|الأخير| رُبّما.
يتواجد حازم في الشركة وقد أوشكت الوردية المسائية على الانقضاء. كان يدوّن بيانات عميله الأخير الذي جاء للبحث عن شققٍ سكنيّة.
كما سرت العادة هنا دومًا، يتحدّث بمهنيةٍ ترتفع يومًا بعد يوم، بأسلوبٍ هادئ جذّاب يدفع بعض العملاء للعودة، وهذا ما جعل من عمران منبهرًا، لقد أثبت أهليته واستحقاقه في ثلاثة شهورٍ فقط، عملاءه يمتدحونه ويثنوا عليه. لم يلحظ ميزانية شركته تنخفض أو تتراجع، الأرقام لديه في تقدّم مقبول.
ابتسم حازم، أومأ برأسه ناهضًا عن مضجعه: «مبارك لكَ سيد أحمد الطائب، موعدكَ مع السيد عمران الخميس القادم في الساعة الثالثة عصرًا.»
ابتسم له أحمد، بادله المصافحة مجيبًا إيّاه: «بارك الله بك، أشكركَ على حسن المعاملة.»
ثم التفت مغادرًا الشركة بعدما قضى وطره، ليعاود حازم الجلوس مكانه رغم أن الساعة دقّت موعد العودة، كان منغمسًا في تدوين ملاحظات بالغة الأهميّة، ولم يلحظ ذاك الذي يقف خلفه، يضع بكوعه على الكرسي، يراقبه حتّى يفرغ.
طال انشغاله وطال الوقت ليخرج عمران من مكتبه حاملًا حقيبته المستطيلة بين أنامله، والذي ما إن رآهما حتّى قطب جبينه باستغرابٍ، ثم سأل: «ألا تزالان هنا؟ حازم! كان من المفترض أن تغادر منذ عشر دقائق.»
استفاق من شروده ناظرًا لمديره، ما لبث أن وسّع عينيه حين وجد رأس فِراس فوقه يحدّق به، تشدّق باشمئزازٍ نابسًا: «هل أنت زوجتي؟ عد خطوةً للخلف، عدّني فيروسًا قاتلًا.»
أشار فراس لنفسه مهسهسًا: «أنا زوجتك يا ذي الأظافر المقلّمة؟ أنظر لنفسك بهذا القميص الضيّق؟»
عضّ حازم على شفته السفلى بغيظٍ محكمًا الإمساك بتلابيب الآخر: «أنا قميصي ضيّق؟ أم أنّك تتعمّد استفزازي؟»
زمّ عمران شفتيه مقهقهًا بخفوت: «ألن تكفّا عن المناكفة دومًا؟»
تركه حازم معدّلًا قميصه: «عذرًا منكَ يا سيّدي، لكنّ ولدكَ هذا مجنون، ولا يوازن كلماته.»
همس له فِراس: «رأينا من كان يوازن أقواله وأفعاله.» اختتمها بضحكة مستفزة
اقترب منه حازم وهمس له دون تحريك شفتيه: «أتريد أن أقتلك أنتَ إذًا؟»
لم تتسنّ الفرصة لأحدهما التحدّث حين تقدّم عمران منهما وسحب كل منهما من ذراعٍ ليخرجهما من الشركة متذمّرًا: «أريد إغلاقها، أريد العوة للنوم، لا تفسدا أمسية العطلة. هل أنتما في الثلاثينات حقًا؟»
اختتم قوله بذاك السؤال الاستنكاري لينفجرا ضحكًا عليه، هما في كل يوم خميس يختتمان اليوم بشجارٍ خفيفٍ يثير أعصاب عمران الذي يكون متعطشًا للعودة للبيت، فيتناول وجبةً مغذّية ويخلد في نومٍ عميق يعوّض فيه عمل أسبوعٍ كامل.
