|7| خَطّ الرّجعَة؟
الساعة 23:07، ليلٌ حالك في ذاك الحيّ بسكّانه النيام، وعواميد الإنارة التي تكسره لتضفي أجواءً أكثر رهبةً بضوئِها الأصفر الباهت. يقف قرب أحد العواميد المقابل لبيت آمال، متكئًا بظهره عليه وعينيه الثاقبتين تراقبانها وهي تكنس ذرّات التراب عن عتبةِ البيت.
حازم، بسترته الجلدية المعتادة التي بنتقيها خصّيصًا لبثّ الرعب في قلبها، وقلنسوته الملقاة على رأسه، تخفي ملامحه بعتمتها وعتمة الشارع في آن ليزيد من حدّة غموضه. دسّ كفّه في قعر جيبِهِ متحسّسًا ذاك السكّين الحاد بمقبضة الحديدي البارد، لتندّ شفاهه عن ابتسامة وعيده.
كان متيقنًا أن أطفالها نائمون، تقصّيه عاد عليه بفائدةٍ تُذكَر، ويعلم أنّهم في أسرّتهم منذ ساعة، وزوجها في وردية عملٍ ليليةٍ لن يعود منها قبل الثانية فجرًا. عيناه لا تفارقان المكنسة المتأرجحة يمينًا ويسارًا، ينتظر الفرصة المناسبة لكي يشنّ هجومه، فهو لن يتمكّن الآن لئلّا يجذب مسامع الجيران.
وضعت آمال المكنسةَ إلى جوار الباب خارجًا، ثم نفضت عن نفسها الغبار تستعد للدخول. حازم أخذ نفسًا عميقًا، ثم ركض بخفة نحو الباب الموارب، ليصطدم كتفه بمعدنه الصلب فجأة، وصوت الصدمة ارتدّ في أركان الممر.
زمجر بها بصوتٍ منخفض صارم: «ارجعي للوراء، دون إصدار صوت وإلا سأذهب لأطفالك وتعلمينَ الباقي.»
آمال ارتجفت، واتسعت عينيها بخوفٍ حين سمعت صوت المجرم الذي لم يَبدُ غريبًا على مسامعها. صمت الليل وظلمته وذاك الهواء العليل يزيدان الأجواء رهبةً أكبر.
ولج للداخل وهي تراقب خطواته ذات الوقع الشديد، لتراهُ يخرج سكّينًا من جيبه، يشير به إليها بهدوء مخيف: «إلى المطبخ ومن فورِك.»
كان تودّ لو تلوذ بالفرار، إلا أن الخوف عقلها خلف قضبان ضعفها، لتذعن لأمره وتتّجه حيث أمرها وهو يتبعها. التفتت إليه لتجد وجهه لا يزال مجهول الملامح، رغم أنّه يقترب منها.
هنا، رفع رأسه دون مقدّماتٍ معيدًا إياه للخلف لتسقط القلنسوة، ثم عدّل وضعية وجهه لتقع عينيها بعينيه فتخور قواها من هول الصدمة. رغم مرور تلك الأعوام، إلا أن ملامحه لم تغب عن ذهنها، بل واستطاعت رصدها حتّى مع نمو شعر وجهه بلحيةٍ خفيفة مشذّبة وتلك الملامح التي أضحت ناضجة جرّاء عمره.
فغرت شفتيها برعب: «حـ... حازِم؟! أنتَ، أنتَ هو...»
لكنّه بتر قولها ساخرًا: «نعم حازم، حازم أخوكِ من أمّك التي انتقمتِ منها عن طريقي. حازم الذي خرج من السجن مبكّرًا، فهل تفاجأتِ؟ أكنتِ تنتظرين أن أبقى لعامٍ إضافيّ؟ لا تقلقي، سلوكي الحسن خصم سنة. وحانت لحظة الحساب.»
