|6| ما قَبلَ النَّدَم.
الساعة 12:09 ظهرًا، الشمس انتصفت في السماء بشعاعها الحار، وألسنة الهواء العليل تتسلل من بين المباني تداعب وجه حازم الذي يقف على بعد أمتارٍ يسيرة أمام بوابة منزلها، يجلس فوق جدارٍ منخفض، يراقب الطريق الخالي من الحسّ البشري. لا خوف على معالمه من أن يمسكهُ أحدٌ متلبّسًا هنا وكأنّه موقنٌ ألا أحد في الجوار قد يراه.
في يده اليسرى كيسٌ أسود بنقاط بيضاء متفرّقة، يخرج من أعلاها شريط وردي معقود على شكل زهرة رابطًا الكيس البلاستيكي الذي يضمّ هدية. عرف أن عيد ميلادها يوافق اليوم، إلّا أن الهدية أحضرها من قبل ولم يأتِ بها بشكلٍ مخصوص من أجل الاحتفال، فهو يكره هذه المناسبات ولا يؤمن بها، لكنّه ليس ضدّ إحضار الهدايا لمن يحب في أي وقتٍ كان.
هو هنا منذ ساعة ونصف، لا ينتظر بشوق فقط، بل بحذرٍ أيضًا، ينتظر وهو يعلم في سريرته أن لقاءه بها الآن لن يكون عابرًا، وإنّما مواجهة حادّة، وغضب عارم من قِبَلِها هي، لكنّه غير مكترث، وصمّم على المجيء ليعيطها لها. كان يعلم أنها في عطلة دراسية، وأنّ الآن فترة اختباراتها النهائية لاختتام هذا العام. يعرف أنّها ستعود مرهقة وأنّها لن تتوقّع وجوده.
سمع وقع خطوات حذاءٍ رياضيٍ يُجرّ جرًّا فوق الإسفلت قبل أن يراها. رفع رأسه فظهرت على الرصيف، تحمل حقيبة يدٍ خفيفة، تنظر نحو الأسفل، تستعيد تفاصيل الامتحان، وتحسب أيام العطلة التي بدأت للتو، لبدء عامها الدراسيّ الأخير عقب انقضائِها.
رفعت رأسها بخمولٍ لتراه بالقرب من بوابة منزلها، توقّفت مكانها متسمّرةً وقد انقطعت أنفاسها لوهلة وشيءٌ من الصدمةِ ارتسم على وجهها، ليستحيل إلى خوفٍ طفيفٍ لترغب بالهرب منه. شعرت بارتعاشة خفيفة، وأناملها اليمنى قبضت على حزام الحقيبة بشيءٍ من الغضب.
حازم لم يحرّك ساكنًا، بقي على حاله يراقبها دون النبس بكلمة، فقط رفع يده التي تحمل الهدية بحركة بطيئة، وشفتاه ندّتا عن ابتسامة رقيقة لم ترها بسبب كمّامته التي سرعان ما أنزلها.
«ماذا تفعل هنا يا أنت؟ لم أخبركَ أن تبقى بعيدًا عنّي؟» صوتها خرج أجشًا حادًا مشوب ببعض الخوف
لم يجب وظل صامتًا، بينما ابتسامة مراوغة ظهرت على فاهه، كانت أبلغ من ألف كلمة. اقتربت منه خطوات سريعة غير ثابتة، كأنها تجمع ما تبقى من جرأة فيها: «أنتَ سوف تقتلني، سوف تتسبّب لي بسكتةٍ قلبية. أتوسّل إليكَ أخبرني من تكون، أنا لم أنَم ليلةً منذ ثلاثةِ أيام، لم تغمض عيني حين أتيتَ إلى كليّتي.»
قالت كل كلمةٍ بصوتٍ مقهور ثائر، لكنه لم يتراجع، لم يرتدّ طرفه، وظل واقفًا، والهدية لا تزال ممدودة في الهواء، ينتظرها أن تأخذها.
