وضع القراءة:

|10| تَكفيرٌ مُتَأخِّر.

كان القمر منتصفٌ في كبد السماء، يطلّ بنورهِ على منازل ذاك الحي الذي يطغى عليه هدوء مريح، أجواؤه مناسبة للتنزّه بين الحدائق في سبيل الاسترخاء، وتبادل أحاديث خفيفة تهدئ من روع النفس.
وصلت آمال لتوّها إلى بيت أمّها، دفعت بوابة الحديد المنخفضة برفقٍ بأناملها لتدخل بخطاها الوجلة. سمعت صوتًا يأتي من المنزل لتميّز صوت والدتها من بين ألف صوت. كانت تضحك وتتحدّث عن إعدادها لطعام العشاء، فلم تشعر حين ابتسمت بشكلٍ تلقائي، وعينيها تنضحان حبًا وشوقًا.
وقفت خلف الباب، وهمّت تلتقط الهواء ببطءٍ لتنظيم أنفاسها المتوترة، فهي هنا لأول مرّةٍ عقب سجنِ حازم، وخائفةٌ أن تُردّ خائبةً جرّاء قطيعتها. رفعت رأسها تراقب الورود المزروعة على الحواشي في أصصٍ فخّارية لتتذكّر كيف كانت قبل انفصال والديها تزرع الزنبق وإيّاها، تضحكان وتلهوان معًا.
كلمات زوجها ونصائحه قبل أن تخرج من البيت لا تبرح رأسها. أعاد كلامه للمرّةِ العاشرة، أن لأمّها حق أن تتزوّج بعد الانفصال، وأنّها يجب أن تحترم ذلك وترمي بما فات خلف ظهرها راجيةً حياةً جديدة، من أجلها ومن أجل أطفالها، وبالأخص من أجل أخيها الذي فاض كأسه من الظلم.
تمسّكت بشجاعتها لتطرق على الباب ثم ترفع كفّها لتمسح على وجهها بتخبّط. لم تتلقّ ردًا بضع مرّاتٍ فالتفتت لكي تغادر، لكنّها وقبل أن تفعل فُتِحَ الباب لتجد عبد الصمد هناك.
تسمّرت مكانها لنصف دقيقة تنظر إليه بتوترٍ وخزيٍ شديد، تنهّدت وعدّلت ياقتها. لكنّه فاجأها حين ابتسم بوقارٍ نابسًا: «آمال! أنتِ هُنا؟»
بالنظر لما فعلته تبدو ابتسامته في غير مكانها، تفتقر للمنطقية، لكنّ ما تبادر ذهنه أعمق من هذا بكثير، إذ علم أن لقدومها هدف يخص ولده، وربّما رغبتها للصلح والاعتذار.
تنحنحت هي متحاشيةً النظر له: «عُذرًا منكَ يا عم، هل أمّـي موجـ...»
لم تستكمل قولها حين سمعت صوتًا من الداخل يقول بلهفة: «آمال! ابنتي!» صمتت قليلًا ثم أضافت: «ماذا تفعلين هنا؟»
كان سؤالها ينمّ عن استغراب ودهشة، فلم تتوقّع أن يكون ضيفها ابنتها الغائبة في يومٍ من الأيّام. رغم كل ما فعلته تظلّ ابنتها، لم تقدر على إبداء كراهية تجاهها، ولا حتّى سجن حازم الذي كَلَّ مَتنها.
لم تجب آمال، وبدلًا من ذلك، حنت جذعها وأمسكت بيد والدتها، ثم قبّلتها وهمست بصوت مبحوح: «سامحيني يا أمّي...»
نظرت لها بعينين دامعتين مستكملةً: «سامحيني على الكسر الذي لم يُجبر، سامحيني على طيشي الذي يقتلني كل يوم. لستُ أدري كيف فعلتها، أو ما الذي غشا على قلبي، واللهِ إنّي نادمة.»
تراجعت الأم خطوة إلى الوراء، تنظر إلى ابنتها بعينين متسعتين فانهيارها ذاك أجفلها: «ابنتي!»