ارتعشت وعادت للخلف خطوتين مترنّحتين تشير له ألا يتقدّم: «مـ... ماذا تريد؟ ... ماذا تريد منّي؟» خرج صوتها متهدّجًا
رفعت حاجبيه مصفّرًا بدهشة: «أنا! ماذا أريد منكِ؟ (أشار بسكّينة) أريد الاقتصاص لنفسي منكِ، أريد أن أبرهنَ لكِ أنّي مجرمٌ بالفعل، أن أريكَ ظلمكِ الذي حوّلني إلى سفّاح، وأكون الرجل الذي قتل الأم وابنها... أليست تهمةً مُشَرِّفَة؟»
صرخت به بخوف: «إنّك مجنون، لقد فقدتَ عقلك.»
بادلها الصراخ: «ألم تكوني السبب في ذلك؟ ألستِ من اتهمنّي أنّي قتلت ابنكِ؟»
اصطكّت أسنانه ليقرّب وجهه إنشًا منها، هامسًا لها بحقدٍ عارم: «سأقتلكِ وأفرغ منكِ ليتخلّص العالم من شروركِ، ثم أتّجه لبيت رئيس البلديةِ الذي كنتُ أحسبهُ صالحًا، وأقضي عليه ليكون عبرةً لكل متآمِر.»
وسّعت آمال مقلتيها، نفت برأسها منفعلةً: «كلّا، كلّا، أقتلني لكن لا تؤذي أبي، فهو لا شأنَ له بما حدث، أنا كنتُ السبّب.»
وضع حدّ السكّين على بعد إنشاتٍ من رقبتها صارخًا بها لتغلق جفنيها خوفًا: «كاذبة، كاذبة، تتستّرين عليه لئلّا أقتله...»
تساقطت دموعها رهبًا، رافعةً كفّيها في محاولةٍ عقيمة لدفعه: «أقسمُ لكَ أن أبي أتى بي للمحكمةِ لكي أسقط عنكَ التهمة، لأنّه وَثِقَ ببراءتك، لكنّي بخعته حين أدليت بشهادةٍ زائفةً ضدّك. لقد خاصمني في شهور سجنكَ الأولى.»
ندّت شفتيه عن ابتسامة جانبية حانقة ونطق بهسيسٍ كالأفعى: «وهذا لأنّكِ كرهتِ أمّنا حين انفصلت عن والدكِ وتزوجت أبي. حقدتِ عليها حين أنجبت لكِ أخًا من غير أبيكِ...»
التقط نفسًا لاهثًا وهو يستكمل قوله: «وحين كبرت أوهمتني أنّكِ تحبينني بينما تكتنزين تجاهي نفورًا في قلبك. حظّكِ كان مثاليًا، إذ اقتنصتِ سقوط ابنكِ عن حافّةِ الجبل ثم ادّعيتِ أنّي من دفعه. لعينة.»
امتقع وجهها حين اكفهرّ وجهه وأظلمت عيناه، لتقرّر تدارك الوضع قبل أن يقضي عليها: «حسنًا أعترف، أعترف أنّي ظلمتكَ وأنّي أذيتكَ انتقامًا لأبي من أمّنا، لكنّي أقسم لكَ أن أبي أحبّكَ فعلًا، وتصرفاته معكَ كانت خير دليل. تدركُ جيدًا أنّه لم يجرحكَ ولو لمرّة رغم أنّك ابن طليقته.»
رفع السكين لتنبس بتوسّل: «أرجوكَ يا حازم، أولادي سأتركهم لمن؟»
وكأن سؤالها ذاك أيقظ حقدًا آخر لينبس بحدّة: «أولادك! سحقًا لكِ، أنتِ استغللتني حين أنجبتِ ملاك لأنّكِ لم تكوني مسؤولة، كنتِ ترسلينها لي خمسة أيامٍ في الأسبوع لتقضي اليوم كاملًا عندي وعند أمّنا التي كرهتها.»
كانت على وشك التحدّث ليبتره هو بصراخه المزلزل: «أصمتي! أصمتي لا تتحدّثي، لا تنطقي بكلمة. كل خلية في جسدك تعلم صحّة قولي. تعلمين أنّكِ أغدقتني بحبٍ زائف صدقّته أنا بغبائي. لقد علقتني بأبنائك بالأخص ملاك التي كانت كل شيء بالنسبة لي، التي كنتُ أقرب لها للأخ منها للخال، ثم جئتِ وسلبتني ذلك بموت ابنك الصغير.»