«لقد تذكّرتكِ وأحضرتُ لكِ هدية، أرجو أن تقبليها منّي.» قالها بصوت منخفض وهادئ نقيض الثوران في حدّة صوتها
توقفت للحظة تصكّ على أسنانها بغضبٍ أعمق وأكثر شراسة: «أتظن أن هذا يبرر وجودك هنا؟ أنني سأشعر بالامتنان؟ إنّي حتّى لا أعرف من تكون! ولِمَ تحومُ حولي. تصرّف هذا يوحي بعدم اتّزانك، وأنّك تفتقر للخُلق والأدب.»
كانت تريد أن تصرخ أكثر، لكنّها معتادةٌ على الهدوء، لذا صمتت وأخذت عيناها تتراوح بين عينيه والهدية التي لم تنخفض عن مستوى وجهها. كان الهدوء الذي يقابلها به يثير رعبها أكثر من صراخه ربّما، ففي صمته هذا ووقوفه بهذا الشموخ، إرادة مستميتة لن يقتلها إصرارها عليه.
«اذهب أرجوك، اذهب من هنا، لا أريد لأحدٍ أن يراني معك، ستشوّه سمعتي.» صوتها تغير وبات أدنى، ليميل للاستغاثة منه للأمر والطلب
تقدّم حازم خطوةً للأمام ليفصل بينها وبين إنش، وقبل أن تتراجع قال: «كفّي عن التهرّب.»
مد يده أكثر، حتى كاد الشريط الأسود يلمس معصمها: «خذيها لأذهب بعد ذلك.»
نظرت إلى الهدية، ثم إليه بعبوس خائف، صدرها يصعد ويهبط بعنف. ما كان بيدها حيلة لتصرفه عنها، لذا أرخت قبضتها عن حزام الحقيبة لتأخذ الهدية.
فجأة، صفعت يده لتسقط الهدية على الأرض دون أن يمسّها خراب ثم صفعت وجنته بكل ما أوتيت من قوّة: «كُفّ عن التلاعب بأعصابي.»
كان وجه حازم قد استدار للجانب الآخر، لكن لم يتغير وجهه، بل اتسعت ابتسامته الباردة لتبقى على ثباتها، مما زاد رعبها ودفعها للتراجع خطوة تتنظر ردّة فعله على صفعتها.
نظر لها بهدوء: «حاشا لله أن أتعمّد اللعب بأعصابك. أنا أعدكِ أن تعلمي كل شيءٍ قريبًا، وأن تعلمي من أكون. أدركُ أنّي أخيفك، لكنّ نواياي ليست سيئة، وستثبت الأيام القادمة ذلك لكِ.»
حنى جذعه ببطء دون أن يرفع نظره عنها، والتقط الهدية، مسح عنها الغبار برفق، وقدّمها لها مجددًا: «أريدك فقط أن تكوني بخير، وأن تقبليها منّي، وأن تصبري.»
وقفت ملاك صامتة، وكل شيء بداخلها كان يصرخ أن تهرب أو تطلب المساعدة، لكن شيئًا آخر كان يحدث، إنّها تقف أمام رجلٍ مجهول يدّعي أنّه يعرفها منذ وقتٍ بعيد، يقدّم لها هدية أمام بيتها، ويخبرها ببساطةٍ أن تصبر وتهدأ لتعلم ما يجري فيما بعد.
لكي تصرفه عنها أذعنت، وأخذت الهدية بأصابعها المرتجفة. همست له: «والآن غادر، أرجوك.»
أومأ برأسه بحركة واحدة، ثم استدار ومشى دون أن يلتفت لها ولو لمرة. دخلت إلى باحة البيت مغلقةً البوابة خلفها بسرعة، تتكئ بظهرها عليها وهي ترتجف، نظرت إلى الهدية بين يديها، ثم إلى الفراغ ودموعها قد تساقطت لثقل الضياع الذي يجثم على صدرها. تريد معرفة من يكون، أو أن تتخلّص منه، ليست تجد حلًا يخلّصها من هذا العذاب، ورغم معرفة والدتها بهذا إلّا أنّها لم تفاتحها بالموضوع منذ ذاك اليوم الذي تحدّثتا عنه فيه.
سمعت صوت خطواتٍ تقترب من باب البيت، لتنهض بفزعٍ مختبئةً في مكانٍ لا يراها فيها من خرج. رأت والدتها تخرج متّجهةً إلى حوض النعناع لتقطع منه بعض الأوراق، استغلّت الفرصة لتولج البيت قبل أن تراها والهدية وتسألها ممّن.
