|3| شَحذُ السكّين.
يتّكئ بظهره على قائم الكنبةِ، في كفّه الأيمن يلوّح بسكّينٍ حاد، واليسرى يحكم بالمِشحذ. التقط ورقةً بيضاء بعد أن مرّر سكّينهُ الأسود على المشحذِ للمرةِ الأخيرة، ثم مرّرها بالكادِ فوق الورقة لتنشطر نصفين. ندّت شفتيه عن ابتسامةٍ جانبية تحمل في طيّاتها بغضاء أفصحت عن الشعور الذي يكتنف صدره، ولم يلبث أن ضحكَ بعلوّ صوتِهِ ضحكةً مختلّة زلزلت مسامع الذي يجلس قبالته.
تعجّب فِراس الذي يراقب جنون حازم بعينٍ واجفة، يعاين تفاصيله المرعبة التي لم تتواجد فيه من قبل، راصدًا أدنى التغييرات التي طرأت عليه بعد الحبس الطويل، فلم يدرك أكان الحقد سببًا كفيلًا أم أنّ بيئة السجن بدورها تحوّل أبسط الكائنات إلى وحوشٍ كاسرة لتتمكّن من التعايش مع الجبابرةِ الذين يفرضون سطوتهم على ضِعاف السجناء لتطوير ممالكهم هناك.
الأمر بديهي ومنطقي، فالسجون تحتوي على أشكالٍ وألوانٍ من السجناء، وأضعفهم من تورّط ظلمًا كحازم أو من تورّط في جرائم تستقضي سجنًا لبضعةِ شهورٍ أو عامين كحدٍ أقصى، كمن يسرق هاتفًا أو محفظة، يخرّب ممتلكاتٍ عامّة، يدخل مناطق غير مصرّح التسكّع بها، والشجارات الغير مبرّحة.
لكن بالحديث عن أقواهم فيتربّع على العرش زعماء العصابات الذين لم يتركوا نازلةً لم يرتكبوها، وهم من يعمّروا في السجن سنواتٍ طوال عدا عمّن يُعدم وأمثال هذه الجرائم، القتل العمد مع سبق الإصرار والترصّد، الإتجار بالبشر والممنوعات، الاختطاف، والاعتداءات الشديدة التي تخلّف آثارًا وخيمة للمجني عليه.
حين تجتمع الفئتين يتورّط الضعفاء في نزالاتٍ وتمرّدٍ يؤذي قسمًا، لكنّه يرغم من فاض به الكأس أن يشهر أنيابه مطلقًا العنان للوحش من جوفه، فهم يكتفون من تعذيب رجال الشرطة لهم لينتهي بهم المطاف في الزنازين تحت رحمة المجرمين الطغاة.
«لستُ أدري مالَكَ تتصرّف على هذا النحوِ من الجنون، إنّكَ مسالِمٌ يا حازم، ما الذي جرى؟ أربّاك السجن على هذا؟ أن تكون عديم إحساس؟»
لقد أخبره بصدقٍ تام عن ماهية شعوره دون مواربة، لكن المحبط كان حين رفع حازم رأسه صوب الآخر، وضع السكّين على المنضدةِ أمامه ملتقطًا فنجان قهوته مرتشفًا منه، ثم نظر صوب النافذةِ مجيبًا ببرود: «نعم، أنا كنتُ مسالمًا، لكنّ السجن علّمني ألا أصمت عند ظلمي، ما فعلته بي كان وبيلًا أرسلني لعذابٍ آخر تحت أقدام الضبّاط والمساجين السفهاء، لم أعرف أين أصرّف ذلك، لقد قتلتني آمال حيًا.»
ثم عاود حمل السكّين متابعًا شحذه، فلم يكتفِ بحدّته، وكأنّه يرغب بأن يبلغ أقصى مدًى من الحدّةِ ليعود على نفسه بنجاحٍ يُذكَر. بينما فراس المسكين صفع جبينه برفقٍ، يظهر عدم رِضاه عن أفعاله، يصرّ على رغبته في الانتقام، إنّ ناره تتقد في عينيه كسعير لا يخبو، لقد بدا مرعبًا بهيئةٍ لم يكتسيها من قبلُ أبدًا.