حملق فيها بابتسامةٍ باردة تسبق العاصفة: «تبًا لكم جميعًا. ضريبة هذه الأحقاد لم تكسر سوى ظهري أنا، أنا الوحيد الذي سُجِنَ وذاق الويلات تحت رحمةِ الضبّاط لسبع سنوات، أنا من نُكّل به ووضع في الحبس الفردي دون سببٍ مقنع دوليًا، أنا من أكلتُ طعامًا يخجل المزارع وضعه لبهائِمه خوف أن يقلّل من قدرها.»
رفع رأسه شامخًا: «انطقي الشهّادة لعلّكِ ترجعين لله بحسناتٍ تكفّر عنكِ بعضًا من خطاياكِ.»
ثم رفع ذراعه عاليًا وأنزلها صوب قلبها بغتةً صارخًا بقهرٍ دفين، لترتعد فرائص الأخرى التي صرخت برعبٍ تغلق جفنيها تستعد للحظة موتها المحتوم.
لكن...!
الطعنةَ لم تأتِ.
شعرت آمال بقلبها لا يزال ينبض، وصدرها يعلو ويهبط، لتفتح عينيها بتلكؤٍ لتنقّب عمّا جرى، فوسّعت جفنيها حين رأت السكين يلتصق بكنزتها دون أن يغرز فيها. رفعت رأسها لتجد حازم متسمّرًا، يتنفّس بتخبّطٍ وهو يحدّق في سكّينه المشحوذ بشرودٍ، وعبراته متعلّقةٌ في مآقيها، بينما شفتاه تختلجان.
«لا...لا... لا أسـ... ـتطيع... فعلها.» نطق بصوتٍ ضعيف
ثم ارتدّ خطوتين للخلف، لتسيل دموعه بذهنٍ مشوّش بأفكاره الهوجاء. تدارك الوضع ليمسحها بعنفٍ تزامنًا مع التفاته صوب باب المطبخ مهرولًا أثناء قوله بحقد: «أكرهكِ.»
لم يلبث أن توقّف حين باغتته ملاك التي ظهرت من العدم حين سمعت جلبةً من المطبخ. تسمّرت مكانها حين رأت ذات الرجل، ارتجفت في مكانها قبل أن تتدارك الوضع وتصرخ مغطّيةً شعرها بكفّيها. بينما هو لم يحرّك ساكنًا فهو خالها، وبقي محدّقًا بها لفترة بعيونٍ محزونة.
«هل... هل فعلت شيئًا لأمّي؟»
لكنّه لم يُجِبها والتفت خارجًا من البيت في جنح الظلامِ الدامس راكضًا، ودموعه عادت لتتساقط على وجنتيه بلا هوادة. ارتدّ على آثاره ولم ينفّذ ذاك الانتقام الذي كان متعطّشًا لتنفيذه، وضميره الذي ادّعى الموت كان مستيقظًا طوال الوقت دون أن يدري، فاتّخذ خطّ الرجعة حين استشعر جديّة الموقف، مدركًا أن جسدًا حيًّا سيغدو جثّةً هامدة.
لم يكن يعلم بذاك الذي ركن سيّارته عائدًا من ورديّته المسائية أبكر من العادة، والذي عجب خروج رجلٍ من بيته. ترجّل من سيّارته مرتعدًا وعيناه تنبضان قتامة، إذ علم أنّه المجرم، فتوجّه صوب باب البيتِ ليدفعه بقدمه، ويغلقه خلفه بعنفٍ هزّ الجدران، ينادي صارخًا باسم زوجته.
«آمال!! آمال أينَ أنتِ؟»
سمع صوت بكاءٍ منهار تخلّل مسامعه، ليتّجه إلى المطبخ حيث اهتدى. وجدها تجلس على المقعد تحني جذعها العلوي للأسفل قليلًا، تضع وجهها بين كفّيها تبكي دون توقّف وابنته ملاك تواسيها مطبطبةً على كتفها.