دخلت غرفتها توصد الباب خلفها بأنفاسٍ لاهثة. وضعت الكيس على السرير لتسحب ذاك الكيس البلاستيكي من ربطة الزينة. وجدت فيه صندوقًا متوسّطًا أسود اللون، لتمزّق الكيس من فورها وتفتح الصندوق على عجل بأصابعها المرتجفة.
كان بداخله قلادة فضّية وهلال لامع يتدلّى من الأسفل، وسوار بسيط بكريستالات خفيفة، وخاتم ناعم بهي المنظر. قبل أن تفعل شيئًا آخر رأت ورقةً صغيرة داخل الصندوق كُتِبَ فيها: «إنّكِ القمرُ الذي لا يحتاجُ شمسًا لكي يُنير.»
طأطأت رأسها باكيةً من جديد لكن دون سيطرة هذه المرّة، إذ شعرت في هذه اللحظة أن هذا الرجل سيظلّ في حياتها، يحوم حولها، ويأتي لزيارتها متى ما أراد، وألّا شيء سيصرفه عنها.
«لا أريد العيشَ في هذا العذاب، تخيفني فكرة أن يطاردني رجل.» همست مع نفسها
كان حازم يعلم أنّها هربت من فورها دون التلفّت حولها خوفًا منه، لذا كان قد توقّف مكانه بمجرّد أن سمع صوت باب البيت يرتطم دلالةً على انغلاقه. وضع كفّيه في جيوبه يستعدّ إتمام سيره لكنه لم يكد يخطو ثلاث خطوات حتى شعر بنظرةٍ تخترقه كالسيف، ليلفت نحو يمينه صوب إحدى المنازل التي تبعد عنه عشرة أمتار.
وجد هناك رجلًا أربعينيًا يقف عند بيته الكبير قرب شجرة تينٍ عجوز جوار البوّابة الخارجية تغطّيه بظلّها الرحيب. يكتّف ذراعيه، وعيناه تحدّقان به بإمعانٍ دون أن يرف جفنه. من قميصه الأبيض العملي وهيئته البسيطة أدرك أنّه جار آمال.
لم يتحرّك حازم، واكتفى برد النظرة بهدوء، لتتشكّل ابتسامته الباردة تلك مرّةً أخرى من تلقاء نفسها، وأظهر أنّه ليس سهلًا بوقوفه الشامخ، لكن الجار فعل ما لم يتوقعه حازم. بدأ يمشي نحوه بخطوات بطيئة لكن واثقة دون تردّد، ثم توقف على بعد خطوتين، وطأطأ رأسه قليلًا بفضولٍ لمعرفة تلك الملامح المختبئة خلف القلنسوة والكمّامة.
«هل تقرب لهم؟ ما علاقتكَ بأفراد هذه العائلة؟» سأل الجار بصوت أجش
لم يجب حازم، فقط اتسعت ابتسامته قليلًا، ورفع رأسه يحدّق به بعينيه الحادّة.
«ظننتكَ مجرد عابر سبيل، تمرّ من هنا مرور الكِرام حتى لاحظت تردّدك الدائم جوار بين جاري حكيم.» صغّر عينيه ممتريًا: «هيئتك لا توحي بحُسنِ نواياكَ يا أنت، فقل لي ماذا تريد دون مماطلة، وماذا تريد من تلك الفتاة؟»
صمت حازم المستمر جعل الجار يشعر بقشعريرة خفيفة، لكنه تماسك وتابع: «أنا لا أعرف ما يربطكَ بها، ولكن هذه المنطقة الهادئة لم يسبق وأن حدث فيها شيءٌ أخاف أي رجلٍ أو زعزع أمان أي فتاة. كلّ ما أنا موقنٌ منه أنّ الفتاةَ ليست مرتاحةً لك، فلِمَ تُلاحِقها؟»
سؤاله الأخير برهن لحازم أن الجار يعلم جيدًا عن نواياه وأنّه لم يشك بملاك أبدًا، وهذا حقيقةً ما طمأن فؤاده، لكن في المقابل، تدخّله وإقحامه لنفسه في شؤونٍ لا تعنيه أغاظه، لذا رفع ذقنه قليلًا بتحدٍ بيّن، ثم نظر نحو يمينه بتلقائيةٍ كأنّما تلك الشجرة خلف الجار، ثم أعاد نظره إليه.