فراس وجد أن رفيقه فقد نفسه، وحازم وجد أنّه أنقذ نفسه بطريقته.
«أنا فقط أودّ أن أعرف، إن كنت خرجت من السجن منذ مدّة جيّدة، لمَ ترغب بالانتقام الآن؟ لمَ لم تنفّذه وهو في أوج اشتعاله؟» سأله فراس بحيرةٍ شديدة
التقط حازم نفسًا عميقًا وهو لا يزال على قدرٍ من البرود، دون أن ينزع ناظريه عن النافذةِ يراقب السيّارات التي تمرّ من أمام باب المبنى السكني: «لِمَ تُشعرني وكأنّ رغبتي في الانتقامِ حديثة؟ إنّك تُحيطُ بها علمًا.»
رمقه الآخر بحدّةٍ ونبس منفعلًا: «إنّي أدري برغبتكَ في الانتقام، لكن لِمَ الآن؟ لِمَ صمتّت بضعة أشهر؟»
ابتسم حازم بالكاد: «بإمكانكَ القول إنّي بلغتُ أشدّي مع القليل من اللامبالاة الآن. ضميري كان حيًا حين خرجت لكنّي قتلته منذ فترةٍ وجيزة بعد أن بدأت ألتمس دفعي لضرائب أفعالها.»
لم يكن فراس راغبًا أن يتورّط رفيقه في هذه الجريمة، بغض الطرفِ عن الأسباب: «افهمني أرجوك، إنّك لا تزال في الثلاثين، فلا تُلقِ بنفسكَ إلى التهلكة فتغدو نادمًا، أرجوك، إنّك صديقي الأعزّ وأخشى أن أخسركَ.»
دمعة خائنة انسابت على وجنة حازم والتي لم تخفّف برود سحنته. مسحتها بعنف مجيبًا: «أعتذرُ إن كنتُ سأكسركَ بفعلتي، لكن عدني أن تسامحني إن أُعدِمتُ واقتصّوا منّي لروحها.»
أدرك فراس أن صديقه يصمّم على تنفيذ انتقامه بعد كل شيء، ورغم كل حوار يخوضانه بهذا الخصوص، إذ يعود خالي الوفاض في كل مرة دون أدنى تأثير على تفكيره، فمهما حاول معه يبقى على موقفه مصرًّا. إنه وجلٌ عليه، وشهد على معظم ما عاشه من ضغوط، إلا أنّه لا يبرّر رغبته في القتل، فهي في المقام الأول خاطئةٌ وستسلبه حرّيته وربّما روحه.
رفع رأسه: «كيفَ أسامحكَ وأنتَ تريدُ إهلاكَ نفسكَ؟ إنّكَ أخي ولستَ مجرّد صديق، أتوسَل إليكَ فكّر مليًا...»
رفع حازم مجموعةً من الأوراق هذه المرّة ممرّرًا السكّين عليها لتنشطر بكلّ سلاسة، فضحك مستبشرًا: «غدت السكّينة أهلًا لتقضي وطري.»
زفر فراس تنهيدةً مُبلسة، فكلماته راحت هباءً منثورًا، وأدركَ أنّه يطحن ماءً. حنى رأسه للأسفل قليلًا مغطيًا جبينه وجزءًا من عينيه بكفّه الأيمن بانهيارٍ طفيف، وهو يبحث عن حيلةٍ مقنعةٍ تجعل الآخر ينكص على عقبيه.
«الانتقام من ذوي القربى من أدهى ما يكون، لكنّي لم أتعلم الصفح بعد.» كسر حازم الصمت
احتدم فراس وثار حانقًا بصرخة مدوية: «تبًا لكَ. ألستَ تُدرِكُ أنّ حملَكَ حديدةً في وجهِ أحدِهِم يُخرجُكَ عن الملّة؟»
ازدرد حازم ريقه بصعوبة: «إن خَطّ الرجعة ليسَ في قاموسي، سأفعَلُ ما تُسوّلُ لي نفسي تنفيذه.»