فغر شفتيه موشكًا على نداء آمال، لكنّها بترته حين رفعت رأسها لتجد حكيم يناظرها، نهضت لتهرع صوبه تتمسّك بكتفه لئلّا تنهار. قالت بصوتٍ منكسر: «حكـ... حكيم... لقد، لقد أتاني... ضيفٌ لم أتوقّعه...»
صغّر جفنيه بشكّ: «وهذا ما أوشكتُ على سؤالك إيّاه. من ذاك الرجل الذي خرج من بيتي مهرولًا؟ أكان المجرم؟»
رفعت رأسها لتكشف عن وجهها المبتل: «كان هو. لكنّكَ لن تصدّق حين تعلم من يكون!»
لكنّها صمتت ولم تستكمل ليدرك حكيم عدم رغبتها التحدّث أمام ابنتها، لينظر بدوره لها ويقول: «ابنتي ملاك، عودي للنوم، لدي حديث مع والدتكِ على انفراد.»
لم ترغب ملاك بذلك إلا أنّها وافقت طلب والدها على مضض وغادرت المطبخ إلى غرفتها. بمجرّد خروجها نظر حكيم لزوجته التي سقطت على الأرض تستكمل نحيبها، ليجلس أمامها ممسكًا بها: «حسبكِ، أخبريني بما جرى، وهدّئي من روعك.»
نفت برأسها بعنف: «لقد... لقد كان حازم... حازم أخي... هو من كان يهدّدني، هو من كان... يبتغي قتلي طوال الوقت.»
هنا تبدّل كل شيءٍ بالنسبة لحكيم الذي لا تقوده العواطف، ولا ينطق سوى بكلمةِ الحق. ترك كتفيها ليظهر البرود على معالمه: «بات الآن كل شيءٍ منطقيًا، لا أعداءَ لكِ سواه.»
ردّة فعله كانت غريبةً فدفعتها لتنظر له بصدمة، فاستكمل بدوره: «تعلمين جيدًا عمّا أتحدث.»
ارتجف جسدها لتسأله بتهدّج: «مـ... ماذا تقصد؟ هل تقف... إلى صفّه؟»
رمقها ببرود نافيًا: «كل من يقتُل مبغوض بالنسبةِ لي، لكن من يشهد زورًا ليسلب حريّة أخيه أشدّ بغضًا بالنسبةِ لي. آمال! إنّكِ تدركين جيدًا براءته، وتعلمين أن ابننا سقط وحده عن الحافّة ليهوي إلى القاع لاقيًا حتفه، أنتِ استغللتِ ذلك لكي تطيحي بأخيكِ. أنا أخبرتكِ ليلةَ زجّوه خلف القضبان أنّكِ خيّبتِ أملي، وكم رجوتُ لو تناقص غلّك.»
نهضت عن الكرسيّ ثائرةً: «لا تلقي عليّ اللوم. حدث ما قد حدث، لن تعود تلك الأيّام.»
«أنانيّةٌ كالعادة حيال أخيكِ. لستُ أعرف كيف لم يرأف قلبكِ أو يحنّ له وهو في السجن. كيف لم يؤلمكِ ضميرك أو يصحو؟»
تساقطت دموعها بغير شعور: «حقدي على انفصال والداي كان أكبر منّي.»
«وأخوكِ من دفع الثمن.» أجابها ببرودٍ
ارتجف كفيها: «هل تلومني على ذاك الذي...»
رفع سبّباته في وجهها: «سبع سنواتٍ يا آمال، فلا تضعيه حجّة لكِ، أتفهم ما مررتِ به، لكنّه غادركِ بالفعل بعد عامين.»
ثم تركها تصارع أفكارها لوحدها، باقية على سكوتها. أن يكون حازم المُلاحِق، كانت الصدمة بأمّ عينها، غافلةً عن ذنبها.