تركهما وغادر بسيّارته لينظر فِراس صوب حازم قائلًا دون مقدّمات: «سوف نتسكّع بسيّارتي، وحين نرجع آتي بكَ هنا لتأخذ خردتكَ التي تسميها سيّارة.»
أغلق حازم جفنيه متنهدًّا بغضب، أمسكه من ذراعه ودفعه بخفّة: «باتت ملافظكَ مثيرة للأعصاب، أم أنّي من بات حسّاسًا؟»
رفع فِراس حاجبيه ضاحكًا: «كنتُ مستفزًا بطبيعتي، لكنّي أظهرت هذا لكَ حديثًا بعد أن امتَثَلتَ للتشافي، قلتُ لنفسي، عليكَ بهذا الولد.»
تظاهر أنّه لم يسمعه ابتسم باتساع مصطنع: «أرغب بالذهاب إلى المركز التجاري لشراء بعض القمصان الجديدة.»
وضع فرأس كفّه فوق رأسه: «أنتَ تأمر يا سيدي.»
قلب حازم مقلتيها وقد فاض به الكيل وسلّم أمره من مزاج صديقه الرائق، واتجه نحو السيارة مستقلًا مقعد الراكب. جلس فراس جواره وبدأ يقود بهدوء.
«حازم، هل فعلًا لم تلتقِ مع ملاك منذ مدّة؟» سأل بهدوء
نظر له الآخر مهمهمًا: «منذ شهر، من تلك الليلةِ التي أخبرني فيها حكيم أن أبتعد، أنا فقط نفذت رغبته رغم أنّها آلمتني...»
ابتسم فراس بمراوغة: «لأنّكَ تدرك في قرارة نفسكَ أنّه على حق، هو لا يريد لعلاقتك مع ابنته أن تكون جيدة وبالمقابل من زوجته تحت الأرض، هذا لن يكون منطقيًا وقد يكسر جانبًا ويجبر آخر.»
ارتسم الاستياء على وجه حازم: «ماذا قلت؟»
ألقى عليه نظرةً خاطفة: «ألم تقل إن آمال كانت تتعالج بالصدمات الكهربائية وأن حالتها كانت حرجة؟»
ازدرد حازم ريقه ملتقطًا نفسًا عميقًا: «قرأت التقارير. لم تكن حالتها مستقرةً فترة المحاكمة، الأدوية لم تنجح ولو بنسبة صغيرة. وفقًا للتواريخ الموجودة، بدأت جلسات العلاج بالصدمات بعد شهرٍ من سجني.»
ندّت شفاه فراس عن ابتسامة شفقة: «أتعلم كم هو صعب أن يُعالج المرء بذلك، إنّها ليست صدمات وحسب. إنّها تجربة جديدة موجعة لا يخرج منها المريض كما كان أبدًا حتّى وإن شُفي، سيبقى متذكّرًا لتلك الآلام التي كان يستيقظ بها بعد الجلسة، يتذكّر ما تسبّب له بذلك.»
همس حازم بغير شعور: «موت جاد...»
استكمل فراس متظاهرًا أنّه لم يسمع رغم ضحكه الداخلي: «يتذكّر نظرات الجميع ولومهم رغم أنّه لم يكن على هذه الحياة بالقدر الكافي، مسلوب الإرادة واليقين، مسروق الشغف والهوى، مطعون الروح والفؤاد.»
كلمات فراس الشاعرية لأوّل مرّة لا تدفع حازم أن يتهكّم، بل جعلته شاردًا في العدم متظاهرًا أن كل شيءٍ يمر بوتيرة هادئة، بينما حربٌ طاحنة تشنّ في صدره، تاركةً قوّاتها تسيطر على أحاسيسه أخيرًا لفترةٍ أطول من المعتاد.
قال فراس فجأة، دون مقدمات: «تعرف ما الذي يزعجني؟»
لم يلتفت حازم، ردّ ببرودٍ جاف لأنه علم أن محاولات صديقه لن تتوقف، كأنّه يخطّ مخطوطة حياته: «لا... ولا يهمّني.»