أجابه الآخر منفعلًا لعلّه يذكّره بما كانت ضحيّته بالنسبةِ له من قبل: «لكنّها لَم تكُن شخصًا عابرًا في حياتكَ من قبل! ألن يُساوركَ الندم؟»
ضحك حازم بهدوءٍ كأن لم يسمع كلماته: «فِراس. لا أكلّل نفسي بالندم، وليسَ لديّ ما أخسَرُه. إنّي قاتِلُها لا محالة.» نظر له «ولا تستعمل معي أسلوب الابتزاز العاطفي فهو لا يؤثر بي، لقد خسرت الكثير حتّى مات قلبي، لكنّ أسلوبي سيختلف عن أسلوبها، لن أوهمها بحبّي لأطيح بها، كلّا، بل سوف أدعها تتمنّى الموت قبل أن أتخلص منها فعلًا.»
التقط فراس كوب الماء ليتجرّعه دفعةً واحدة، إنّه مشتعلٌ من الداخل حدّ شعوره أنّه على أعتاب سكتةٍ قلبية. هو ليس مؤيدًا لفكرة الثأرِ والانتقام، ليسَ شفقةً على الضحيّة وإنما خوفًا على رفيقه، فهو يعلم أنّه ظُلِمَ فعلًا، لكنّ دعمه لم يبلغ هذا المدرى، فهو يؤمن أن لكل شيءٍ خطوطٌ لا يجب قطعها.
لطالما آمن فارس أنّ الله لا يترك ظلمَ طاغٍ متجبّر يمرّ دون حساب، وإن تأخّر الفرج. وحين ضِيمَ حازم قبل أعوام، أيقن منذ تلك اللحظة أنّ آمال لا بدّ أن تنال عقابها، وأنّ فعلتها الشنيعة لن تمرّ مرور الكرام. فقد جرحت قلبًا لم يظنّ بها سوءًا، وطعنت روحًا وثقت بها حتى فقدت اتّزانها.
كان فراس ذاك الصديق الهيّن اللين؛ داعمًا بكل جوارحه، وفيًّا متفانيًا، وقلبه جيّاش لمن يحب. وهذا ما يدفعه إلى حساب كل خطوة، وإلى محاولاته المستميتة لإقناع حازم بالعدول عن قراره.
رنين هاتف فراس بتر ذاك السكون المهيب، التقطه عن المنضدة ليجد والده يهاتفه. فتح الخط ليتحدّث معه لمدّة دقيقتين بالضبط، ثم نزعه ليلقي نظرةً صوب الآخر، ناهضًا عن مضجعه مستأذنًا.
«إنّي أعتذر لكن والدي يطلبني لأمرٍ مهمٍ في الشركة. أرجو منكَ التفكير مليًا في الأمر، فهي في نهاية المطاف هي...»
وقبل أن تسنح له الفرصة ليتمّ قوله، اغتاظ حازم ليهمس في وجهه بحقدٍ عارم دون ذرّة خجل: «تظلّ عدوّتي، هي ووالدها، وسينالان عقابًا لاذعًا منّي، سأجعل رئيس البلدية المعتوه الخرف ذاك يبكي دمًا عليها، وسأخرج بوجهه بزهوٍ معترفًا أنّي من فتَكَ بها. في قتله هو لن ألقى اللذة بقدر ما أقتلها، فحين تموت هي سينكسر هو بدوره.»
نفى فراس برأسه يائسًا: «لا تثريب عليك، لقد فقدت عقلك حتمًا.»
ابتسم له بزيفٍ مجيبًا: «بالضبط، المجنون رُفِعَ عنهُ القَلَم، فلمَ لا زلتَ تناقشني؟»
نهض فراس عن مكانه معدّلًا كنزته: «لا وقت لدي لنقاشٍ عقيم، قد أعود إلى هنا في المساء لعلّي أحافظ على ما تبقّى من رجاحة عقلك المعهودة التي فقدتها.»