* * * *
كان حازم لا يزال يركض بين الطرقات حتّى بلغ ذاك الدهليز المظلم دون أن يشعر، ويده تتحسس مقبض السكّين البارد في جيب سترته. رفع رأسه لينظر حوله جيدًا مستذكرًا طفولته التي قضاها هنا، في هذا الشارع، وهذا الحيّ الدافئ، حيث يقع بيت والديه اللذان أنجباه وعاش في كنفهما حتّى آخر ليلةٍ قبل أن يُسجن.
تركهما بعد خروجه من السجن رافضًا العودة هناك، وكلّه رغبة بالانصراف وترك عنه كل ما يذكّره في تلك الحادثة المشؤومة. دون شعورٍ تولّد فيه حقدٌ لأسباب منطقية وأسباب غير منطقيّة، ليصل لحدّ بغض أمّه التي انفصلت عن زوجها الأول، ألا وهو والد أخته آمال.
كل ما حدث كان لأن آمال لم تتقبّل انفصال والديها، وزواج أمها من رجلٍ آخر، فبقيت الأحقاد تتفاقم، ولم تتقبّل حضور أخيها على هذه الدنيا، لتبدأ حياكة خطّة انتقامٍ تستهدف المسكين الذي لا ذنب له.
سقط بصره صوب ذاك الباب الخشبي القديم بطلائِه المتقشّر، ليفزع لوهلةٍ كأنّما استيقظ من غفلته، ليتساءل ما الذي أتى به إلى هنا. أدرك أن الذاكرة ليست في العقلِ فقط، بل بجميع جوارح جسده التي أتت به إلى هنا على غشاوة.
تقدّم بخطاه المتردّدة حاملًا السكّين بين أنامله النحيلة، يحدّق في رقم البيت الذي لم يتغيّر. رفع السكّين ليمرّره برقّة فوق الرقم، يزمّ شفتيه متمسّكًا برباطة جأشه الموشكة على الانفلات. يفكّر بالسبع سنوات التي كابد فيها الصمت والغربة والوجع برغبةٍ منّه حتّى لا يُغدَرَ مرّة أخرى. وعى في هذه اللحظة أنّه ظلم أمّه وأبيه، ليغلق جفنيه منتفضًا ببكاءٍ يماثل بكاء طفلٍ تائه.
رفع كفّه ليدق الباب، مرة، ثم مرة، ثم أخرى قبل أن يسمع خطوات بطيئة تقترب، وصوت والده الأجش يتخلّل مسامعه: «من؟»
لم يجب، فقط أبدى شهقاتٍ جريحة. فتح الباب عبد الصمد، ليتجلّى مشهده بثوبه الرمادي المنزلي، وشعره الذي اشتعل شيبًا غامقًا، بلحيةٍ تتخلّلها خصلات سوداء يسيرة، ووجه حفرته التجاعيد بالقرب من شفتيه وعلى ناصيته. نظراته الهرمة تبحث وسط الظلام عن هويّة الطارق، ليتسمّر مكانه حين رآه، حين رأى ابنه الذي غاب عن ناظريه سبع سنوات واقفًا بارتخاءٍ مرتعشًا، عيناه محمرتان، ودموعه تنهمر دون توقف.
لم يقل حازم شيئًا، سقطت السكّينة من بين أنامله واكتفى بالاندفاع صوب صدر أبيهِ بجسده المنهك، محيطًا ذراعيه حوله بقوة كأنه يخاف أن يتبخر. فغر شفتيه ببكاء: «أبي... كنتُ على وشك قتلها... أبي سامحني على عقوقي... لكنّي خفت... خفتُ أن أُطعَنَ في ظهري ثانيةً...»
صوته مبحوح، خافت. بدا كأنّه يناديه بكلمة "أبي" للمرّةِ الأولى، وطفق يكرّرها كأنّها آخر مرّة، مغتنمًا الفرصة متنعّمًا بها.