ابتسم له حازم وسأله بصوتٍ هادئ شبه خافتٍ: «ما اسمك؟ إن لم تمانع إخباري بالطبع.»
أمال الجار رأسه يسارًا بشكّ بمحاولةٍ منه التقاط سؤال الآخر: «أدعى مصطفى.» أجابه بعنفوان
«اسمٌ جميل.» نبس حازم بابتسامة
ثم فجأة، ودون أي إخطار تحركت يده بحركةٍ سريعة أجفلت مصطفى الذي لم يكد يستوعب ما حدث قبل أن يشعر فجأة بقبضةٍ شرسة تطبق على ياقة كنزته وتسحبه إلى الأمام بقوة فتّاكة. اختل توازنه، وكادت قدماه تنزلقان، لكن اليد التي أحكمت به لم تأذن له بالسقوط، وسحبته حتى كاد يلتصق وجهه بوجه حازم.
استحالت ملامح حازم البشوشة إلى أخرى غاضبة، ورغم أن مصطفى لم يكن قد رأى الابتسامة قبلًا بفعل الكمّامة إلا أنّه استشعر الآن غضبًا لم يظهره حازم، وهذه القبضة وصوت أنفاسه الثائرة برهنا ذلك. عيناه اللتان كانتا تبدوان عاديتين أصبحتا ثاقبتين، تنظران إليه كما ينظر الجلاد للمجني عليه.
حاول مصطفى أن يدفعه عنه بغضب: «ماذا تفعل يا أنت؟ اتركني وإلا بلغت الشرطة نيابةً عنّي وعن جاري حكيم.»
دفعه لم يُجدِ نفعًا فالقبضة على ياقته كانت تخنقه، والخوف بدأ التسلل إلى صوته.
لم يتكلم حازم، فقط أطلق نفسًا حانقًا أرعد الآخر، وبيده الحرة، وبحركة بطيئةٍ متعمدة، أخرج من جيبه سكّين جيبٍ وفتحه. لم يكن صوت انفتاح الشفرة عاليًا، لكنه كان كفيلًا في زرع الرعب.
وضع حافة النصل برفق على رقبة الرجل، على الجانب الأيمن، حيث ينبض أحد الأوردة، لكّنه لم يضغط أو يشدّ عليها، واكتفى بوجود الشفرة المعدنية الباردة على جلد مصطفى التي ستكفي لإثارة فزعه.
لم تخِب ظنون حازم، إذ استجاب جسد مصطفى الذي تصلب وارتجف، وبدأت أنفاسه تخرج على دفعات قصيرة مذعورة بعينان تلمعان خوفًا لم يسبق وأن شهد عليه ذاك المسكين في نفسه من قبل. لم يتخيّل نفسه موضوعًا في موقفٍ كهذا، يسرق الذرّة المتبقية من ثباته التي تمسّك بها حتّى الرمق الأخير.
«اسمعني يا مصطفى وأصغِ لي جيّدًا...» قال حازم بصوت هادئ جدًا واعتيادي وكأنّه لا يهدّد أحدًا ثم تابع «سوف أقولها مرة وحدة، ولن أكرّرها...»
صمت لوهلةٍ وضغط بالنصل بالكاد لكنّه أشعر مصطفى بالخطر المُحدِق، وأنّه قد يموت هنا في هذه اللحظة قرب منزله وعلى رصيف حيّه. ازدرد ريقه وحاول إرجاع رأسه للخلف قليلًا إلا أنّه لم يقدر. شعر أن الرجل أمامه مجنونٌ بالكامل، وأنّه قد ندم على تدخّله في القصّة من البداية.
«إن حدث وتدخّلت مرّة أخرى، أو قلتَ لأحدٍ عمّا حدث، أو رويته للشرطة للإبلاغ عنّي...»
رفع رأسه مقهقهًا بخفوت يتأمل خوف الآخر: «سأعرف ذلك، وسأرجع لأذكّرك بهذا...»