دون إخطارٍ فتحت آمال ذراعيها معانقةً عزّة تزامنًا مع قولها: «كنتُ أنانية حين فكّرتُ بنفسي فقط، وأنّي ظلمتكِ بشيءٍ لم تذنبي فيه حتّى، اقبليني أرجوكِ.»
فصلت عزّة العناق بابتسامة هادئة، أطالت النظر في وجهها، ثم تنهدت تنهيدة عميقة ومسحت على رأسها: «لطالما سامحتكِ، يا ابنتي. وأنتِ تعلمين ذلك.»
عاودت آمال لتغوص في أحضان والدتها لحظات، تستعيد دفئًا افتقدته طويلًا: «ما عُدتُ إلا لأخبركِ أن لكِ الحق في الزواج، لكِ الحق كأي إنسانٍ آخر، أنتِ حتّى لم تحرميني منكِ وعمّي عبد الصمد لم يشعرني أنّي ثقيلة، لكن لانفصالك عن أبي وطأة صدمتني وأوصلتني إلى هنا.»
ثم فصلت العناق ونظرها يتردّد بين أمها وعبد الصمد: «هل تأذنانِ لي بالدخول؟ جئتُ لأمرٍ بالغ الأهميّة.»
أومأت لها عزّة بابتسامة، بينما عبد الصمد دخل مقهقهًا ثم قال: «بالطبع يمكنك، البيت بيتك.»
ولا يزال أمل عبد الصمد يتزايد.
ولجت آمال خلفه إلى غرفة المعيشة بينما عزّة ذهبت لتحضر ضيافة لها. لم تلبث أن عادت مجددًا لتضع أمامها كل ما لذ وطاب، وتجلس قبالتها، فتغدو تحت ناظريهما.
توتّرت آمال لكنّها سألت: «هل حازم موجود؟»
نظرت عزّة بابتسامة لزوجها الذي ابتسم بدوره وكأنهما علما ما سيحدث. أجابتها أمّها: «إنّه هنا، سأناديهِ لكِ.»
التفتت عزّة بلهفةٍ لتتجمّد مكانها حين رأت حازم يقف عند باب الغرفةِ بنظرته الحادّة تنطق بالكثير، دخل خطوةً رافعًا رأسه بشموخ، قائلًا: «ماذا تفعلين هنا يا أنتِ؟ كيف تجرأتِ على القدوم؟»
«حازم.» نادته آمال بصوتٍ هامس مكسور تملّص منها دون شعور.
قهقه بسخريةٍ لاذعة، مكتّفًا ذراعيه يحدّق فيها مخترقًا إيّاها بنظراته. نهضت عن مكانها مقتربةً منه بتردّدٍ وترنّح ثم وقفت على بعد خطواتٍ منه ونبست: «أنا أعتذرُ منك، أرجوكَ تجاوز عنّي.»
نظرة ثاقبة سقطت صوبها أجفلتها، وهمس بحقد: «ماذا قلتِ؟»
«أنا آسفة، حازم.» رفعت آمال بصرها إليه بشجاعة زائفة «أنا آسفة على كل ما فعلته، كان طيشًا مني. كنتُ أتصرف بطريقة سيئة، لكنني أؤكد لك أنني لستُ آمال قبل سبع سنوات، لقد تغيّرت.»
ضحك حازم ضحكة باردة: «طيش؟ تسمين ما فعلتِه طيشًا؟»
تابعت آمال، وكأنها لم تسمعه: «كانت تلك طريقتي لتخفيف حزني على ابني جاد. كنتُ أتألم يا حازم، كنتُ أموت كل يوم حين أرى فراغه في البيت، ففعلت ما فعلتُه لأقنع نفسي أن حقّه عاد.»