وقف الأب مذهولًا للحظة، يداه مرفوعتان في الهواء، بجسده المتصلب. ما لبث أن انفلت منهارًا ليهوي بذراعيه محيطًا ابنه، مطبقًا عليه بشوقٍ مستميت، شهقة كبيرة خرجت من صدره لتستحيل نحيبًا طويلًا، ثم راح يبكي دون تحفظ، أو كبرياء، بل كان بكاء الرجال الذين صبروا وابتعلوا الظّلمات طويلًا ثم لم يعد في قلوبهم متسع للصبر.
يداه تمسحان ظهر ابنه، ينفي برأسه على غير تصديق، يهمس بصوت متقطّع: «لِمَ جافيتنا؟ آهٍ لو تعلمُ كمّ الشوق الذي توسّد قلبي وقلب أمّك...»
فصل حازم العناق ليكشف عن وجنتيه المبتلّة: «أرجوكَ سامحني، ولا تتّخذ منّي موقفًا. ما حدث كان أكبر منّي.»
نفى الأب الكسير رأسه تباعًا، مكفكفًا دموع ولده بيديه الهرمة: «لا، لا تعتذر، إنّك عليّ عزيزٌ وإن كنتَ جائرًا.»
نكّس رأسه متابعًا بكاءه، ليسحبه عبد الصمد خلفه إلى عقر داره لتظهر تلك المرأة، هادئة المعالم تتقدّم بعباءة بيتها وهي تلف حجابها بإهمالٍ فوق رأسها متسائلة: «من على الباب يا عبد الصمد؟»
نظر لها زوجها بعيون باكية ليشير إلى حازم: «أنظري من هنا يا عزّة.»
صغّرت عزّة عينيها تعاينه، لتنهار بعدها حين عرفته: «حـ... حازم!! ولدي!!» ثم هرولت صوبه تضمّه إلى صدرها مضيفةً: «حبيبي يا ولدي، لِمَ لم تعُد إلى هنا منذ خرجت من السجن؟ لقد اشتقنا لك.»
بادلها حازم وعبراته لا تزال تخونه، هامسًا لها: «حبًا بالله سامحيني، سامحيني أنتِ وأبي.»
أومأت له بعنف: «أنتَ لم تخطئ لتطلب السماح، كنتَ مظلومًا طوال الوقت.»
فصلت العناق تحدّق في نحول جسده، وجفونه المنتفخة، ووجنتيه المتوهجتين. أدرك كليهما أنّه في أوج انهياره، ليقترب والده: «بنيّ ماذا كنتَ تودّ إخباري ونحن على الباب؟»
رفع حازم رأسه متنهدّا بتعب: «أعدكما أن أخبركما بكل شيء غدًا، لكن هل بإمكاني استئذانكما لأرتاح هذه الليلة في غرفتي؟»
أومئا له لتشير عزّة للأعلى: «لا تزال على حالها يوم تركتها، لم ألمس منها شبرًا.»
أومأ لها بابتسامة ذابلة ثم تركهما ليصعد إليها. وصل عتبة الغرفة أمام ذاك الباب الذي يوحي بالقِدَم، ليدرك ألّا أحد نقّب عمّا خلفه فعلًا، فهو على حاله منذ سبع سنوات، دون أن يطرأ تغيير سوى جودة الخشبِ التي بدت كأنّها في أرذل العمر. قدماه لم تدوسا هنا سوى الآن منذ تلك الليلة.
رفع كفّه المرتعش ليحرك المقبض دافعًا الباب ليرتدّ إلى الداخل بصوت صريره المألوف، قابلته تلك العتمة التي لم يشقَها سوى ذاك الخطّ الطويل الذي أنار الأرضية بفعل الستارة المواربة التي أدخلت ضوء القمر.
اقتربت أنامله ليشعل الضوء، ليرى كل شيءٍ كما يتذكّره. بطّانيته السوداء مطويّة عند طرف سريره بطريقه منظمة، مكتبة كتبه من أيّام الثانوية لا تزال موجودة، متكوّمة فوق بعضها حيث تركها كي يتخلّص
منها، لكن الفرصة والوقت لم يسعفانه آنذاك جرّاء تورّطه في مقتل ابن أخته.