لم يرتدّ لحازم طرفه، واكتفى بقلب مقلتيه في محجريهما بضجرٍ جليّ مما دفع رفيقه أن يتنهّد ضيقًا ثم يغادر المكان برمّته، فهو يدري ما إن يُطيل النقاش حتّى يؤول بهما المطاف إلى خصامٍ غير محبّذ.
بقي حازم بمفرده في شقّته الصغيرة ذات الأثاث البالي. رفع رأسه محدّقًا في ورق الحائط الممزّق، يتلمّس أريكته المهترئة وينطق بين أنفاسه الغاضبة كل كلمةٍ تمثّل خيبته.
«موتكِ لن يكون إلا على يدي يا آمال...»
نهض عن مضجعه متّجهًا لغرفته، فاستوقفه منظره في المرآة، ليزدرد ريقه ممتعضًا، محملقًا في ندبةٍ عاموديةٍ طويلة تبدأ من فوق حاجبه بقليل مرورًا بعينه ووصولًا لأعلى وجنته، أغلق جفنيه بهدوء، لكنّه شد على قبضتيه غيظًا مُبديًا بغضاءه حيالها.
«ذاك الشرطي الحقير الظالم...» فتح جفنيه مجددًا «ستدفعين الثمن غاليًا.»
ليست آمال من تسبّبت بتلك الندبة، لكن شهادتها كانت سببًا مباشرًا لوقوعه تحت سطوة رجال الشرطة. فاقم ذلك كراهيتهه لها وللكون، ولجمع البشر. يؤمن أنّ الإنسان ما داس أرضًا إلا وعاث فيها فسادًا، وأنّه مهما جرى وحدث، تبقى سجيّة البشر على شرٍ دومًا، وأن كل شخصٍ فقط ينتظر الفرصة المناسبة ليشهر أنيابه على نهبته فيفترسها.
«فقط دعيني أتيقّن من مسكنكِ، ومتى يغادر زوجكِ الحبيب إلى عمله، فألقّنكِ درسًا سيشقي كل من حولكِ عمرًا، بالأخص والدكِ المتعجرف.»
شدّ على قبضتيه ثم سحب زجاجة عطرٍ بخطف البصر ليلقيها على مرآته فتتحطّم ويتناثر زجاجها في الأرجاء.
صرخ بعلو صوته: «ولدتُ وحيدًا، وسأبقى كذلك. ولن أغفر لأحدٍ مطلقًا.»
بدت كلماته متناقضةً لا علاقة لواحدة بالأخرى، فقط ابتغى أن يفرّغ ما أثقل فؤاده. نظر إلى خزانة ثيابه، فتحها ملتقطًا منها سترةً جلديةً لا تلائم هذا الطقس الصيفي، ثم ارتداها ملقيًا قلنسوتها فوق رأسه لتغطّي نصف وجهه، سحب قلادة السلسلةِ التي لا تبرح جيبه ثم خرج من المنزل.
استقل إحدى الحافلات متّجهًا إلى إحدى الكليّات المرموقةِ في البلاد. ترجّلها بعد أن دفع المبلغ المطلوب، ثم دلف مبنى الكليةِ، يسير بين أروقتها وهو على بيّنةٍ بوجهته، إذ يرغب بمقابلةِ المدير عاجلًا وليس آجلًا. كانت خطواته السريعة وهيئته مخيفة ولا تتلاءم مكان راقٍ كهذا، لا يحوي سوى المنمّقين ومصقولي الفِكر.
توقّف على بُعد مترين من باب غرفة المدير الذي كان مواربًا، فلم يلبث أن تقدّم مستكملًا سيره داخلًا إلى الهناك عقب دفع للباب بقدمه. رفع المدير وضيفه ناظريهما صوب المقتَحِم، ولم تتسنّ الفرصة لأحدهما النطق بكلمةٍ، إذ اقترب حازم من الضيف مخرجًا سكّين الجيب دون أن يفتحه مهدّدًا إياه.