ساد صمت ثقيل بينهما. كان حازم يحدق فيها بوجه جامد الملامح، ثم تحركت شفتاه ببطء ليقول بصوت بارد: «خسرتُ سبع سنوات من عمري. سبع سنوات عشتها في جحيم لا تعلمين عنه شيئًا. كل يوم كنتُ أستيقظ على ضربٍ أوهنني، لأسأل نفسها عقبها ما ذنبي. لم أجد جوابًا أبدًا. وها أنتِ اليوم تأتين وتقولين إنه كان طيشًا؟ إنه طريقة لتخفيف الحزن؟»
كانت دموع آمال قد انهمرت على خديها دون أن تشعر، حاولت أن تتكلم لكن الكلمات علقت في حلقها.
تابع حازم بنبرة مستهجنة: «وأكون أنا الضحيّة؟ آمال أنتِ لم تدركي أنّ موت جاد كان قدرًا، وأنّه سقط عن مكانٍ عالٍ، لم تنكرين أنّكِ سجنتني انتقامًا من أمّنا؟»
تمالكت آمال نفسها، وجفت دموعها بيدها المرتجفة: «ليس تمامًا، لستُ أعرف لِمَ كنتُ بذاك الشر، أتصرّف برعونة.»
ابتسم باقتضاب متهكّم: «لا تكذبي على نفسك، ليلةَ حاولت قتلكِ اعترفتِ بذلك.»
ازدردت ريقها ناظرةً لحقيبتها مغيرةً الموضوع لأنّها موقنة بصحّة كلامه، ثم أخرجت ورقةً ثخينة عاجية، ثم قدّمتها له: «كتبتُ بيت الجبل باسمك يا حازم، أعلم أن لكَ فيه ذكرياتك الأجمل.»
توقف حازم للحظة، وبدا على ارتباكٌ خفيف، ثم عادت ملامحه إلى الجمود الساخر: «ماذا قلتِ؟»
«بيت الجبل.» كررت آمال بصوت أوضح «ذلك البيت الذي قضيتَ فيه أجمل ذكرياتك، الذي كنتَ تلعب فيه مع ملاك دومًا. كتبته باسمك، فلقد أردتُ أن أكفّر عن خطئي، وأن أترك لك شيئًا... شيئًا يعوضك.»
لم يستطع حازم تمالك نفسه، وانفجر ضاحكًا بعلو صوته ضحكة ساخرة لاذعة. رفع يده ومسح وجهه وكأنه لم يصدق ما سمع. ثم انفجر صارخًا بها: «وَقِحَةٌ أنتِ، حقًا وقحة. بعد كل هذا، تأتين وتظنين أن بيتًا يمكن أن يعوض سبع سنوات؟ أن صكّ ملكيّة عليه اسمي كفيلٌ لمحو ما فعلتِه؟»
«لم أقصدها بالمعنى الحرفي، بل عنيت...»
حاولت آمال أن تبرّر موقفها، لكنه قاطعها بعنف: «هذا هراء! هذا كله هراء. بيت لا يعوض سنواتٍ ذهبت مع مهب، لا يعوض أبًا وأمًا حُرما من ابنهما. أتظنّنين أن بيتكِ هذا سيصلح ما انكسر؟»
ارتجفت آمال من حدة كلماته. كانت تعرف أنه سيكون غاضبًا، لكنها لم تتوقع هذا الغضب المسعور الذي يلتهم كل بوادر الأمل.
حاولت أن تتكلم مرة أخرى: «أنا أعلم أن بيتًا لا يعوض...»
«إذن احتفظي بصك البيت لنفسك.» ثم أشار للباب بسبّابته صارخًا: «إلى الخارج بلا مطرود، وخذي الصك، فأنا لا أريد شيئًا منكِ. لا بيتًا، ولا اعتذارًا، ولا شيئًا آخر.»
كانت يد آمال المستحمة بالصكّ ترتجف بشدة. تراجعت خطوة إلى الوراء، والتفتت للمنضدةِ لتضع الصكّ هناك بعناد.