ابتسم فراس بخفّة، وكأنّه توقّع ذلك، لم يكترث وأجاب: «أنّك تحاول إقناع نفسك بشيء... لا أنت مصدّقًا له.»
شدّ حازم على فكه، وقال بنبرةٍ منخفضة: «وفّر تحليلاتك، فهي خاطئة.»
حرّك فراس المقود قليلًا، متجاوزًا سيارة أمامه ببطء، ثم قال: «لو لم يهمّك، لماذا حفظت التواريخ وأعدت قراءة التقارير بضع مرات؟»
هذه المرّة صمت دون أن يكون اختيارًا، لجم فاهه. تابع فراس، صوته هادئ لكنّه يمس المواضع المطلوبة: «شهر، كنت فيه تحفظ التواريخ والساعات، كأنّك كنت هناك، تعدّ الأيام معها التي تفصلها عن التعافي التام.»
التفت حازم نحوه فجأة، بنظرة حادّة: «كنت أتأكد من صحة أقوال حكيم، ماذا لو كذب علي؟»
هزّ فراس رأسه بخفّة: «كذب عليك أو لا لم يفعل، ما الفرق الذي سيشكّله ذلك؟ ألست بكل الأحوال مصممٌ على أحقادك؟»
ضغط حازم شفتيه، ثم أشاح بوجهه مجددًا، كأنّه يحاول الهروب لكن فراس لم يترك له المسافة. قال بنبرةٍ أبطأ: «أتعلم ما المشكلة؟ ليس أنّها عانت...»
توقّف لحظة، ثم أكمل: «المشكلة أنّك بدأت تفهم وأنّ في داخلك ما بدأ يختلق الأعذار لها، حتى وإن لم تسامح.»
انقبض صدر حازم دون أن يظهر ذلك على ملامحه، وردّ بسرعةٍ أقرب للدفاع منها للتهجّم: «لا تفسّر صمتي كما يناسبك.»
ابتسم فراس، لكن دون سخرية هذه المرّة، وكأنّه وجد ما كان يبحث عنه: «أنا لا أفسّر... أنا أرى.»
ثم أضاف، وعيناه لا تزالان على الطريق: «أرى واحدًا يحاول بكل قوّته أن يبقى غاضبًا، لأنّ الغضب أسهل من الشعور بأي شيء آخر. لأنّه أسهل من أن يقارن بالصفح.»
تسارعت أنفاس حازم قليلًا، فشدّ على قبضته فوق ركبته، يحاول تمالك أعصابه. قال ببطء، يزن كل كلمة حتى لا تخونه: «الغضب منطقي لمثل حالتي.»
ردّ فراس فورًا: «نعم. لكن مع حقيقة ليست مكتملة.»
صمتٌ ثقيلٌ هبط بينهما، هذه المرّة لم يكسره أحد.
فقط صوت الطريق، ودقات قلبٍ بدأت تفقد إيقاعها المنتظم.
بعد لحظة، قال حازم فجأة، بصوتٍ أخفض مما أراد: «ما الذي تريد الوصول إليه؟»
انحنى فراس قليلًا نحو المقود، ثم ابتسم من سؤال لأنّه به اقترب من النهاية التي رسمها: «لا شيء.»
ثم أضاف بهدوءٍ قاتل: «فقط توقّف عن الكذب على نفسك.»
تجمّد حازم، ولم يردّ. أصابعه ارتخت قليلًا، وشيء ما في داخله رغم كل المقاومة، بدأ يتعب. وإصراره على رأيه بدأ يتأرجح.
ركن فراس السيّارة في موقفٍ خاص تحت المركز التجاري، ترجّل هو وحازم بهدوءٍ تام، وأخذا يسيران نحو ذاك المصعد ليصلا للطابق الأخير حيث تتواجد معظم المحلّات المثيرة للاهتمام.
