|11| سِرّ أُمّي.
تتواجد ملاك في بيت نغم صديقتها وتحديدًا في غرفتها الخاصّة. الشمس غربت منذ نصف ساعة، وها هي ملاك تحدّث صديقتها عن كل شيءٍ حدث بصراحة دون مخاوف. تجلس في منتصف السرير تحتضن الوسادة بذراعيها، ونغم إلى جوارها، تضع كأس عصير على المنضدة الجانبية.
في معظم الأحيان يفتضح الارتجاف كل ما يعتمل داخل الصدر من شعورٍ خانق، حتّى وإن كانت النبرة هادئة تمامًا. ملاك ماهرةٌ حتّى هذه الهنيهةِ الإغلاق على انهيارها لتقدر على إتمام حكايتها، وتشعر أنها على شفا الانفجار، تبتلع غصّةً تتوسّط حلقها، ولم تكن تزول، وإنّما تصمّم على حجم أنفاسها قسرًا.
أن تتحدّث عن خالها أو حتّى تفكّر به فقط يفقدها ما تبقّى من تمالك أعصابها، إذ أنّها علقت بين نارين، والقرار الوحيد تحت زمام سيطرتها أن تختار في أيّها تحترق. تدرك ندم والدتها الذي بات جليًا دون حديث، وتعلم بحازم الذي يصمّم على رفضه الشرس.
تحب كليهما، لكنها لا تتوانى عن النطق بالحق وكان ذلك ما تخبّئه ولم تنطق به بعد.
وسّعت نغم مقلتيها صارخةً بصدمة: «ماذا قلتِ؟ ذاك الرجل الذي كان يراقبكِ كان خالك؟ لِمَ لم تخبريني من قبل؟»
تنهّدت ملاك وبقيت على صمتها تلملم كلماتها في جملة، ثم قالت: «نحن في عطلةٍ دراسيّة، ولم أرغب أن أطلعكِ بهذا كلّه عن طريق الهاتف، لهذا طلبت المجيء عندك، فما عدت تحمّل كبت مشاعري.»
غطّت نغم فاهها بكفّها ثم جلست أمامها: «أخبريني بأدق التفاصيل وأكثرها مللًا، أريد أن أعرف كيف بدأ كل شيء.»
نفت ملاك برأسها، لتدلّك جانبيه باضطراب: «لا أعرف من أين أبدأ، كل شيءٍ يبدو غير منطقي.»
نغم اقتربت أكثر، وضعت يدها على كف ملاك: «ابدئي كيفما تشائين، أنا أسمعكِ.»
أعادت ملاك رأسها للخلف ملتقطةً شهيقًا عميقًا، ثم نطقت بصوتٍ متهدّج: «ذاك الرجل يكون خالي حازم. سجن سبعة أعوامٍ بعد أن كان كل شيء طبيعيًا. أمّي... كانت السبب في ذلك، اتهمته زورًا.»
كانت تتحدّث بعشوائية دون ترتيبٍ أو تشذيب فلم تدرِ من أي نقطةٍ تبدأ وماذا يجب أن تقول أولًا، فكل شيءٍ في الحكاية معقّد ولا يقدر الكل على تجميع الأحداث دون أن يغرق في دوامة.
تعجّبت نغم، لتسألها: «زورًا؟ ماذا تعنين؟»
هنا الجزء الأكثر إيلامًا، إخبار صديقتها بجُرم أمّها لن يكون سهلًا. مسحت ملاك على ذراعها اليسرى: «تعلمين أن أخي الصغير جاد وقع عن حافةٍ مرتفعةٍ ولقى حتفه، فقامت أمّي باتّهام خالي بدفعه، وشهدت ضدّه في المحكمةِ لكي يُسجَن.»
نظرت لها نغم بصدمة: «لكن أليسَ أخوها؟ كيف فعلت ذلك؟»
غرست ملاك وجهها في الوسادة متذمّرةً: «المشكلة أن خالي حازم ليس شقيق أمّي، فكلٌ منهما من أبٍ مختلف، ويعود ذلك لحقد أمّي على جدّتي عزّة التي انفصلت عن جدّي هاني منذ زمنٍ بعيد، ولّد ذلك رغبة انتقامٍ لدى أمّي من جدّتي ادعاءً منها أنّها ظلمتها.»
نظرت لنغم مستكملةً: «لكنّهما لم يتفاهما ولم يقدرا على الاستمرار، وأمّي كونها كانت طفلة آنذاك لم تتقبّل هذا.»