ضيّق حازم عينيه بغيظٍ مشيرًا لها: «ما الذي تفعلينه؟ لِمَ وضعتِ الصكّ هناك؟»
«لن يعود إلى بيتي، لن آخذه.» قالت آمال بصوت خافت «البيت لك، وسيبقى لك وإن صرخت بي ألف مرّة. سيكون بمثابة مكانٍ جميل لأطفالك حين تتزوّج وتأخذهم مع زوجتك في عطلة.»
توقف حازم للحظة، وكأن كلماتها اخترقت الجدار الذي بناه بينه وبينها. شدّ على قبضتيه ثائرًا ثم التفت ليغادر البيت برمّته حين هاتفه فِراس. إنّه على موعدٍ معه لذا ترك النقاش الدائر وغادر عنوة.
وجد فراس فعلًا أمام باب المنزل، فذهب ليستقل مقعد الراكب. لاحظ رفيقه أنفاسه المضطربة ليعقد حاجبيه منطلقًا: «لا تبدو بخيرٍ يا صديقي، لِمَ أنتَ غاضب؟»
همس حازم: «إن آمال في المنزل.»
شهق فراس شهقةً مضحكة لكنّها أثار غضب حازم الذي أغلق أذنيه: «في بيت والديك؟ لكن لِمَ؟»
نظر له حازم: «أتت تطلب مغفرتي.»
رفع فراس حاجبيه مشدوهًا: «أنتَ لستَ تَمزَح!»
بينما آمال لم تقدر وذهبت تتّخذ مجلسها تحت أنظار أمها وزوجها، نظرت إلى الورقةِ على المنضدةِ متنهدةً بألم. انحنت ببطء، والتقطتها، وطوتها بعناية كما لو كانت كنزًا، ثم توجّهت إلى أمّها ووضعتها بين كفّيها.
«أمّي، أرجوكِ، حاولي إقناعه أن يحتفظ به وإن لم يسامحني. لقد قدّمت له شيئًا من قلبٍ خالص ولأوّل مرّة منذ ولد، لا أريد فقدان هذا الشعور.» نبست آمال بضعف
كانت تعرف أن حازم لم يصدقها، وأنه يعتقد أن ما تفعله مجرد محاولة لإرضاء ضميرها أو تخفيف إحساسها بالذنب. لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها أن الأمر لم يكن كذلك.
تذكرت بيت الجبل قبل سنواتٍ حين كان حازم يأتي لمجالسة أطفالها في العُطلات. سيره بين العواميد الحجرية العتيقة في الساحة، ووقوفه خلفه النوافذ المُطِلّة على الوادي، والغرفة الصغيرة التي كان يقضي فيها ساعات يقرأ ويكتب.
تساقطت دمعتها لتقول: «أتذكّر تلك الغرفة التي لا تزال تحتفظ برائحته، ورائحة كتبه القديمة والقهوة العربية التي كان يختلسها عني وعن حكيم.»
يؤلم آمال أن حازم لم يزر ذلك البيت منذ سنوات، وأدركت أن ما فعلته سيحجمه عن العودة، لذا تركت له بابًا ليعود إليه إن شاء يومًا. لا ليعوضه عن السنوات الضائعة، ولا ليمحو غضبه، ولكن فقط لتحفظ له جزءًا من الماضي الذي ربّما كان أفضل أيّامه.
مرت ساعة، ثم أخرى، وكانت عزّة تدخل بين الحين والآخر لتنظر إلى ابنتها الجالسة هناك بلا حراك، لم تَقُل لها شيئًا، لأنها كانت تعرف أن الكلمات لن تفيد الآن.
رفعت آمال رأسها: «إنّ الصك وعدٌ منّي ولا أريد أن أخلفه. أعتمد عليكِ.»
أومأت والدتها التي فاضت عينيها بالدمع: «لا تقلقي، سأبذل جهدي.»
لم تكن تعرف إن كان سيقبل الصكّ ويذهب للبيت في يومٍ من الأيام، أو حتّى يحنّ إليه، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا، أن هذا البيت سيبقى له، كما وعدت، فهنالك وعود لا بأس من أن تحلّ متأخرًا، ثم تُوَفّى.