حازم على وجومه، يكتّف ذراعيه، يتكئ بظهره على مرآة المصعد، والآخر يراقبه وهو موقنٌ لتأثير كلماته عليه، لم يعقّب أو يناديه، واكتفى بسحبه من ذراعه حين فتحت الأبواب.
«حازم، أي محلٍ تودّ الذهاب إليه؟»
نظر له حازم بابتسامة هادئة: «نحن أمامه بالفعل، القمصان هنا أكثر من مذهلة، لا تهرأ عند الغسيل.»
رفع فراس حاجبيه بخبث: «لا تهرأ عند الغسيل! أرأيت أنّك الزوجة وليس أنا؟»
حازم يعرف كيف يقلب الطاولة لصالحه، بقي على هدوئِه وابتسم: «زوجة! أليس في كلامك استنقاصٌ غير مباشر للنساء؟»
ابتسم فراس ببهوت فهو لم يقصد مقصدًا سيئًا من ذلك، ولم يعني النساء مطلقًا، والآخر فقط استغل الأمر لصالحه. دنا منه وهمس: «نحن لسنا في الشركة أو منزل أحدنا، دعنا لا نفضّ هذه الصداقة أمام الحشود.»
رفع حازم كفيه ضاحكًا: «لن أفعل، لا أفرّط بك للأسف.»
صفعه فِراس بخفة على كتفه، يدفعه بها برفق صوب المحل: «أدخل أيّها المتحاذق.»
حدث ذلك المشهد تحت ناظري تلك الشابة التي انقبض قلبها حين رأته يضحك بصدقٍ لأوّل مرة. ملاك هنا مع صديقتها نغم وأمّها، تجلس على أحد المقاعد الخارجية تنتظر صديقتها الخروج من محل الإكسسوارات المجاور للمحل الذي ولجه خالها وصديقه، وتنتظر أمّها التي ادّعت أنّها ستحضر لهما شيئًا لذيذًا.
التقطت نفسًا عميقًا وهي تتذكّر كيف امتنع عن لقائِها لطلب أبيها، رغم أنّ الحجّة لم تقنعها، إنّما آمنت أن خروجها معه قد يفكّك عقدة أمّها معه، لكن الخطّة برمّتها باءت بالفشل.
طال انتظارها فبدأت دون شعور تقلّب بهاتفها الصور التي التقطها معه في عددٍ من المرّات حين تسكّعت معه، نكّست رأسها تحاول كبح دموعها كونها محاطة بالبشر، لكن رغبتها أبت التحقّق، إذ انسابت دمعة لتسقط فوق شاشة الهاتف.
مسحتها سريعًا ثم التفتت للخلف لتجد خالها يخرج من المحل بابتسامة منشرحة، يحمل بين أنامل كفّه الأيسر كيسًا ورقيًا أبيض كتب عليه اسم العلامة التجارية.
نظر حازم لفِراس بمراوغة: «الزوج دائمًا يشتري لزوجته ملابسًا كونه واجب عليه، أرأيتِ ما ألطفني معكِ عزيزتي؟ أحضرت لكِ قميصًا أسود مبهر!»
ثم تابع مسيره تاركًا إيّاه يشتعل من الغضب، فِراس قرّر ألّا يرد بالقول، رفع كفّه وبصق بوهمية هامسًا: «بسم الله أرقيك.»
ثم أغلق أطبق أصابعه في قبضته ولكمة بقوّة متوسّطة دفعته حيث باب الإكسسوارات، ليرتطم على الفور بشابةٍ عن طريق الخطأ ليسقطا أرضًا.
وسّع فراس عينيه فهو لم يراها تخرج من هناك، وإلا ما كان ليضرب رفيقه، هرع منهما متأسفًا: «يا إلهي أعتذر منكِ يا آنسة، كان خطئي.»
ساعد حازم على الوقوف متحاشيًا النظر لنظراته الثائرة، متجاهلًا همسه الحاد: «سوف أحطّم قبضتك في السيّارة.»