رفع السكّين قليلًا ومرّره برفقٍ مهيبٍ على رقبة مصطفى من اليمين حتّى اليسار بحركةٍ بطيئة مستكملًا: «ومن ثم سأقضي عليك. وصدّقني، أنا لا أمزح.»
لم يهدّد حازم بصوتٍ مرتفع، أو بصراخ، أو بإطلاق شتيمةٍ، أو ضربٍ وعنفٍ زائد، فحتّى بسكّينه لم يتجرأ على المبالغة، بل سار كل ذلك ببرودٍ مخيف، ونظرة وعيدٍ ولمسة تهديدٍ صادقة لا تتراجع.
مصطفى لم ينطق بكلمة من شدّة ارتعاده، كان يفغر فاهه بصدمةٍ وشفتاه تختلجان. حاول أن يهز رأسه بإيجاب ويومئ بموافقته، لكن الحركة افتعلها بصعوبةٍ وتلكؤ.
ابتسم حازم مجددًا ليظهر ذلك على عينيه، ثم خفّف على الياقة حتّى تركها بالكامل، وتراجع خطوة إلى الخلف ثم سحب السكّين بلمح البرق ودسّها في جيبه كما أخرجها.
«أرجو لكَ يومًا طيّبًا يا مصطفى، سررتُ بمعرفتك.» قال حازم بنبرة رجل مهذب، ثم أدار ظهره ومشى.
مصطفى بقي مكانه دون حراك، فقط حنى جذعه للأسفل إنشًا يتكئ بظاهري كفّيه على ركبتيه اللتان خرّ الرعب فيهما لتعجزا عن الخطو ولو سنتيمترًا واحدًا. التقط نفسًا عميقًا ليرفع نفسه، ثم يتلمّس بكفّه الأيمن رقبته تلقائِيًا حيث ما شعر بالنصل يمرّ، لم يكن هناك جرح أو دم، كفّه شعر بوجودهما وهمًا.
نظر حيث ظهر حازم ليراه يبتعد بخطوات بطيئة، غير مبال، كأن شيئًا لم يحدث.
التفت مصطفى إلى جذع شجرة التين يتكئ عليها لاهثًا: «أي يومٍ هذا الذي سيطيب بوجودك؟» رفع رأسه لينظر إلى بين حكيم مستطردًا: «تلك المسكينة ملاك! هل تعلم أن الذي يطارِدُها ليس إلا وحشًا؟»
نكّس رأسه نافيًا بتخبّط: «أتمنّى حقًا ألا تعرف من يكون، فأنا رجلٌ في منتصف الأربعينات وشعرت كأنما روحي ارتقت إلى ربّها، فكيف بها؟»
بقي السكين في جيب حازم، والقلادة الصغيرة على شكل قمر ترتعش في يد ملاك، والخوف يتراقص على وجه الجار الذي لن يخبر أحدًا بما حدث.
* * * *
حلّ الليل وقد وصل حازم إلى شقّته للتو وهو بالكاد يكبح مشاعره المتخبّطة من الفيضان. ألقى نفسه على الأريكةِ هامسًا: «قد يبدو ما أفعله مجنونًا، لكنّي تعلّقتُ بكِ، أنا من كنتُ أرعاكِ وأخافُ عليكِ من نسمةِ الهواء، أنتِ عشتِ حولي أربعةَ عشر عامًا قبل أن أُسجَن.»
سمع صوت طرقة خفيفة على باب شقَته أعقبها دخول أحدهم ليقلب مقلتيه بضجرٍ ماسحًا الدمعة الخائنة بعنف: «فِراس، عادتكَ الجديدة هذه أكثر ما يستفزّني فيكَ مؤخّرًا.»
ثم نظر لرفيقه ليجده كالعادة بهندامٍ أنيق يبرز رجولته ورصانته، عدّل جلسته محدّقًا فيه، ليجيبه فِراس: «قررتُ اقتحام شقّتكَ لأتأكد أنّك لم تخرج لتنفيذ وعيدك.»
التقط نفسًا عميقًا: «لا تقلق، سأذهب بعد غد فهو الخميس وحكيم يكون في ورديةٍ ليليّة. سأتمكّن من قتلها بسهولة دون مقاومة أو رادع.»