أغمضت عينيها، وأحست للحظة بكفٍ صغيرٍ يلامس كفها. تعلم أنّها تتخيّل ابنها جاد، ذلك الطفل الذي رحل باكرًا، والذي كان سببًا في كل ما حدث.
كم كانت تحبه، وكم كانت تتمنى لو أنها تحملت حزنها عليه بطريقة مختلفة لم تؤذِ من حولها. رغم ذلك تعلّمت متأخرًا أن الندم لا يعيد الأيام، ولا يمحو الآلام، لكنّه يقدر على دفع الإنسان ليكون أقل قسوة على الغير وحتّى على نفسه.
نهضت أخيرًا من مكانها مستأذنةً من عزّة وعبد الصمد، ثم خرجت من البيت برمّته مغلقةً الباب خلفها. توقفت للحظة ونظرت إلى الطريق المظلم، حيث لم تكن هناك سوى ظلال الأشجار، وظلام الليل الذي أرّقها دون عمّن سواها.
«سيبقى البيت باسمك يا حازم.» همست لنفسها، كما لو كان يسمعها «حتى لو لم تغفر لي، سيبقى البيت لك.»
استقلت سيّارتها وأفكارها غير منتظمة، كانت بالكاد تركّز على القيادة، حتّى أنّها لم تنتبه لنسمات الهواء العليل تُراقِصُ أغصان الأشجار على حواف الطريق.
«لا بد لي أن أنتظر...»
لقد تعلمت أن الانتظار أحيانًا هو كل ما يمكن للمرء فعله، وأن بعض الجروح لا تندمل بالكلمات أو الهدايا. ربما مع الوقت قد تتعلم كيف تتعايش مع الألم دون أن يقتلها، وأن يتناقص القهر في قلب أخيها بالوقت، والصبر، والنسيان.
في تلك الأثناء، وصل فِراس وحازم إلى مقهى الشمس في منتصف المدينة، حيث تضج الأصوات المرتفعة، والأحاديث المتداخلة، وأجواء الخريف قد طلّت بالفعل. جدرانٌ خارجية سوداء، نباريس صفراء في الخارج تنير الطريق للمارّة، وفخامة تنطق بالأثاث.
كانا يجلسان حول منضدةٍ قريبة من أمين الصندوق، والنادل يحملق بهما باستغرابٍ يراقب غضب حازم الذي يمسك ذقنه بكفّه، وعيناه الحادّة تشخصان صوب الفراغ. ازدرد ريقه ناظرًا لفِراس مهمهمًا له ليرفع له كتفيه بمعنى لا أعلم.
دنا النادل من فراس وهمس له: «يا رجل! ما بال حازم يبدو هكذا؟»
لكن حازم رفع ناظريه صوب النادل يشدّ على قبضته، ليدنو مرةً أخرى هامسًا: «أشعر أنّه على وشك قتلي.»
التقط حازم نفسًا عميقًا، واتكأ بظهره على قائم المقعد، ثم كتّف ذراعيه يراقبه: «مسعود، لقد طلبت فنجان قهوة وحتّى الآن لم أرَه، إن لم تحضره لي سأقيّم مقهاكَ هذا نصف نجمة.»
تشدّق مسعود متأفّفًا: «يا لكَ من بغيضٍ تُثير أعصابي، أهذا جزائي أنّي أردتُ التخفيف عنك؟» ثم نظر لفِراس مربّتًا على كتفه: «كان الله بعونك، لستُ أدري كيف تحتمله.»
أثناء ذلك فتح حازم هاتفه على تطبيقٍ يخصّ تقييمات مطاعم ومقاهي المدينة، دخل إلى خانة مقهى الشمس وتحديدًا في صفحة التقييم. أدار الهاتف صوبه وإصبعه يبعد عن النصف نجمة بقليلٍ فقط...