أمسكت نغم ما بين حاجبيها بتخبّط ثم نظرت لها: «وما علاقة خالك بذلك؟»
«وفقًا لما سمعته من أمي وأبي سرًا، كانت أمّي تأتي بخالي إلى بيتنا استغلالًا له ليرعانا في الصغر، وليس لأنّها أحبته فعلًا، وسمعت أبي يقول لأمي بلهجةٍ حادّة أنها انتقمت من جدتي بابنها، واستغلت موت جاد لتنفذ.»
شخص بصريها للأسفل لتنهار باكيةً، تلتقط حقيبة يدها الجلدية لتخرج منها أوراقًا قديمة: «لكنّي اكتشفتُ اكتشافًا لم يسُرّني...»
أعطتها الورقة: «أمّي أُصيبَت باكتئابٍ حاد بعد موت جاد. لقد جلستُ مع أبي قبل مدّة وأراني تقاريرها الطبيّة، لهذا لم يسمح لي بالتطاول عليها، أو مفاقمة ندمها، وفهمت منه أنّها لم تكن على الدنيا في ذاك الوقت. ربّما جدّي هاني وأبي قاما بلومها لأنّها لم تستمع لهما، لكنّهما بالمقابل أشفقا على حالها، كما أنا الآن.»
هنا أقرّت ملاك بقولها أن والدها وجدّها والد أمّها كانا يقفان في المنتصف، بحيرة قاتلة، حيث لا براءة كاملة، ولا إدانة مُطْلَقَة.
نظرت لنغم التي كانت تحمل التقارير بيد مرتجفة: «عولِجت بالـ... بالصدمات الكهربائية؟»
أومأت لها ملاك ببكاء شديد: «نعم...»
استغربت نغم: «لكن أيؤخذ بشهادتها في تلك الحالة؟»
«قال أبي إن أمي لم تبدُ كمريضة بقدر ما بدت باردة، ثم إنّها لم تفقد إدراكها أساسًا، وكانت تتكلم بشكل طبيعي. والمحكمة اعتمدت على ذلك، ولم تطلب تقريرًا نفسيًا.»
تنهدت مستطردةً: «كنتُ أنا ألومها لومًا شديدًا. ما فعلته كان خاطئًا، لكنّه لم يكن بيدها، أمّي لم تنجح معها علاجات كثيرة ووصل بها الحال إلى هناك. صدمة أمّي من والديها انفجرت مع رحيل جاد، ورغم عدم تقبّلي أنّه صُبّ في خالي الذي فقد أعوامًا من حياته، أشفق على أمّي، كًسِرَ قلبي.»
عضّت نغم على شفتها بحسرة: «أنا لستُ أعرف ماذا أقول، كلاهما آلم قلبي، فالاكتئاب هو ناخرٌ للسعادة ويسرق من الإنسان أجمل ما يملك، وربّما يدفعه للتفكير بطريقةٍ مؤلمة تستنزفه، لكن على الضِفّةِ الأخرى، خالكِ فقد حريّته ولا بد أنّه تعرّض لأشكالٍ من التعذيب، فهذه القضايا في بلادنا لا يتساهل فيها الضبّاط مع الجُناة، ويفرّغون فيهم غليلهم.»
حاولت ملاك كبح شهقاتها باستماتة: «أتذكرين حين... حين أخبرتكِ أن رجلًا... حاول قتل أمّي بسكّينٍ وسط بيتنا...»
همهمت نغم بإيجاب: «أذكر...»
أذعنت لدمعتها بالنزول: «كان خالي حازم هو الرجل، لكنّي حينها لم أكن متأكدة من هويته بعد، ولهذا لم أخبركِ في الكليّة.»
شهقت نغم شهقة طويلة، ووضعت كفها برفق على رقبتها: «خالك حاول قتل أمّك؟ لا بدّ أنّه ثأرًا! أليسَ كذلك؟»
أومأت ملاك بالكاد: «نعم، حاول قتلها لكنّه لم يقدر، أخبرني أنّه تذكّر كل شيء، وأنّه فكّر بجدتي وبي، وعدم قدرته على تنفيذ ذلك. بات وكأنّه الآن يتهرّب منها نفورًا.»
«ألا تتوقّعين أن يعاود الكرّة؟ أن يحاول قتلها من جديد؟» سألت نغم بخوف
نفت ملاك برأسها: «كلّا، لن يفعلها، إنّه لا يقدر على ذلك، إن جدّتي رادع ممتاز، ثم لمعرفتي به هو لا يمكنه أذية أحد.»