«لي حديثٌ مهمٌ مع المدير وأحتاج لأخذ وقتكَ منه. ستخرجُ من هنا بكل احترامكَ كأنَّ شيئًا لم يحدث، وإن أطلعتَ أحدًا بما يحدث الآن، سأبحث عنكَ وأجدكَ وأقضي عليك. هل كلامي واضح؟»
ارتجفت أوصال المسكين الذي أومأ برأسه، ثم فرّ هاربًا بعد إشارة حازم له. أصبحا لوحدهما الآن، الباب مغلق، والجدران تنكمش عليهما من فرط التوتر.
«ألن ترحّب بتلميذكَ المحظور يا نورس؟» ثم خلع القلنسوة عن رأسه ليكشف عن ملامحه
وسّع نورس مقلتيه بصدمةٍ حين رآه، فعادت بعد ذاكرته لذاك الطالب الذي حُظِرَ من الدراسة في الكليّةِ حتّى بعد خروجه من السجن، بعد تهمة القتل التي وُجهَت له، فكان ادعاؤه أن هذا سيمسّ بسمعة الكليةِ ويعود عليها بالخراب، وان أمثال حازم سينشرون الخُلقَ السيئ.
«حازم!!» نبس نورس بخوف
شخر حازم بسخرية معيدًا سكّين الجيب إلى سترته: «لم آتِ لقتلك. بل أتيتُ إلى هنا لأخبركَ أنّ تبرئني في كل أرجاء كليّتكَ، وأحذّركَ من عواقب رفضك لطلبي.»
كشر نورس بغضب: «يستحيل أن أبرّئك، هل جئت لتنالها عقب سجنك لسبع سنوات؟»
ضحك حازم عاليًا مخرجًا ملفّ دراسته المطبوع عليه باللون الأحمر بخطٍ ضخم "مرفوض" ورماه أمامه: «جئتك قبل شهرين لاستئناف دراستي لكنّك رفضت بحجّة أنّي مجرم، إذن أقل شيء تفعله بعد حرماني من طلب العلم أن تبرّئني.»
نهض نورس عن مضجعه، مشيرًا للباب بسبّابته صارخًا: «غادر وإلا شكوتكَ للأمن.»
ابتسم حازم مخرجًا أوراقًا من جيبه: «حقّك، لكن قبل أن تطلب الأمن، أودّ وبشدّة أن أطلعَ زوجتكَ المسكينة على هذا. ليس من المنطقي أن تجري الماء من تحت قدميها دون شعور. قلبي ينفطر على النساء الرقيقات.»
ثم رمى الأوراق في وجه الآخر بعنفٍ ليغلق عينيه. ما لبث أن فتحهما ليرى صورًا له مع إمرأة أخرى غير زوجته، وفي أماكن عديدة، كالسينما، المركز التجاري، مدينة ملاهي مع فتًى في الإعدادية. امتقع وجهه وازرد ريقه وكسر الصمت: «لكن، لكن هذه...»
بتر حازم قوله بابتسامة عابثة: «زوجتك الثانية وابنك منها، أعلم. لكن هل زوجتكَ الأولى، تلك المسكينة، تعلمُ بذلك؟ أم أنّها تحت طيّ الاستغفال؟»
ارتجف نورس وعدّل ياقته وربطة عنقه بتخبّط: «اسمعني يا حازم، دعنا نتفاهم، ونحل المسألةَ وديًا. سوف أبرئكَ وأعيد فتح ملف دراستكَ لتستأنفها، فقط لا تفعل شيئًا يندم عليه كلانا.»
جلس حازم على الكنبةِ أمامه، رفع رجليه واضعًا إيّاهما على مكتب نورس متظاهرًا بالتفكير: «أمم، لنرى، فكرة سديدة...» نظر له بمراوغة «لكن لا... رؤيتكَ تُذلّ أجمل لدي من تبرئتي، فأنا سجنتُ وما عاد لي شيء أخسره، لن أندم يا عزيزي.»
ثم ملفّ دراسته دون الصور قائلًا بابتسامة جانبية: «احتفظ بالصور فهي مجرّد نسخ مقلّدة، الأصلية في جعبتي يا مديرنا الغالي.»