«مسعود، ما رأيكَ أن تُلقي نظرةً هنا...» نبس حازم ببرود
نظر مسعود بضجرٍ صوبه، لكنّه سرعان ما وسّع مقلتيها وانقض عليه يسحب هاتفه متذمّرًا: «ألا يمكن للمرء التحدّث معكَ بأريحية.»
أذعن حازم له وسمح له سحب الهاتف، وابتسم بالكاد: «لا، أنا رجلٌ صعب المِراس.»
زمّ مسعود شفتيه متكلّفًا التجهّم، سحب منه قائمة المشروبات بغيظٍ: «لو لم تأتِ هنا لكان أفضل لي، إنّك مزعج، وتثير إزعاج زبائني.»
رفع حازم حاجبيه مستفزًا الآخر: «إنّي هُنا أدفع لكَ مالًا...»
صغّر مسعود عينيه: «لا تمنّ عليّ فأنتَ لا تتصدّق علي به، إنّه مقابل أتعابي لتشرب مشروبك يا تافه.»
ثم التفت مغادرًا إلى المطبخ تاركًا الآخرين يضحكان على ردوده. إنّهما يعرفانه منذ زمنٍ بعيد وهما على وفاقٍ به، وتجمعهم علاقة طيّبة، وهو من الأشخاص القلائل الذي آمنوا ببراءة حازم يوم حكموا عليه بالسجن، وعلم أنّه بريء ولا علاقة له بما جرى، فهو يعرفه ويعرف طباعه، وأكثر من يدري بلين أسلوبه.
هذا المزاح الذي دار بينهما، هو روتينٌ يجمعهما منذ مدّةٍ بعيدة، أيّام كان الثلاثة في الثانوية، ورغم أن مسعود كان في فصلٍ مختلف إلّا أنّه لم يمنع زيادة الود فيما بينهم، أو يمنع تسكّعهم في الأرجاء.
حنى حازم نفسه واضعًا مرفقيه على المنضدة: «استمالني حسن خلق هذا الرجل...» ابتسم بهدوء: «أنتَ توقّعت منكَ أن تدعمني حتّى آخر رمق، لكن مسعود! كان بمثابة صدمة لي.»
نظر له فِراس مهمهمًا: «أنتَ على حق، إنّه أصيل.»
ثم نظر له مستذكرًا ما جرى، ليستطرد بقوله: «حدّثتني في السيارة عن مجيء أختك و...»
صفع حازم المنضدةَ برفقٍ مقاطعًا إيّاه: «لا تقل أختك، نادِها باسمها وكُفّ عن إغاظتي.»
نفى فراس برأسه بغير تصدّيق: «دعكَ من هذا وأتمم لي ما جرى...»
ازدرد حازم ريقه متحاشيًا النظر له: «بعد أن طلبت منّي الصفح أخرجت من حقيبتها صكّ ملكية بيت الجبل الذي تعرفه، وقدّمته لي، إذ تنازلت عنه من أجلي مدّعيةً أنّها نادمة جرّاء طيشها، والأدهى من ذلك أنّها أخبرتني أن البيت قد يكون بمثابة نزهة لزوجتي وأولادي مستقبلًا.»
نظر له ساخرًا: «هل ظنّت فعلًا أن بيتًا سيعوضني عمّا خسرته؟ لا بد أنّها مجنونة.»
شرد فراس في العدم دون أن ينبس ببنت شفة، تعجّب حازم ونكزه: «لم تُعقّب!»
أجابه بهدوء: «تعقيبي لن يروقَ لك.»
قلب حازم مقلتيها كأنّه علم مقصده: «أمري لله، قل ما عندك.»
«وفقًا لِما أخبرتني به في السيارةِ وهنا، آمال لا تحاول إرضاء ضميرها بشكلٍ صريح، الأمر أعمق من هذا بكثير. إنّها نادمةٌ فعلًا، وتحاول أن تكون أفضلَ معك.»
رفع حازم سبّابته بغضب: «لا تستكمل قولك، لأن لا خير في إتمامه. لن يسرّني أن نتخاصم.»