عدّلت جلستها لتقول مجددًا: «يوم تغيّبتِ عن الكليةِ قبل مدّة جاء إلى هناك فطلبت منه أن يرافقني إلى مقهى، لم يرفض طلبي. هناك صارحته أنّي أعرف كل شيء، لم يذكر لي معرفته باكتئاب أمّي، لذا سألت أبي عمّا إذا كان يعرف، فتبيّن أنّهما أخفيا عنه الأمر.»
نغم بحسرة: «يا إلهي، أتظنّين أنّه لو عرف بذلك سيسامحها؟»
«لا أظنّ ذلك.» أجابتها «فهو يؤمن أنّها سلّمت شهادتها للمحكمةِ وتركته خلف القضبان، ثم انشغلت بمزاولة حياتها المُترَفة.»
تنحنحت نغم بحرج: «وبحكم أنّه لم يسامحها، هل ستمتنعين عن رؤيته؟ أو أنتِ سترفضين من تلقاء نفسك مقابلته؟»
قطبت ملاك جبينها بتعجّب: «ولِمَ قد أفعل ذلك؟ والديّ لم يمنعاني ثم إنّي أرى خالي يحترق، ما فعله معي أثبت ذلك. يا نغم، لقد كان يلاحقني لفترةٍ جيّدة، فقط يحدّق بي أو يقول كلماتٍ مبهمة كأنّي أعرفه لكنّ دون تذكّره، وأحضر لي قلادة من الفضّة. هذا يدلّ على شخصٍ يعرف عنكِ كل شيء، عاش معكِ غالبًا...»
نغم بجدية: «لكن ملاك ماذا لو لم يسامح؟ ألن يؤثّر ذلك عليكِ ولو قليلًا؟»
همست ملاك بوهن: «بل كثيرًا. يؤلمني أن خالي ليس على وفاق مع أمّي، وأنا أحبّ كليهما، لا أقدر على التطرّف...»
نغم تنهدت بعمق: «يا له من مأزق، أنتِ محصورة بينهما. أتفهم إحباطكِ.»
ملاك نظرت للنافذة بشرود: «أتسكع مع خالي على الدوام، أراقب نظرات أمّي المتحسّرة الخفية خلف ابتسامتها المقتضبة أثناء توديعها لي حين أخرج معه؛ فأشعر بالعجز. أفتح ألبوم الصور فأتألم حين أراهما معًا يضحكان وأسأل كيف حدث هذا؟»
توقّفت لوهلة: «في كل مرة أزور خالي، أرى نظراته الموجعة. فلا أستطيع إخبار أمي لئلّا تحزن، ولا أستطيع إجباره على المسامحة. لكني أعلم إذا ما استمر هذا الجفاء، سيموت الكثير معه، وربّما أنا.»
حاولت نغم كبح عبراتها لكنّها أمطرت، ثم سحبتها لتعانقها: «لستِ وحدكِ في هذا، سأظل هنا. وربما يومًا ما كلمة واحدة من أحدهما ترمّم الكسر.»
همست ملاك: «كم أرغبُ أن أجد وسيلةً تقرّب أمّي من خالي، لكن كيف؟»
سرعان ما تبادرت فكرة لذهن ملاك لتوسّع عينيها مقهقهةً بصوتٍ مرتفع، لتعقد نغم المسكينة حاجبيها بدهشة وتفصل العناق قائلةً بخوف: «ملاك! لِمَ تضحكين؟ هل جننتِ؟»
لكنّ الأخرى أعادت ظهرها للخلف تتكئ على قائم السرير كالشبّان الطائشين، ترفع حاجبًا واحدًا وهي تحدّق في الفراغ: «وجدتُ الوسيلة لتقريبهما.»
ابتسمت نغم ماسحةً دموعها: «ما هي؟»
ابتسمت ملاك ابتسامةً ملغومة أثارت رعب الأخرى، ثم أمسكت كتفيها برفق: «أنتِ قريبة من أمّي لذا... تزوّجي خالي، سأقترح عليه ذلك، لن يمانع صدّقيني.»
فغرت نغم شفتيها بصدمة وهمست: «يا إلهي! هل جننتِ؟»
أجابتها الأخرى: «نعم... أعني لا. لا تتعجّلي وفكّري في الموضوع، خالي رجلٌ شهم وسيعجبك، إنّه يدلّل النساء.» اختتمت قولها بخبث
كتّفت نغم ذراعيها: «يدلّل النساء؟ هل أخبركِ أحدهم أن أسلوبكِ في الإقناع مبتذل، إن كان موقفي حياديًا من قبل، فسأرفض الآن بكل تأكيد.»