ثم حنى جذعه ملتقطًا كيسها، ناوله إيّاها دون النظر إليها، نابسًا بتهذيب: «صديقي عثّر خطواتي بالخطأ. أعذريني.»
ابتسمت بحرج دون النظر له، ثم أومأت له بتهذيب ملتقطةً كيسها: «لا عليك، أنا بخير.»
ثم التفتت متوجّهةً إلى أحد المقاعد لتجلس جوار ملاك التي كانت تشاهد كل ما حدث وهي تتمنّى لو تذهب لتلقي التحيّة.
نكزتها نغم قائلةً بحرج: «أمرٌ مُخزٍ بحق، ارتطمت بشاب وسقطت أمام الجميع. أرأيتِ ما حدث؟» ثم غطّت وجهها بكفّيها
أومأت لها ملاك، ثم نبست بصوت خفيض: «الرجل الذي ارتطمتِ به كان خالي حازم يا نغم.»
وسّعت عينيها، نهضت عن مكانها ناظرةً صوبه بغير قصد، لتشيحه من جديد وتسأل بانفعال: «هذا الرجل يكون خالك!!» نكزتها «اذهبي إليه، هيّا انهضي، اقتنصي الفرصة.»
ابتلعت ملاك غصّتها بالكاد لتتوسّط حلقها، نفت برأسها: «خالي ضاق ذرعًا، وأخبرني أن والدي على حق، وأن الفراق هو الحل لئلّا تتفاقم الأمور بينه وبين أمّي.»
كأنّ نغم أدركت ما قالته الأخرى لتنهض بعجلةٍ تلملم أغراضها: «لا يجب على أمّك أن تراه، سوف تنهار وتبكي أمام الكل، ألا تتذكّرين ما قاله أبيكِ حين أوشكنا على الخروج؟ إنّه فرحٌ لأنّه تمكّن من إقناعها التسكّع معنا لتتناسى.»
ثم أوشكت على سحبها من ذراعها لكنّها لم تقدر، نظرت لها لتجد نظرة باردة على وجهها والرفض يصرخ على وجهها: «لن نغادر يا نغم، على أمّي أن تراه، وعلى خالي أن يراها.»
أشارت نغم لرأسها: «هل جننتِ يا فتاة؟! ستنهار إن رأته...»
نفت ملاك برأسها نابسةً بحزم: «لن تنهار، لا بد لها التحلّي ببعض القوّة.»
ثم ألقت نظرةً صوب خالها لتجده يحدّق بها مطوّلًا وهو بالكاد يرمش، عيناه تلمعان والشوق ينضح منهما. ازدردت ريقها ولم تعد تقدر على احتمال هذا كله، لترفع قدمها وتطأ خطوة ثم أخرى، لكنّها لم تكد تتابع حين توقّفت مجددًا حين رأت تردّده.
رغم توقّفها ندّت شفاهها عن ابتسامة حنونة جعلت معالمه تنشرح وترتخي، فهو لم يرغب بالابتعاد غير أنّه شعر بإرغامه لنفسه فعل ذلك.
بادلها الابتسام بدوره والتي كانت تتحدّث بما فاضت به الأيّام الأخيرة المنصرمة.
«هيّا يا فتاتين، أحضرت لكما بعض البوظة، سوف تعجبكما.»
خرج صوت آمال من العدم ليبدو مرتفعًا في ذاك الرواق، تحمل في كفّيها كوزين من بوظة الفراولة، نظرت لهما لتجد نغم تحدّق بملاك بعبوس، وملاك تحدّق بأحدٍ على الجهةِ المُقابلة، تقدّمت منهما وناولتهما، لتلتقطاه بشرود، ليلفت ذلك نظرها وتعقد حاجبيها متعجّبةً، ثم تنظر هناك.
تسمّرت مكانها حين رأت أخوها يقف مع رجلٍ في مثل عمره، توقّف عندها الزمن واغرورقت عيناها المنتفخة من البكاء، ارتجفت أوصالها، اختلجت شفتيها وهمست: «أخي حازم!»
