرة حار من أيّها يبدأ، لذا قرّر تفقّدها بدءًا بالأسفل لعلّه يعثر على ضالته بشكلٍ أسرع. عض على شفته السفلى بتيهٍ وهو يراقب التواريخ الكثيرة أمامه والتي لا يوافق أحدها ما يبحث عنه.
أخذ يقلّب بينها متمتمًا: «ضريبة، ماء، كهرباء، عيادة الشفاء للطب الباطني، مكتب المحامي عبد القادر... لا ليست هذه، ولا هذه...»
ضيّق عينيه يقرأ الورقة التي التقطها صدفةً، فغر شفتيه بدهشة هامسًا: «هذه هي!»
نهض عن السرير بعد أن وجدها ثم التقط باقي الأوراق وأعادها لتلك الحقيبة، أعادها حيث كانت، ثم أغلق الخزانة، وخرج من الغرفة بخطًى مهرولة لغرفة ملاك. فتح الباب بعنفٍ طفيف، فوجدها تجلس على سريرها ودموعها تسيل على وجنتيها بلا طلب، لم تخجل من إظهار شهقاتها عند دخوله، وإنّما التفتت للجهةِ المعاكسة بغير رضًى، فهي ترى أنّه يتستّر على الظلم.
نكّس رأسه بضيقٍ متنهدًا عالمًا ما يجول في ذهنها: «أعلم أنّكِ تبغضين الظلم، وأنّك لن تقفي لصف أحد لمجرّد أنّه يقربك.»
مسحت دمعتها ناظرةً له: «أنتَ وأمّي كل شيءٍ بالنسبة لي، لكنّي لن أقف لجانبكما حين تظلمان خالي، لقد سجنته ظلمًا وهو في مثل عمري تقريبًا، ولم يرتدّ إليكما طرفكما...»
طبطبت بكفّها على صدرها برفق: «كيف هانت العشرة عليكما؟ ألم يكن أخوها؟ ألم يكن خالي حازم من يرعاني في صغري؟»
أومأ لها مؤيدًا لكنّه لم ينطق بكلمة، علم أن في جعبتها المزيد، لذا ترك لها مجالًا لتلتقط أنفاسها وتلقي بالتتمّة.
«أبي! الذي يؤلمني أنّني بدأت أتذكّر بعض الأطياف عنه، وتذكّرت مواقف يسيرة تجمعني به ببيت الجبل، أنا لا أتذكّر مواقف في طفولتي معكما أنتَ وأمّي، لا أتذكّر مواقف منكما سوى في الأعوام السبعة الأخيرة. لستُ أدري كيف غفلت عنه، كيف نسيت خالي حازم الذي شيد طفولتي.»
زمّ شفتيه، كتّف ذراعيه ورمقها بهدوء: «هل فرغتِ؟»
«لا! لم أفرغ.» نبست بصوتٍ منفعل
عقدت حاجبيه بغضب حين أشار لها بالأوراق قائلًا: «أكملي...»
اختلجت شفتيها صارفةً بصرها عنه، ثم نبست بصوت متهدّج: «إن أخفت أمّي الحقيقة عنّا لخوفها من نظرتنا لها، أخطأت أنتَ لمسيارتها، أخطأت مداراتك لإثما.» احتدّت نبرتها: «لم أكن أتوقع أن تكون مسيّرًا لأقوالها يا أبي، لم أظنّك ذيل لها، لم أظن...»
تلك الكلمات كانت كبيرة بالنسبة لوالدها الذي اشتعل فتيل غضبه وتقدّم منها ممسكًا ذقنها برفق لتنظر له: «لا... لا... لا!» نطق بها رويدًا رويدًا ثم استكمل: «لم نتفق أن نغوص في أعماق الحديث، وازني كلامكِ أيّتها الآنسة الصغيرة وإلّا فسترين منّي وجهًا آخر لم أظهره، هدوئي لكِ حتّى هذه اللحظة لا يعني أنّ تتحدّثي بكل ما هبّ ودبّ، أنا لستُ صديقكِ أو رجلًا غريبًا. أنا والدك ولي احترامي، كنتُ أنتظركِ حتّى تفرّغين كبتك لا أن تتمادي.»