ثم ألقى نظرة صوب فِراس الذي يحدّق به حانقًا، ليرفع سبّابته مشيرًا له: «ليس وقت مواعظك، لقد قررتُ وفعلت، ولا مجال للتراجع.»
نهض فراس خالعًا سترته الراقية ليبقى في قميصه الأبيض، رفع الأكمام إلى حد الكوع، وجلس ساندًا مرفقيه على رجليه. قلب مقلتيه بغضب: «لماذا تفعل هذا بنفسك؟ ألستَ تعلم أنّك تؤلمني؟»
غطّى حازم وجهه بكفيه ماسحًا عليه بضيق: «أرجوك لا تكرر أقوالك، لقد حفظتها غيبًا جرّاء تكرارك لها.»
أمسك فراس ذقنه بسبّابته وإبهامه محدّقًا به ببرود، وقد بدا على محاولةٍ في السيطرة على نفسه: «لماذا تحدّثني وكأنّي عدوّك؟ تشعرني وكأنني مجرّد طُفيليٍ في حياتك، وتغفل عن حقيقة خوفي عليك. أنتَ لم تكن صديقي ليوم أو اثنين لأنساك، لن أقدر على النظر لك تجرّ قدميكَ نحو جهنّم بنفسك. فلتتعفّن آمال فلستُ مكترثًا لها، وإنّما أنتَ من يهمّني يا أخي، أنت.»
مدّد حازم نفسه على الأريكةَ واضعًا ذراعه تحت رأسه دون أن ينظر له: «لا أحد سيعلم من قتلها، سوف أنفد من ذلك.»
دلّك فراس جانبي رأسه بتعب: «سُجِنتَ لسبع سنواتٍ ظلمًا، سبع! وأعلم أنّك خرجت على إثرها تأكل أصابعك غيظًا. أتّفق معكَ أنّها ظلمتك ظلمًا لا قبله ولا بعده ظلم، وأنّها سرقت عمرك، لكنّ الحل ليس في أن تصبح قاتلًا!»
ابتسامة حاقدة باردة ارتسمت على محيّا حازم، ليميل برأسه لليسار رافعًا حاجبيه: «وأنتَ قلتها، سرقت منّي سنينًا ومن عمري، ولأنّي طيّب القلب لن أعذبها وسآخذ روحها بغرزة سكّين حاد في موضع الحياة، ثم أغلق ملف الثأر للأبد وأعيش حياةً هانئة دون أن تعرف الشرطة.»
شخر فراس بسخرية حين وصف القلب بتلك الطريقة المستفزّة: «موضع الحياة! كيف لديكَ الوقت لتكون شاعريًا؟»
لم يجبه حازم واكتفى بقلب مقلتيه ليصفع رفيقه المنضدة: «أتظن الأمور سهلة؟ هل تظنّ أنك سوف تقتلها ثم تأتي إليّ لنحتسي القهوة دون أن تعلم الشرطة عنك؟ لا يا عزيزي، هناك إعدامٌ ينتظرك، ملّعقٌ في رقبتك. إن ربّك لا يهمل حق أي عبدٍ مظلوم فلا تتصرّف بغباء لكي ينصفك.»
أغمض حازم عينيه ثائرًا: «لا قانون أو قضاء أو شخص ذي نفوذٍ سوف يُنصفني، لا أحد.»
صرخ به فِراس: «أخبرتكَ أن الله يُغنيكَ عنهم. لا أقول أن تغفر لها وتتجاوز عنها، لكن لا تحوّل نفسك من مظلوم إلى قاتل. لا تحرق قلب والداكَ عليكَ مرةً أخرى، اتّقِ الله بهما.»
فغر حازم شفتيه صارخًا: «والديّ اللذانِ...»
لكنّه ما استطاع إتمام جملته حين رفع فِراس سبّابته باترًا قوله بذات النبرة: «اللذان لم يقدّما لكَ سوى الحب والعاطفة، إيّاك ثم إيّاك ولومهما على زواجهما. ليس ذنبهما أن تلك السفيهة أعمى الحقد بصيرتها.»