كان يتلفّت حوله معاينًا كل شيءٍ لاسترجاع الماضي. سقط بصره صوب ذاك الملصق المعلّق في كبد الحائط، بطرفه الممزّق، كان ملصقًا كبيرًا لأحد فرق كرة القدم المفضّلة لديه. تبادرت مشاهد تشجيعه المتفانية ذهنه، حين كان يهتف ويصرخ عند نيلهم فوزًا أو إحرازهم هدفًا.
أخته كان تلك الضجّة التي صدّعت سكون حياته فأرّقتها. جثا على الأرض منهارًا وقد انكسرت في آخر ذرّة ثبات، أبدى نشيجًا مقهورًا: «أنا كنتُ أعتبركِ أختًا رغم اختلاف آبائِنا... أحببتُ أطفالكِ، وكنتُ صديقًا لهم... لمَ طعنتني؟»
جسده ارتجف بغير قدرة على التماسك، كبح بكاءه وشهقاته بالكاد بينما يتذكّر ذاك الشاب الصغير الذي خسر كل شيءٍ وفقد مرحه إثر جريمةٍ لم يرتكبها، أخسرته سبع سنواتٍ لن تعود ولن تعوّض.
اهتز هاتفه في جيبه، ليخرجه فيجد فراس المتصل، أدرك أنّه خائفٌ عليه لتختلج شفتيه مجيبًا: «أجل يا فراس...»
أتاه صوت فراس منفعلًا بذعر: «لقد جئتُ للبحثِ عنكَ ولم أجدك بجوار بيت آمال، أين أنت؟»
زفرة تملّصت من شفاه حازم: «لكنّي ذهبتُ فعلًا.»
حين أصاخ قوله شعر بالدم يتجمّد في عروقه: «وأينَ أنتَ الآن؟» لم يتلقّ إجابة ليصرخ به: «أجبني أينَ أنت؟ كف عن إرعادي!!»
طأطأ حازم رأسه بذبول على الوسادة: «أنا في بيت والديّ.»
اعترت الدهشة وجه فِراس الذي انتفض من مكانه قائلًا دون مقدّمات: «إنّي آتٍ إليك.» ثم أغلق الخط قبل أن يسمح له أن يرد.
مرّت عشر دقائق، وها هو فِراس يقف خارج بيت عبد الصمد، بقبضةٍ متسمّرة لم تكد تطُرق الباب قبل أن يقع ناظريه صوب السكّين المرمي على الأرض، عضّ شفتيه حيرةً ثم جثا على ركبةٍ واحدةٍ يحملق بها نية التيقّن أنّها ذات السكّين التي سبق وشحذها رفيقه أثناء بصقه لوابل التهديدات. ازدرد ريقه بضيقٍ، وكشر حاجبيه حين لاحظ أنّها نظيفة وجديدة كأن لم تُستَخدَم.
كل ما يُدركه أن حازم ذهب إلى بيت أخته، وأنّه عاد منه إلى بيت والديه من تلقاء نفسه دون عناد يبكي بعنفٍ شديد، بأعصابٍ تالفة.
نهض عن الأرض شامخًا، ثم طرق على الباب طَرقًا لم يُضاهي طرق قلبه. تراجع خطوة للخلف حين فتحه عبد الصمد الذي رحّب به بحفاوة: «أهلًا بكَ يا ولدي فِراس، تفضّل.»
تنهّد فِراس: «أهلًا يا عم. بلغني أن حازم هنا.»
أومأ له الآخر بحزن: «حالته مزرية ولا تُفسّر، لم يخبرني ما به. قال كلماتٍ لم أفهمها، طلبتُ منه تفسيرًا لكنّه طلب قسطًا من الراحةِ ليخبرنا في الغد.»
«أتأذنُ لي تفقّده؟ لعلّي أفهم ما به.» سأل فارِس بإيجاز
أفسح عبد الصمد المجال لصديق ابنه مشيرًا بكفّه: «إنّه في غرفته ذاتها. تفضّل.»