أحكم فراس على ذراعه هامسًا بغل: «ومن أخبركَ أن تُسامح؟ ها! أنا أخبرتكَ تحليلي الشخصي. لهذا لم أشأ التحدّث منذ البداية، أعرف عقليتك المعقّدة.»
رفع حازم زاوية شفته بسخريةٍ مع قلب مقلتيه دون أن ينطق بكلمة.
* * * *
بعد انقضاء السهرة عاد حازم إلى بيته وقد ضاق ذرعًا من كل ما جرى. يدرك أن رفيقه لم يحاول إقناعه بالصفح، ورغم ذلك اغتاظ من حديثه لمجرد أنّه لم يَرُق له، يبدو أن سيرة آمال باتت كالسم بالنسبة له، فلربّما تَرَكَ فكرة الثأر فعلًا دون إمكانية العودة لها مطلقًا، لكنّه وضع رادعًا يفصل بينهما لئلّا يختلطا.
هو يكذب على نفسه في أمرٍ ما، هو تراجع تلك الليلة من أجل أمّه وملاك، لكنّ ما لا يرغب بتوكيده في سريرته، أنّه فعلًا استرجع ذكرياته في بيت الجبل، حيث كان يذهب معهم لقضاء العطلة هناك، يقضي أجمل أوقاته معهم، يأكل مما تطهوه آمال، يلعب مع ملاك قرب الوادي ويراقبها لكيلا تقع فيه أو يلحقها أي حيوانٍ بري، وجلوسه المطول مع حكيم لنزاعاتٍ كُرويّة.
جلس على الدرج المطلّ على الشارع، يتكئ بكوعه على ركبته، يمسك ذقنه بكفّه شارد الذهن. قلبه الجريح لم يقدر على تقبّلها، لكنّ شيئًا في قولها هز دواخله وكسره، خاف أن يكون ندمها حقيقيًا، وخاف من صدق مشاعرها وكلماتها التي كانت زائفةً من قبل.
«حازم يا بني، أنا لا أخبركَ أن تغفر وتتجاوز عنها، لكنّي أقول لكَ إن شيئًا فيها تبدّل.»
دلّك حازم جبينه تبرّمًا، ثم التفت صاحب الصوت قائِلًا: «لستُ أدري أنّى لكَ قول هذا رغم كراهيتها لزواج أمّي بك.»
تقدّم الأب بخطواته البطيئة، ثم مدّ كفّه ليمسك كتفه حازم ليقدر على النزول للجلوس على الدرج جواره. تنهّد مبتسمًا: «لَم ألُمها يومًا، لقد ترعرعت مع والديها عددًا من السنوات لتُفجع بانفصالهما، ثم تشتّت العائلة التي كانت ملاذها.»
«لِمَ أشعر وكأنّك تبتزّني عاطفيًا؟» نطق بخفوت
نفى عبد الصمد برأسه: «لا أبتزّك، ولا أقنعك، وإنّما جئت لإخباركَ بشيءٍ قالته أختك جعلني أتأكد من صدق نواياها...»
صمت لوهلةٍ ثم أضاف: «لقد طلبت من عزّة أن تقنعكَ بقبول الصكّ حتى وإن لم تغفر لها، قالت إنّها ولأول مرةٍ تقدّم شيئًا لكَ من قلبٍ خالص. شعرتُ أن الزمن توقّف عندي، لمعة عينيها يا ولدي أبدت صدقها.»
للحظةٍ مسّ حازم شعورًا غريبًا مضطربًا، لم يفسّره. لم يكن صفحًا، ولم يكن تجاوزًا، لكنّه لم يكن حقدًا دفينًا، كان رماديًا. ورغم أن كلمة أختك نطقها عبد الصمد استفزّته لم يقدر على التعليق عليها.
رفع حازم سبّابته مشيرًا لعينه: «أنظر لهذه الندبة التي تمر عن عيني، لقد كدت أفقدها في السجن إلا أنّ الله تلطّف بي وتوقّف الأمر على جرحٍ غائر. أنا ما آلمني ليس فقط سجنها لي، بل سرقة صحتي وحريّتي، وحتى عائلتي وراحة بالي، كل ذلك في الميزان رجح على الكفّة.»