ثم اندفع صوبه وسحبه من ياقته بعنفٍ شديد ليرتطم به، ثم استكمل: «العم عبد الصمد يموت، يموت كل يومٍ وهو يصبو لكَ شوقًا هو والخالة عزّة التي لا تنام دون أن ينهكها البكاء.»
لوهلةٍ طفيفة شعر حازم بضعفٍ ليرتخي جزئيًا بين يدي صديقه الذي علم أنّه مسّه في موضعٍ حسّاس. عيناه اللتان لمعتا بشكلٍ غريب تحدّثتا عن شوقه ورغبته في رؤيتهما، مع إدراكه أنّه يتصرّف على نحوٍ مجنون.
«أتريد أن أزيدكَ من الشعرِ بيت يا فِراس؟ أتريدني أن أغيظكَ أكثر؟» نبس بهدوءٍ زاد تعجّب فراس ثم تابع: «أمسكني جار آمال متلبَسًا وهدّدني بإبلاغ الشرطة، وأنا بكل سهولة لأحافظ على حريّتي أخرجت سكّيني وهدّدته به...»
اصطكّت أسنان فراس الذي اشتدّت قبضته عنفًا ثم هزّه بغير رحمة: «وفرحٌ بنفسك؟ هل تزهو بشيءٍ يجعل منكَ خارجًا عن الملّة؟»
أمسك حازم معصمي رفيقه ليخفّف قبضته عنه ياقته ثم قال: «لن يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فأنا سوف أقتل رئيس البلدية، والد آمال...»
وسّع فِراس مقلتيها وهزّه بعنف: «وما شأن هاني في القضية لتقحمه فيها؟ ما الذي فعله لك؟»
همس حازم بصوتٍ غاضب: «هو من أحضرها إلى المحكمةِ لتشهد ضدّي، هو من أطاح بي، أراد الانتقام منّي أكثر من ابنته.»
نفى فِراس برأسه على غير تصديق: «أنا موقنٌ من جنونك الآن. أنتَ تعلم أنّها كذبت عليه وأوهمته أنّها ستبرّئك.»
نفى حازم برأسه متمسّكًا بعناده: «لم أصدق ولن أفعل، فرجلٌ كهذا لن يعدّني إلا عدوًا ولن يرأف بحالي.»
احتدّت نبرة فراس مع انخفاض صوته: «كفّ عن حماقتك، فهو لم يكن سيئًا معك أبدًا.»
ضحك الآخر بسخريةٍ مع إيمائِه برأسه: «أجل صحيح، هذا ما أرادني أن أصدّقه عنه وصدّقته أنتَ بدورك.»
رفع المصدوم حاجبيه: «قد يمثّل عليكَ شهرًا أو اثنين وليس أعوامًا.»
بوادر الاقتناع لم تظهر على سحنة حازم ليفقد فِراس منه الأمل ويشدّ على ياقته لوهلةٍ قبل أن يهوي به دون هوادة عنه ليسقط على الأريكة بقوة، ثم أشار له بسبّابته: «كن حكيمًا يا حازم، كن حكيمًا ولا تدع عاطفتك تجرّك خلفها كالمعزة التي لا حول لها ولا قوة، إنّك رجلٌ فحَكِّم عقلكَ وفكّر بشيءٍ تنتفع به.»
دثّر حازم وجهه بكفّيه: «أتحدّث لكن لا أحد يفهمني رغم تكرار الكلمات ذاتها.»
تنهّد فِراس يائسًا: «والله إني أكثر من يفهمك، لكن يبدو أن قيمتي في نظرك متدنّية.»
لم يلبث أن اختتم قوله حتى دوى صوت رنين هاتفه، ليخرجه من جيبه ويرى أن المتصل والده، أ<ابه وتحدّث معه لنصف دقيقة ثم أغلقه من جديد.
نظر لرفيقه قائلًا: «والدي يطلبني في أمرٍ هام وعليّ الذهاب. فكّر فيما قلته لك.»
ثم خرج من الشقة تاركًا الآخر على وجومه يفكّر في كل ما قيل بشكلٍ جدي، ربّما لم يُظهِر ذلك لكنّ حديث صديقه أثّر في أعماقه فعلًا. فكّر في والديه اللذان لا يعرفان عنه شيئًا منذ سُجِن وكيف امتنع عن مقابلتهما تاركًا الشوق يتّقد في أفئدتهما.