ضربتها ملاك بخفّة على كتفها: «تفكيركِ سيئ، لقد قصدّتني وجدّتي، إنّه يعرف كيف يدلّلنا. رجلٌ نبيل.»
صفعت نغم جبينها نافيةً برأسها: «لن أرد! لأحافظ على ما تبقّى من هدوئي.»
شابكت ملاك أناملها وقالت بصوتٍ متودّد: «أرجوكِ لا تتسرّعي، فكّري بالأمر!»
شدّت نغم على قبضتيها: «هل جننتِ؟! إنّه خالكِ!»
هزّت ملاك كتفيها بلا اكتراث ظاهر: «وما المشكلة؟ ليس بينكما شيء محرّم، هو أعزب، وأنتِ لا تمانعين برجلٍ يشبهه، فلماذا لا تختصرين الطريق وتتزوجان؟»
«لا مستحيل، ثم إنّه كبير بالسن، كيف تجرأتِ على طرح اقتراحٍ كهذا حتّى؟»
أشارت ملاك لنفسها ضاحكةً: «خالي! كبير! يا فتاة إنّه سيبلغ الواحد والثلاثين قريبًا. يكبركِ بستةِ أعوامٍ فقط.»
«ماذا قلتِ؟ ستة؟ فقط؟» سألتها نغم بدهشة
«نعم، ألم تبلغي الخمسة والعشرين في بداية العام؟»
زمّت نغم شفتيها: «إلى أين تحاولين الوصول؟»
ابتسمت ملاك باتساع: «أن تقتنعي بالزواج.»
لوّحت نغم بسبّابتها: «أتعلمين ما المشكلة في كلامك؟»
همهمت ملاك: «ماذا؟»
كتّفت ذراعيها: «أنّكِ تقرّرين نيابةً عنّي وعنه دون أن أقبل أنا أو يعرف هو من الأساس.» ابتسمت بزيف: «مشكلتي أنّي درست أكاديميًا متأخرًا وصادقت من يصغرني سنًا.»
أجابتها بزهو: «الوعي مقترنٌ بالعقل وليس بالعمر.»
ضحكت نغم: «لكنّكِ بالطبعِ مستثناة.»
غطت ملاك وجهها بكفّيها لتبتسم نغم وتقول: «لديّ اقتراح...»
نظرت لها ملاك بلهفة: «نعم قولي.»
أشارت صوب التقرير الطبي: «لديكِ موعدٌ معه بعد قليل، خذي التقرير معكِ وأرِهِ إيّاه حتّى وإن كانت بوادر الأمل ضعيفة أو حتّى معدومة.»
«لكنّي أخاف أنّـ...»
بترت نغم قولها: «الخوف سيعيدكِ للخلف فقط، ولا ضرر من المجازفة في ذلك.»
أومأت لها، لتنهض عن السرير من فورها ململمةً حاجيّاتها: «كنتُ سأقول إنّي أخاف ذكاءكِ المبهر.»
كشرت نغم معالمها: «ولكن لِمَ؟»
أشارت بالورقةِ بغضبٍ طفيف: «أنا أحضرتها معي أصلًا لأعرضها على خالي.»
لم تعقّب نغم التي ابتسمت بخزي، لتتنهد براحةٍ ماسحةً كفّها على جبينها حين خرجت الأخرى من الغرفة للمغادرة.
لم تلبث أن عادت ملاك وأدخلت رأسها للغرفة: «لن أستغني عن إقناعكما بالزواج وإن تسوّت الأمور.»
ثم غادرت من جديد لتتنهّد نغم: «هذه ضريبة أن تكون صديقتي المقرّبة أصغر منّي. إنّها لا تمزح.»
أدخلت رأسها مجددًا: «لو لم يكن أبي في الخارج لأتممت إقناعكِ.»
غادرت لتبقى نغم هناك تضحك على مرحها.
* * * *
حين يضيع الإنسان ويلِمّ التيه بكيانه فيزعزعه، يهرول برجليه لسجادة صلاته متضرّعًا لله متذلّلًا. حين يذنب العبد ذنبًا لا يشبهه ويطفئ نبراس تُقاه أو يكسره؛ يدسّ رأسه في الأرض ساجدًا متودّدًا طالبًا الغفران من إله وصف نفسه بالرّحيم.
في ملكوت اللهِ كل قلبٍ مفطور سيشفى، مكروب يُفرج، مريض يَبرأ، مذنبٌ يُغفر له ذنبه. إنّه الباب الوحيد الذي لا يغلق في وجه سالكٍ ابتغى السبيل المنير، وتشرق تلك الشمس لكل من تمسّك بحبل الله الوثيق فتخرجه من أعمق الدَيجور مغدقةً عليه بنورها.