نظر عبد الصمد نحو السماء يتأمل وهج النجوم: «صدمة فقدانها لجاد كانت شديدة، ماذا لو لم تنتقم من أمّك حقًا.»
شدّ حازم على قبضتيه هامسًا: «أبي! لِمَ تبرّر لها؟ ألم تدرك بعد ما فقدته؟»
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، فكيف تظنّ أن الله قد يخيّبك؟ أتظنّ فيه سوءًا يا ولدي؟ لربّما كان في سجنكَ خيرًا كثيرًا غفلت عنه...»
لم يكد يستكمل قوله إذ بتره حازم بقهقهة خافتة: «ما الخير الذي قد أناله من السجن؟»
لكن عبد الصمد ابتسم وكأن السؤال لم يشكّل فارقًا عنده: «وما الخير الذي ناله نبي الله يوسف عليه السلام حين سُجِنَ غير أن الملك جعله على خزائن الأرض بأمر الله، وماذا نال غير أن مكّن الله له الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وما ناله غير أنّه أصبح عزيز مصر على إثر ذلك؟»
نظر له بالابتسامة ذاتها مسترسلًا: «ها! قُل لي ماذا نال غير ذلك؟»
رفع حازم حاجبيه محدّقًا في كفّيه وقد أفحمه جواب أبيه، وكأنّه كان يقول أن أحيانًا الطريق الذي يبدو خسارة قاسية، هو نفسه الذي يوصله بابًا لم يكن ليصله بدونه. ازدرد ريقه ولم يقدر على الرد، كان محقًّا فسجنُ نبيٍ جليل كان بداية لرفعةٍ عظيمة.
في تلك اللحظةِ تبادر إلى ذهنه ما حاز عليه من خيرٍ وفير عقب خروجه من السجن، اكتشف حب من حوله له، أدرك من كان حقًا الخير في حياته، كسب عملًا يدرّ عليه بمالٍ حلال مبارك، واكتسب ثقة عملاء كثر لم يتخيّلها حين بدأ دراسة علم الاجتماع.
التفكير بذلك كان مستهجنًا بالنسبة له، لكنّه كسب المنزل الذي قضى فيه طفولته وريعان شبابه أجمل الأيّام.
نفى برأسه ليطرد أفكاره دون أن يلحظ والده الذي بلغ مراده، إذ أدرك أنّه أثّر فيه بشكل لحظي، ورغم رؤيته لمشهد استيقاظ ولده من نومه في الغد بأحقاد متجدّدة لكنّ ابتسامته لم تندثر، وربّت على كتفه بحنوٍ أبوي.
استفاق حازم من شروده لينهض من مكانه بلا مقدّمات: «لا، لا لن أفعل. لن أسامحها ما حييت، لستُ مكترثًا لا لندمها ولا لصدق أحاسيسها البالية، أو حججها الواهية.»
بتر غضبه رنين هاتفه ليجد ملاك تتصل به، ففتح الخط دون انتظار: «عزيزتي ملاك! كيف الحال؟»
أجابته ملاك: «الحمد لله خالي، أرجو أن تكون بخير.»
همهم لها: «الحمد لله، أنا بخير.»
تنحنحت بصوتٍ خافت دون أن تقول شيئًا ليعلم أن لديها حديثًا: «هل، هل يمكننا التسكّع غدًا؟ أود مشاركة شيءٍ بالغ الأهميّة معك.»
استغرب حازم من طلبها لكنّه أجاب: «بالطبع لا مانع لدي، أين تريدين اللقاء؟»
ابتسمت: «سآتي إلى بيت جدّتي إن لم تمانع.»
ابتسم الآخر بدوره: «لن أمانع، أهلًا بكِ.»
«في أمان الله.»
طأطأ رأسه بسعادة: «في أمان الله.»
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.