فكّر في صديقه، الذي يخاف عليه ويتحدّث بحرقةٍ من أجله لحدّ الصراخ رغم سجيّته الهادئة الرصينة، شعر بقلبه يعاتبه على تشكيكه بصدقه وصدق مروءته، يدرك أن صداقتهما هي أثمن شيءٍ بالنسبةِ له.
وصل فراس إلى بيته الضخم دالفًا إيّاه، ليمرّ بوالدته ملقيًا التحيّة ثم سأل عن والده، توجّه إلى غرفة المعيشة الفارهة حيث أخبرته أنّه يتواجد. طرق الباب برفقٍ قبل أن يدخل، إذ اعتاد على هذا من باب الاحترام والتهذيب، ثم دخل ليجد والده يجلس على تلك الأريكة المخملية المارونية، وبيده يحمل صحيفة اليوم يقرأ منها بإمعانٍ، ونظّارة قراءته تغطي عيناه.
رفع عمران رأسه أكثر مما يجب سنتيمترًا، ودون النبس ببنت شفة، أشار بكفّه لولده أن يجلس قبالته، ليمتثل له فِراس والهدوء لا يزال سيّد المكان. حنى عمران جذعه يسكب لنفسه كوب قهوة مرّ من الدلّة مرتشفًا منه.
لم يقدر فِراس على لزم الصمت أكثر: «أبي، لقد طلبت حضوري لأمرٍ يخصّ حازم، فما هو؟»
وضع عمران الكأس على المنضدةٍ قائلًا دون مقدّمات: «صحيح، أمرٌ يخصّ الوظيفة.»
نظر له ولده بشكٍ وقلبه غير مطمئن، ثم سأله بصوتٍ خفيض: «قبلته أم رفضّته؟»
ندّت شفاه عمران عن ابتسامة جانبية: «لقد قبلته.»
وسّع فِراس عينيه ناهضًا عن مكانه متسائلًا بدهشة: «أتمازحني أم تتحدّث بجديّةٍ الآن؟»
«ليست مزحة، لقد قبلت حازم، وطلبتكَ لأُعلمكَ بالأمرِ لتخبره.» أجاب بهدوء
ابتسم فراس، ثم نظر له بحيرة: «ما الذي دفعكَ لقبوله بعد تمسّكك بمبدئِك؟»
شابك عمران أنامله ببعضها مبتسمًا برقّة: «قدرته على إقناع رجل صعب المراس ولا يستهويه شيءٌ مثل فهد الحواري، هو كنزٌ يستقضيني التمسّك به، رغم أنّي أظنّها مصادفة نظرًا لعدم خبرته.»
صغّر فراس عينيه بخبث: «آي آي آي، أخبرتُك يا أبا فراس ألا تتردّد، لكنّك لا تستمع لي.» اختتم قوله بالجلوس بعشوائية وهو يبتسم بفخر
تظاهر والده بالغضب: «تأدّب معي يا ولد!»
لكن ذلك لم يحرّك في الآخر ساكنًا، لاح بكفّه ورفع جذعه: «لا تُخفيها، إنّي أراكَ تحاول كبحها...»
لم يحتمل عمران فضحك نافيًا برأسه، فولده أكثر من يعرف شخصيّته، وعلم أنّه كان يحاول كبح ابتسامته عند اصطناعه الغضب.
«أنظر لكَ ما أجملكَ حين تضحك، لا حرمني الله صوتك ولا صوت أمّي.»
ضحك عمران مجددًا: «رضي الله عنكَ وأرضاكَ وجعلكَ لي ذخرًا خيّرًا في الدنيا والآخرة.»
فراس مهذّب بطباعه، وهو مختلفٌ تمامًا بحضرة أمّه وأبيه، ويتصرّف معهما بطريقةٍ خاصّة تظهر كل جوانب شخصيّته المبهرة، وهو ووالدته أكثر شخصان يستطيعان دفع عمران للضحك من قلبه فعلًا. إنّه بار ودمث الخلق.
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!