جلس على السرير يحملق في وجهها الباكي، ثم قال: «بما أنّكِ فرغتِ حان دوري لأتحدث...»
أومأت له على مضضٍ ليستطرد: «من أخبركِ أنّي لم ألُم والدتكِ؟ ليلة أتى حازم إلى هنا وعلمت منها تعجّبت من ردّة فعلي الباردة، واستهجنت دعمي له بخصوص الظلم وليس القتل، سألتها لِمَ تعجّبت من فعلته.»
عدّلت جلستها متسائِلةً: «لكنّكَ منعتني من التحدّث معها أو معاتبتها أو لومها، أنتَ طلبتَ منّي العودة إلى الغرفة ولم تسمح لي بإتمام حديثي، أبي إن خالي يحترق، خرجت معه اليوم وتحدّثنا طويلًا، لم ترَ نظرة الانكسار في عينيه، وكأن كل شيءٍ خذله، وسرق فرحته، لقد كان بالكاد يبتسم، حتّى ضحكاته معي كانت زائفة، لم تنبع من قلبه.»
شعر حكيم بقلبه يعتصر وعاد للماضي وهو في مكانه، تمنّى لو أنّه تمكّن من إيقاف تلك المهزلة التي سلبت أخ زوجته حريّته وأمور أخرى لا يدري هو عنها. معرفته بظروف السجون في بلادهم بالأخص صيتها الذائع في التعذيب والتحقيقات الضارية التي لا تخالف عليها قوانين دولتهم، علم أنّه قد عانى نفسيًا وجسديًا، هذا مفهومٌ ضمنًا.
تذكّر حكيم ظلم زوجته القديم، أقرّ خطأه حين فشل بتبرئة حازم، يدرك منذ وقتٍ أنّه لم يكن سجنًا بل دمارًا لعائلةٍ بأكملها.
شعر بضعفٍ واراهُ، ثم فتح تلك الأوراق قائلًا: «يا ابنتي، لكل قصّة جانبٌ لم تريه أنتِ أو أي أحد. وما حدث بين أمّك وخالكِ لم يعلمه أحدٌ سواي أنا وجدّكِ هاني من بعد الله، حتّى والديّ لم يعلما به حتّى الآن.»
عقدت حاجبيها باستغرابٍ لتصبّ اهتمامها صوبه: «ماذا تقصد؟»
قدّم لها الأوراق مشيرًا لها للتاريخ ولإحدى الجمل، ثم قال: «أمّكِ لم تكن بخير، حاولت أنا وجدّك إقناعها العدول عن قرارها، فلم تقبل. أمّكِ تعالجت علاجاتٍ لم يعلم بصعوبتها سوى الله.»
صمت لوهلةٍ لتغرورق عيناه بالدموع، كبحها ثم أضاف: «حين كانت تغيب عن وعيها أثناء تلقيه كنت أنهار وأسقط على الأرض باكيًا، وجدّكِ هاني من كان يمسكني ليسندني. أتظنّين أنّها كانت أيامًا سهلة؟»
كانت ملاك تبكي بعنفٍ وهي تمسك بالأوراق بأناملها المترجفة: «لِماذا لم... لماذا لم تخبراني...»
«احترامًا لأمّك التي لا تريد لأحدٍ أن يعلم به. أنا لم أكن مسيّرًا خلف الظلم، لكنّها فقدت كل مقوّمات الحياة.»
«هل، هل حقًا عولجت أمّي بالـ...»
بتر سؤالها وكأنّه لا يريد سماع تلك الكلمة: «نعم... عولجت به، هل علمتِ لمَ أوقفتكِ عن زيادة ألمها؟»
أومأت له وهمست: «أخبرني بكل شيء.»
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.