ما أجمل نفسًا استحثّه السير في طريق العُبّاد الأوابين، وما من أصعب من شخصٍ أدرك إثمًا عظيمًا ارتكبه أو أوشك. يستيقظ من غفلته راجيًا نيل البرّ بعد أن سار في طريقه المحفوف بالعثرات.
يجلس حازم على سجادة صلاته بعد أن صلَّ ركعتي توبةٍ يرجو أن تُقبل، يرفع كفّيه عاليًا، يغلق جفنيه، ودموعه خانته لتسقط بعنفٍ غير معهود، وأنفاسه تخرج متقطّعةً لأن قلبه كابد بحمل ذلك.
ضميره يؤنّبه، يصرخ في رأسه مقهورًا، ينطق بالكثير حتّى أوهنته.
"أنّى لكَ أن تفعل هذا؟ كيف حملت سكّينًا في وجه أحد؟"
"أكانت الجنّة لا شيء بالنسبة لكَ يوم رفعتها؟"
"حتّى وإن جارت عليكَ الدنيا لا تخضع لوعيدك."
"لا تأذن لنقاء سجيّتك أن يُدنّس، فلا أحد يستحق أن تخسر دنياكَ وآخرتك وتُقاكَ من أجله."
تساقطت عبرة على وجنته منكّسًا رأسه: «أعلم أن ما فعلته إثم عظيم، لكنّي أرجو منكَ أن تغفره لي.» نكّس رأسه بضعف: «أشهدُ ألّا إله إلا أنتَ وأن محمدًا عبدك ورسولك، فاغفر لي يا أرحم الراحمين.»
«خالي حازم!»
كشر حاجبيه مغلقًا جفنيه يعتصرهما بضيقٍ حين سمع صوت ملاك من خلفه يناديه، وضع كفّه على فاهه بتلبّكٍ فلقد أمسكت به متلبّسًا يبكي بفعل نبرته، لم يكن شرطًا أن تراه.
إنّه الرجل الذي لا يظهر سوى بمنظرٍ شامخٍ هادئ، فكيف له أن يبدو مكسورًا أمام ابنة أخته؟
ما لا يعلمه أنّها ترى وجعه يصرخ في نظراته حتّى وإن حاول مداراته عن الغير، فكل إناءٍ بما فيه ينضح، لقد أخبرت صديقتها قبل قليلٍ أنّها تراه يحترق، إذن هي تعلم بما يمر به من صعاب.
مسح دموعه لئلّا تراها ثم اصطنع ابتسامةً ملتفتًا لها: «حبيبة خالك.»
سرعان ما فوجئ وقطب جبينه لرؤية ترقرق الدموع في عينيها، ففتح ذراعيه لتبتسم له وسط دموعها لتركض نحوه وتجثو على ركبتيها معانقةً إيّاه ليشد بدوره عليها.
«خالي، أرجوك لا تفعل هذا بنفسك، عليكَ أن تتخطّى، لا بد أن تعيش حياتكَ كغيرك، إنّك تستحق هذا.» كانت تتحدّث بصوتٍ خفيضٍ خلال نشيجها.
قهقه حازم بالكاد ليطبطب بكفّه الأيمن على ظهرها: «يا ابنة أختي، لا أجمل من الانكسار بين يدي الله، وما حدث الآن دل على خشوعي وليس على جرحٍ غائر.»
فصل العناق محكمًا بكتفيها: «صدّقيني، منذ خرجتُ من السجن أنا الآن أقضي أجمل أيّامي، والأسباب كثيرة، أفلا أكون عبدًا شاكرًا لوجود من أحب حولي؟»
شردت ملاك فيه تراقب الصدق المترسم على معالمه الهادئة، لم يكن الرجل يكذب. هو فعلًا لم يكذب، يبدو أن كلمات أبيه ليلة أمسٍ عن الخير خلف كل نقمة أثّر فيه وترك في وعيه دمغةً حسنة.
أخفضت رأسها ضاحكةً مستبشرة، هذا ما كانت بانتظاره منه، هي موقنةً أن الصلح لا بد له أن يأتي أو يشتعل فتيله حين تَخفُت الضجّة في عقل حازم الذي لا زال مصمّمًا على مقاطعة أمّه حتّى مع رميه لفكرة الانتقام بعيدًا.