لمزه باستهجان وغادر مكتبه متجاهلًا توسّلات نورس الخائفة، ثم غادر الكلية برمّتها. علم نورس أن مجيء حازم لم يكن فعلًا لطلب التبرئة، فسبع سنواتٍ مرّت قضاها بالسجن، إذن فلا فائدة من ذلك، علم أن كل هدفه كان إذلاله وتحقيق انتقامٍ لاذع يعيد له كرامته المسلوبة.
كان يصارع أفكاره بخوفٍ ورعبٍ فبيته على أعتاب الخراب، وهو من أوصل نفسه إلى هنا، فرغم أن المحكمة حكمت عليه بالسجن، كان الجميع على علمٍ ببراءته وأن الشهادة التي أُدليت ضد حازم كانت زورًا وجورًا. لكن نورس آثر تفضيل سمعة كليّته على حساب كرامة أحدهم، ورفض ملفّه الدراسي ومنع إمكانية استئنافه.
استقل حازم سيّارته متّجهًا إلى أحد الأحياءِ المرموقة، ليقف أمام بيتٍ كبير، بيت والديه اللذان لم يرياه منذ خرج من السجن، إذ رفض هو رؤية أحد، وقطع علاقته مع الجميع كرهًا وبغضًا، فهو من دفع عاقبة ما حدث، هو من زُجّ بهِ خلف القضبان لجريمةٍ لم يرتكبها، وكل ذلك بسبب أحقادٍ دفينة، لم يكن له يدٌ فيها، وإنّما كان طرفًا مُستغَلًا.
«إن قلبي يصبو شوقًا لرؤيتكما، لكنّي لا أطيق النظر لأحدكما. أعلم ألا ذنب لكما، لكنّي رأيتُ من منّا دفع الثمن.»
التقط نفسًا عميقًا بعد أن نبس بتلك الجملةِ بصوتِهِ الكسير، وقبل أن يوشكَ على التحرّك، باغته أحدهم بالخروج من المنزل، ليتفاجأ برؤية والديه. توقّف الزمن عند ثلاثتهم، وطال التحديق بين العيون الدامعة التي تنبض شوقًا، لقد رغب حازم لو يترجّل من السيّارة فينهال عليهما بالقبلات ويسقط في حضنيهما، لكن لم يقدر.
حين أوشك كليهما على التقدّم بلهفةٍ مريرةٍ تصرّف حازم سريعًا، وأنزل المكبح اليدوي ثم داس على البنزين مغادرًا، وعيناه ترقرقتا بالدموع أكثر، لتتحدثا بما عجزت عن وصفه أبلغ الكلمات.
باتت الرؤية تغدو مشوّشةً وكل ما يظهر أمامه لم يكن ثابتًا، اهتزّ كل شيءٍ بفعل دموعه وارتجّ، لدرجة أنّه خشي أن يدهس طفلًا أو قطًا أو حتّى طائرًا يسير بقائميه القصيرين على الإسفلت بحثًا عن بعض الحبوب.
«إنّي هالكٌ لا محالة. تبًا لها سوف أدمّرها، سوف أدمّرها كما فعلت بي، لن يمر ظلمها مرّ الكِرام.»
إنّه يستبق الأحداث في رأسه ويرسم في خياله مشهد قتلها، فيصاب بنشوةِ الانتصار اللحظية، ليعود إلى واقعه مرّةً أخرى ويستيقظ من أحلام يقظته إلى كابوس الواقع، وهو يزداد عزمًا أن ينال ثأرَه.
هو يدري أن الثأر لا يجوز شرعًا أو عُرفًا، لكنّه رغم ذلك رمى كل شيءٍ خلف ظهره، لم يعد يحتمل تلك النظرات المُزدَرِية، والهمسات التي لا تنطق سوى باسمه، وإشارات الأصابع إزاءه باستنقاصٍ صريح يخلو من ذرة خجل. ملّ من مخالطتهم، إذ مرّ عليه هذا العام من أصعب أعوام حياته، حتّى وهو في خضم التعذيب تحت أحذية الضُبّاط.