رغبت لو تذهب إليه تحتضنه على الملأ، وتخبر العالم كم تحبّه، وتقرّ بخطأها، وتعترف أن صحّتها خانتها في أشد اللحظات حرجًا ودمّرت كل شيء. ودّت لو تقول له إنّها تفتخر به أخًا وتطلب منه المغفرة مرةً أخرى، لا ليرتاح ضميرها فقط، وإنّما لتستردّ فردًا ثمينًا من عائلتها خسرته قهرًا.
ما من حيلة في يدها، لذا أودعت رغبتها في سريرتها، وآزرت نفسها على التماسك، فهو لن يقبلها، ولن يرحّب بأسفها، وربّما أسوأ، قد يتجاهلها أمام الجميع ويتركها تتحدّث مع نفسها.
ربّما جمعتهما ذكريات بحبٍ زائف، لكنّها جمعتهما وحدثت. ربّما كان في قلبها بعض الحقد من الطفولة لكنّه تفاقم مع موت ابنها. كل ذلك كان وبيلًا عليها كما كان عليه، هو ما جعل قلبها يصحو في فترةٍ ما، وها هي تسترجع كل جميلٍ معه على أمل أن تخفّف عن قلبها ما ران عليه من ألم.
صرفت بصرها عنه لوهلةٍ تراقب ارتجاف أناملها، ولكيلا يكشفها أحد، بدأت تعبث بالحقيبة متظاهرةً البحث عن شيء، لكن لم يخفى ذلك على أحدٍ منهم، إذ كان بيّنًا دون تدقيق، أدركوا أن الحزن جثم على قلبها.
هذه المرّة كانت أصدق مرّة، أبدت حقيقة شعورها دون تدليس، سلّطت الضوء على حبّها لأول مرّة.
كان حازم يقف أمامهم، شارد الذهن، يراقبهن بقلبٍ مكسور. طأطأ رأسه ملتقطًا أنفاسه، وما لبث أن رفعه مجددًا، غير أنّ ناظريه مالا بشكل طفيف نحو آمال وحدها التي جفلت حين رصدته متلبّسًا دون تردّد.
ترقرقت عيناه بالدمع، وارتفع كفّه قليلًا ليحاذي خصره، ثم بالكاد لوّح ببنان أصابعه تجاهها هي دون عمّن سواها، وابتسامة مقتضبة مرّت على محيّاه كالشبح.
سقط التعجّب على أبصار الجميع، ولم يعلم أحدهم أكانت الابتسامة لملاك، أم لأخته...
|الخاتمة|
كوارث كثيرة يمكن أن تقع حين يغيب المنطق، ويحلّ الخوف محلّه، وقد تقع مصائب حين تكون الحقيقة ناقصة عند الجميع، وتُدَلَّسُ الوقائع خلف حفنةٍ من أحقاد يُلام بِها من لا ذنب له.
يولّد ذلك غضبًا مبنيًا على معرفة جزئية بين أفرادٍ في عائلةٍ واحدة، ليحاولوا التمسّك بحبل النجاة عن طريق الثأر، الانتقام، أو الافتراق وكأن في أحد ما سبق سلوتهم لعيش حياة هانئة. لا يعلمون أن لكل طريقة عاقبة غير مستساغة، لن تسبّب سوى الندم، الوجع والتهرّب المؤقت.
الحقيقة لن تتغيّر مع الإنكار، ولا بد أن يساور المرء تأنيبًا على أفعاله وإن أبى التقدّم.
على عاتق كل امرئٍ ذنب وإن كان صغيرًا، فهو سيضنيه بغض الطرف عن حجمه.
لكي يعلم الإنسان إن كان على حقٍ، فليضع أعماله على ميزان الدين، إن رجحتِ الكفّة لصالحه فهو على الطريق الصحيح.
- تمّت بحمد الله وفضله -
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!