تداركت صمتها الطويل لكنّها لم تكسره سوى بتنهيدة مقتضبة جعله يرفع بصره الحاد صوبها. راقب وضعها لكفيها فوق ركبتيها بحرجٍ، وكان ينتظر منها أن تدخل في صلب الموضوع، يعلم أنّ في جعبتها كلامًا كثيرًا فلقد أخبرته ليلة أمس.
كتّف ذراعيه مبتسمًا بمراوغة: «يا فتاة! لِمَ أنتِ صامتة هكذا؟ أعلم أنّكِ جئتني في موضوع هام، فما الحكاية؟»
جفلت ناظرةً له بدهشة: «ها!» نفت برأسها «ما من شيء، دعك منه.»
قرّرت في اللحظة الأخيرة أن تتهرّب وألا تصارح خالها بما عرفته عن أمّها، خائفةٌ أن يظن بها سوءًا، وأن يعتقد أنّها فقط تحاول إسقاط جزءٍ من التهمة عنها، توجّست من تراجع العلاقة بينهما لو نطقت، لذا رأت أن إسرار الأمر سيعود عليها بفائدةٍ أكبر.
ذلك لم يكن مقبولًا عند حازم الذي انتظر قدومها بفارغ الصبر، حدّق بها ببرود: «تحدّثي يا ملاك، لن تغادري من هنا حتّى تقولي، وأنا أعرف كيف أكشف كذبك فلا تواربي.»
ازدردت ريقها موسّعةً عينيها بعبوس، فهو داهية وسيتمكّن من كشفها فعلًا، لقد علقت ولا مفرّ من مصارحته. تنهّدت ثم نبست: «لا أريد أن أكذب أو أماطل عليك، لكنّي أريد منكَ وعد رجالٍ لا تنكثه أبدًا...»
صمتت لوهلةٍ ثم أضافت منفعلةً قبل أن يتحدّث: «لا تغضب، لا تصرخ، لا تنفعل، والأهم ألا تتغيّر عليّ أو تقطع علاقتكَ بي.»
دق لديه ناقوس الخطرِ ليقطب جبينه مصغّرًا جفنيه يعاين أماراتها الخائفة: «لماذا؟ أهو أمرٌ سيستفزّني؟»
تحاشت النظر له ليعلم بدوره الإجابة، لكنّه آثر عدم الإطالة مستطردًا: «أعدك.»
بينما كانت تنظر له، أعادت ذراعها للخلف ملتقطةً حقيبتها مخرجةً منه تقرير أمّها الطبّي، ثم قدّمته له، لقرأ جملةً بالكاد ويضع الأوراق جانبًا. لاحظت علامات الانزعاج ظاهرةً على وجهه لتشعر باختناقٍ طفيف.
«واللهِ ليسَ تبريرًا لها، أو حجة لما فعلته، فهي ظلمتكَ في المقام الأول، ولستُ أنفي الحقيقة. أقرّ بخسارتك بسببها، لكنّي اكتشفت هذا الأمر يا خالي، الذي أخفاه أمي وأبي عنّا طيلة هذه السنوات...»
رفع رأسه بغضبٍ يدور رحاه: «أنّها كانت مصابة بالاكتئاب الشديد؟»
أومأت له: «المفارقة لو نظرت لتاريخ التقرير. كان بفرقٍ بسيط قبل سجنك.»
زمّ حازم شفتيه بتبرّم وأوشك على النهوض لولا أنّها استوقفته: «أنتَ وعدتني!»
زمجر حانقًا، ثم جلس على مضض: «أنهِ ما عندك.»
اغرورقت عينيها دون شعور، ليس لسخاء دمعتها، وإنّما لعدم رغبتها بجرحه، ورغبتها بإصلاح الشرخ وتحسين صورة أمها في نظره، رغم صعوبة موقفها أساسًا.
لاحظ حازم ذلك فلم يحتمل قلبه: «لا تبكِ يا ملاك، لم أقصد جرحكِ. أتمّي قولك.»
«أمي أصيبت باكتئابٍ حاد بعد موت أخي، وأخبرني أبي أنّها لم تكن على سجيّتها أبدًا، وأنّها تبدّلت عما عرفناها به. حين أتت للمحكمةِ لتشهد ضدك لم تكن على الدنيا، كانت تأخذ أدويةً كثيرة وكلها لم تخفّف ولو نسبة صغيرة من حدّة معاناتها.»
نظرت له: «أخبرني أبي بكل شيء، لا بد أنّك تعلم دعم أبي لك لذا فلا مصلحة له ليبرّر لأمي خطأها، والتقرير أمامك يثبت.»
لم تكن حجّة مقنعة أو كافية بالنسبة لحازم الذي بقي على جموده: «آمال اعترفت بذلك يا ملاك.»