«واللهِ، وبالله، وتاللهِ لن أندم، فما تبقّى في حياتي شيءٌ أخاف خسارته. خسرتُ عائلتي، وخسرتُ حريّتي، وخسرتُ كرامتي بسببها، فماذا تبقّى؟ روحي الميتة؟ فلتذهب مع مهب الريح، لستُ مكترثًا.»
كان يحدّث نفسه بين الفينةِ والأخرى ممتعضًا، وكان يبتغي تنفيذ وعيده لولا أنّه لا يزال يتقصّى خلفها عن بعض المعلوماتِ التي ستضمن له نجاح الخطّة.
ركن السيّارةَ أمام ذاك المبنى الشامخ حيث يسكن، ترجّل منها ثم ولج إليه متّخذًا المصعد. كان يقف في الزاوية مطرقًا رأسه بسكونٍ شديد والقلنسوةُ تغطّي عينيه، وبعض روّاد المصعد يراقبونه بعينٍ شكّاكة من هيئته المثيرةِ للريبة. لطالما حاول معظم جيرانه التقرّب منه والتودّد له بحكم أنّه أعزب ويجلس بمفرده، فيقوم بعض الرجال بأخذ وجباتٍ صحيّة له من إعداد زوجاتهم أو امّهاتهم، إذ كانوا يرونه كل يومٍ يأتي بوجباتٍ سريعة، فاستهدوا عدم معرفته بأساسيّات الطبخ.
أمسك حازم جانبيه رأسه يدلّكهما بتعبٍ واضحٍ أثار قلق أحد الرجال الذين يقفون إلى جواره، فلم يتردّد التربيت على كتفه مواسيًا إيّاه متسائلًا: «هل أنتَ بخيرٍ يا جار؟»
تعجّب الآخر سؤاله ليرفع رأسه ناظرًا له مهمهمًا بهدوء: «الحمد لله، إنّي بخير.»
أمال الرجل رأسه للأسفل قليلًا: «لا تبدو كذلك! دعني أسندكَ إلى بيتك.»
كان الرجل يتوقّع صدًا كالعادة، لكنّه فوجئ حين أذعن له حازم وأومأ له بهدوء: «سأكون شاكرًا لك، إنّي بالكاد أقدر على الوقوف الآن.»
خرج الرجل وهو يساند حازم ممسكًا بوسطه، ثم سأله: «هل أنتَ مريض؟ أو تعاني من شيءٍ ما؟»
نفى برأسه كأن لا شيء يُذكَر: «مجرّد التهاب في الجيوب الأنفية، يسبّب لي الدوران بين الحين والآخر.»
«أمي تعاني منه، وهو مزمن، مما يضطرها ترك عملها والاستلقاء على الأريكة لاستعادة توازنها.»
ثم صمت لوهلةٍ وأضاف: «هذه شقّتك أليس كذلك؟»
أومأ له حازم دون النبس ببنت شفة، ليبتسم الرجل بود: «إنّ بيتكَ مقابلٌ لبيتي.»
لم يلبث أن يفتح الباب حتّى سمع صوت والدته العجوز تناديه بعد أن فتحت الباب: «سند! بني! كنتُ أنتظرك، لِمَ تأخرت؟»
ابتسم لها سند قائلًا: «كنتُ أساعد جارنا...»
ابتسم حازم بتهذيب: «أدعى حازم.»
أومأت والدة سند ونبست بوقار: «لحظةً يا ولدي... سآتيكَ بشيء.»
غارت الأم عن الأعين لمدةٍ وجيزة ثم عادت وبيدها كيسٌ بلاستيكي فيه علبة طعامٍ صغيرة، تحوي بعض الوجبات الصحيّة.
«تفضّل يا ولدي، كُل هذا، سوف يمدّك بالطاقة. أرجو لكَ السلامة.»
ثم قدّمت له الكيس بابتسامة أمومةٍ وعادت إلى الداخل، دون أن تدري ما تركت في قلب حازم من شعور. إنّه وللمرةِ الأولى يشعر بأحدٍ يحنو عليه رغم معرفته أنّه كان مسجونًا. لم يسبق وأن عايره أحدٌ في هذا المبنى، أو جرحه بكلمة، بل كلٌ منهم يلقي على مسامعه التحيّة رغم أنّه قد يبدو فظّا غليظ القلب، أو عكر الملامح. ليس يدري ما السبب، لكنّه موقنٌ أنّه ليس خوفًا.