«لم تتجرأ إخبارك عن إصابتها بالاكتئاب لا البارحة ولا يوم حاولت قتلها لذا اضطرّت لمسايرتك، لأنّي حين طلبني أبي صارحني بكل شيء، وأخبرني أن أمّي أدركت أمورًا متأخرًا حيث لم تكن بصحة جيّدة فترة محاكمتك، كما لم يعلم أبي في تلك الفترة أنّ بإمكانه الطعن في شهادة أمّي بالنظر لاكتئابها وأنه يؤخذ بعين الاعتبار...»
«وما الذي دفع حكيم أن يخبركِ بالحقيقة قبل فترة قصيرة؟» سأل حازم
«لأن أمّي كانت تبكي ليلة البارحة وتطلب منه إيجاد حل، وأبي شعر بعجزٍ شديدٍ فأتى ليفضفض لي ويخرج من الحقيقة ما كان متبقيًا، وانا استأذنته أن أخبركَ قبل أن أهاتفك.»
لم يعقّب أو ينطق بكلمة لتبكي على حال أمّها وخالها، وتبكي على هذا الخصام الذي يؤثر عليها قبل الكل. اقتربت من خالها تمسك كفيه بين كفيها تقول بصوتٍ متهدّج: «خالي، لا أرجو منك الصفح... لكنّي أتوسّل إليكَ ضع هذا في الحسبان... لا تنسَ أنّها صُدمت بانفصال جدي وجدتي... وتُركت في عمرٍ صغير لوحدها تعاني.»
طأطأت رأسها تشهق بخفوت: «أمّي كانت تعاني آنذاك، وأرغمت أبي على إخفاء الحقيقة؛ فلم يخبرونا بها، وإنّما تركونا نخمّنها. كل شيءٍ كان واضحًا لكنّنا لم نره.»
كان حازم بالكاد يمسك دموعه، ليس من أجل أخته بل من أجل ابنتها التي فضَلت التذلل له وكسر نفسها من أجل التبرير لوالدتها، التي تحاول جاهدةً ترك أثرٍ يعود عليها بالخير وعلى عائلتها. علم أنّ الكاس فاض بها ولم تحتمل، يبدو أن آمال تعاني في البيت أكثر مما يبدو.
«أمي تعاني الآن أيضًا.» همست بضعف
جفل بخفة حين قالتها، لقد أجابته عن سؤالٍ يدور في ذهنه. لا زال لم يتأثر، لكنّ بكاء الأخرى لم يَهُن عليه، أمسك وجهها بين كفّيه بلمسة رقيقة، رفعه لتنظر في وجهه، لتجد ابتسامةً حنونة على محيّاه.
«لا تبكِ، لا تؤلمي قلبي يا ملاك، تعلمين أنّكِ شخصٌ مميّز بالنسبةِ لي. لم اغضب منكِ ولم تتغيّر صورتكِ في نظري، لكن سامحيني، رفاهية الغفران ليست بين يديّ.»
أومأت له بضعفٍ لتحمل نفسها وتأخذ حقيبتها مستأذنةً منه، ثم غادرت من هناك. علمت أنّه لن يسامح، ولم تخسر من المحاولة في استعطافه، وفي المقابل لا تلومه، فلقد خسر ورأى الكثير، وما باليد حيلة.
كان لا يزال جالسًا على الأرض، والسرير خلفه، أغمض جفنيه مرخيًا جسده ليسقط رأسه على السرير، دموعه دون شعورٍ بدأت تسيل، دون غصّة أو اختناقٍ في الصدر، فقط حالة من الفتور والركود أصابتا فؤاده دون أن يعلم السبب.
وضع كفّه على الأرض ليسمع خشخشةً طفيفة، فتح عينيه ليتفاجأ بتقرير أخته الطبي الذي نست الأخرى أخذه، حدّق فيه مطولًا وقلبه يستحثّه على قراءته مع استرجاع كلمات ملاك منذ بضع دقائق.
«كل شيءٍ كان واضحًا، لكنّنا لم نَره.»
غاص ذهنه في الماضي مسترجعًا الفترة الموالية لوفاة جاد، ليجد نفسه ناظرًا لأخته تلك الفترة الغريبة التي كسرت الجميع وكانت نقطة التحوّل في حياة الكل.
تذكّر أنّها كانت بعد وفاة ابنها كمن انسلخ عن العالم، اعتزلت الجميع، ولم تكن تكفّ عن النوم هربًا، تبكي على الدوام، تنتابها نوبات صراخٍ شديدة، وانهيارات عصبية، حتّى أنها كانت تصبّ على أبنائِها غضبًا لا مبرّرات له، وتنهرهم في معظم الأحيان.