ربّما لم يعلم أحدهم أنّه ظُلِمَ في قضيّته، والكل على ظنٍ أنّه مجرم، لكنّه منذ فترة طويلة هنا، ولم يلتمس أحدهم منه ضرًا أو أذًى.
«دعني أوصلكَ للداخل يا حازم.»
أومأ له راضخًا للمرةِ الثانية، أخرج مفتاحه وفتح الشقَة ليدخله الآخر إلى غرفةِ المعيشة. شعر سند بشعورٍ غريبٍ حين لمح الحال الرثّ للأثاث، ألقى عليه نظرةً حائرة: «هل لي بسؤالٍ إن لم تمانع يا جار؟»
نظر له حازم: «تريد أن تعلم لِمَ سُجِنت ولِمَ حالي هكذا، أليسَ كذلك؟»
تسمّر سند مكانه حين أصاخ قوله، فلقد فطن بما يريد سؤاله، لكنّه سرعان ما أدرك ان غيره قد طرح هذا السؤال من قبله.
«هل طرح عليكَ أحدهم السؤال من قبلي؟ أم أنّكَ خمّنتَ من تلقاء نفسك؟»
تنهد حازم مستسلمًا: «لستَ أول من يسأل ولستَ الأخير. لقد تخلل السؤال مسامعي عددًا لا بأس به.»
ظل سند على صمته لينظر له الآخر متمًّا قوله: «لقد سجنتُ بتهمة جريمة قتلٍ لم أرتكبها، بشهادة زورٍ مقصودة ليتم الإيقاع بي. لم أقدر على تبرئة نفسي فبقيت خلف القضبان سبع سنواتٍ بهتانًا. كنتُ قد بدأت دراستي علم السلوكيات آنذاك، متأخّر أعلم، لكن الفرصة لم تتسنّ لي الغوص فيه.»
التمس سند صدق كلماته، فعضّ على شفته السفلى بالكاد آسفًا على حاله، فالحزن كان يحالف سحنته: «أعتذر إن قلّبتُ لكَ أوجاعك.»
نفى حازم برأسه: «كلّا لا تقل هذا، ما حدث قد حدث، انا ففط لا أظنّني سأعود كما كنت، فمع سجلّي الإجرامي لدى الدولة، لن أقدر على مزاولة أي عملٍ أريد، أو دراسة أي موضوع يروقني.»
«يا رجل! الله أكرم الأكرمين، لا تظنّه سيتركك في محنتك، اصبر واصطبر ولا تقنط من رحمته، فحتّى وإن طال الفرج، يبقى آتٍ على مطاياه لا محالة.»
طبطب عليه ببضع كلمات ثم تركه يرتاح بمفرده. فتح حازم علبة الطعام المعد في المنزل وبدأ أكله، لكنّه وبمجرد أخذ القضمة الأولى، شعر لو يجهش باكيًا، فلقد ذكّره ذلك بأيام طفولته حين كان مرتاح البال، تذكّر طعام والدته، وصوت أبيه، وأطيافهم وهي تحوم حوله.
«لِم كل شيءٍ يتكالب عليّ ليذكّرني في الماضي!»
كان لأول مرّة بعد مرور أعوامٍ يتناول طعامًا نظيفًا، معدًّا بحبٍ صافٍ، لقد عاش على طعام السجن السالب للعافية والصحة، ويتذكّر آخر وجبةٍ أعدّتها والدته والتي لا يفتأ طعمها براعم تذوّقه.
طال الكتمان طويلًا فما عاد لعينيه متّسعٌ لكبح دموعه لولا أنّه كابر عليها، رفع رأسه مغلقًا جفنيه يتنفّس ببطءٍ شديد ليحافظ على رباطة جأشه من التمزّق.
«هل أكذب على نفسي؟ صورتهما لا تبرح ذاكرتي.»
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!