كان ذلك واضحًا لكنّه لم يقدر على ربط كل ذلك كونه لم يزرها بشكلٍ يوميٍ أو يعيش معها، فهي بطباعها عصبيّة وظنّ ذلك عابرًا. أدرك أن شيئًا أعمقًا كان يعتمل، وأن بقية الأعراض عزّزت موقفها.
تأرجحت أفكاره يمنةً ويسرةً حتّى وجد قلبه ينبض على غير طبيعته الساكنة.
ولج أحدهم على حين غرّة ويبدو أنّ ملاك حدّثته بكل ما جرى، فهذا ما تحدّثت به معالمه. رفع حازم رأسه لينصدم بحكيم الذي دخل إليه: «أعلمُ أنّك قد لا ترغب برؤيتي، لكنّ ملاك أخبرتني بكل شيء، كانت تبكي. أعطني من وقتكَ دقيقتين فقط.»
نهض عن الأرض وبقي واقفًا مكانه: «لا يا حكيم، لا تقنعني، لن أسامحها ما حييت.»
تقدّم منه وجلس فوق السرير، وضعت كفّها على ركبته ثم قال: «إن الاكتئاب ليس سهلًا يا حازم، أختكَ ورغم أنّها استغلّتكَ في صغرك، لم أظن مرةً أنّها ستؤذيكَ بهذا القدر. ما أصابها كان أكبر منها.»
«حكيم لا تبتزّني بهذه العواطف البالية، لن أكترث بما أصابها فهو ليس مبرّرًا، أرجو منكَ أن تكفّ عن إقناعي.»
كتّف حكيم ذراعيه: «هل أخبرتكَ ملاك أن آمال كانت تتعالج حين شهدت ضدك؟»
أومأ له ببرود: «أخبرتني أنّها كانت تأخذ أدوية...»
تعجّب حكيم حين لم يذكر أمر الصدمات الكهربائية ليدرك أنّ الفرصة لم تتسنّ لملاك لتخبره.
فغر شفتيه لكنّ حازم سبقه وقال: «إن بقي بيني وبين الجنة أن أسامحها فلن أفعل.»
كلام خطير لا يدل إلّا على حقدٍ بلغ مبلغًا مديدًا. فوجئ حكيم الذي انفطر قلبه وتقطّع نياطه، وهذا الجفاء بين الإخوة يتركه يغوص في حيرتها.
ازدرد حكيم ريقه: «بعد أن سجنت أنت، اكتئابها لم يتناقص، بل ازداد سوءًا والأدوية لم تساعد، لذا اضطررنا لأخذها لمصحةٍ لتتلقّى علاجًا بالصدمات الكهربائية.»
جفل حازم حين سقط كلام حكيم على سمعه كالصاعقة وأدركَ أنّه لو قرأ التقرير كاملًا لكان قد علم بالأمر، لكنّه لم ُبدِ ردّة فعل تذكر.
«لقد كانت تأخذ جلساتها فيغمى عليها أمامي، فتميد الأرض من تحت قدميّ...» كانت يتحدّث حكيم بقهر
نظر له حازم بحدّة دون التعقيب، ليكمل هو: «لا أطلب منكَ أن تسامحها لأنّي أدرك الظلم الذي تعرّضتَ له، لكنّ أتوسّل إليك، ابتعد عنها، وإن تمكّنت من الابتعاد عن ابنتي فسأكون ممتنًا لأن آمال بمجرد أن تراك تجنّ من أفعالها حين تستذكرها.»
غصّة توسّطت حلق حازم: «أتلومني أنا! هل الذنب ذنبي الآن؟ أتمنعني من رؤية ابنتك التي قضيت معها طفولتي يا حكيم؟»
ضاق صدر حكيم حين سمع صوت حازم المقهور، وأنفاسه الثقيلة، وعيونه الدامعة، لكن ما باليد حيلة، فإن وقف الجميع على الحياد هو مضطر لفضّ العائلتين بالكامل لينسى الجميع الماضي. كلٌ منهم يصمّم على موقفه والفراق هو الحل الأمثل للجميع.
«الله وحده يعلم كم أحبّك في قلبي يا حازم، ولا يهون عليّ ما يحدث، لكنّ إن فضّلتم الوقوف في المنتصف دون اتّخاذ خطوة واضحة، لا بد لطرقنا أن تتفرّق.»
أومأ له بتهذيب مستطردًا: «أعذرني الآن، طاب يومك.»
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!