أومأ فِراس بتهذيبٍ شاكرًا إيّاه، ثم صعد حيث يتذكّر موقع غرفة صديقه. فتح الباب بهدوءٍ ليجده ممدّدًا على بطنه فوق السرير، داسًّا رأسه في الوسادة، بأنفاس ثقيلة وبدنٍ مرتعش، ليدرك من فوره أن نفسيته متزعزعة، وكيانه متشابك. لم يعلم ما يقول له، فهذا ما رغب به منذ البداية، هل ندم على جريمته وقت لا نفع للندم فيه؟
«ألم يكن موتها ما أردته؟ ألم تخطّط لذلك طويلًا؟ لمَ تبدو مستاءً الآن؟» سأله بهدوءٍ زائف
حازم لم ينظر له أو يتحرّك، ليتقدّم منه الآخر مستطردًا: «إن والدكَ خائفٌ عليك، كيف ستخبره بما فعلت؟ وهل والدتكَ ستتقبّل الخبر؟ آمال في النهاية ابنتها.»
رفع حازم رأسه ببطءٍ شديد وأجابه بنبرةٍ خفيضة: «لَم أقتُلها.» دسّ رأسه بكفّه تيهًا: «لم أقدر، لم أقدر. لقد بلغ حدّ سكّيني كنزتها دون أن أقدر على غرزه، دون أن تتمكّن يدي من طعن قلبها وهدر دمها. لا تسألني ماذا حدث، لأنّي لا أملك الإجابة.»
كتّف فراس ذراعيه بابتسامةٍ متّسعة، متّخذًا مقعد المكتب القديم: «حتّى وإن تظاهرتَ استحالتك إلى شرّير واقتنع من حولك، لن يكذّبكَ أحدٌ بقدري. مؤمنٌ ببقاء قلبكَ على فطرته كما عرفتك أيّام الثانويّة.»
التقط حازم نفسًا طويلًا: «بعد ما حدث، انطفأت كراهيتي دون أن تتناقص. لن أقتلها فلم أقدر، لكنّي أريد أيامًا هانئة تخلو من النظر في وجهها.»
هو انطفأ من غليانه ورغبته في التخلّص منها، لكن بغضاءه حيالها لا يزال بنفس القدر.
«حقّك.» أجابه فِراس بهدوء ثم أضاف: «أرجو أن تظلّ كراهيتكَ منطفئة وألا تعاود التفكير في قتلها. ليس من أجلها بل لأنّي لا أريدكَ أن تلبس ذنبًا. فقط تصوّر معي أن تعاقب في الآخرةِ بسبب شاهدة زور؟»
ارتفعت زاوية شفاه حازم بابتسامة واهنة: «ستكون خسارةً فادحة، أليس كذلك؟»
ضحك فِراس بعفوية: «للغاية!»
عدّل حازم جلسته وبوادر الراحة بدأت تظهر على وجهه: «هل أعترف لكَ بشيءٍ لم أتجرأ مصارحتك به؟»
همهم له: «قُل.»
نظر له: «أنا لم أكلّل نفسي بالرضّى التام وأنا أفكّر بالثأر منها، أو خلال شحذي لسكّيني... لأنّ...»
صمت لبرهة رافعًا رأسه صوب فراس مستكملًا: «الثأر عادة يجب أن تُمحى، لكنّ لا سطوة تعلو على الأحقاد.»
زمّ فراس شفتيه بحزنٍ طفيف: «وكأنّك تعترف رفضك لفكرة الثأر، وأنّ الحقد كان أقوى منك.»
أومأ له مؤيّدًا: «ما يؤلمني، أن بعض الذكريات انهالت عليّ حين رأيتها، والحنين في قلبي اتّقد رغم معرفتي أنّ كل ذلك كان زائفًا.»
ابتسم له: «زائف بالنسبة لها، ولكنّه حقيقي بالنسبة لكَ أنت، لأنّك كنت فرحًا لاحتضانها واحتوائِها لك، وهي من طعنتكَ في ظهرك.»
نظر له حازم بعينان تنطقان بالكثير، وأشار لقلبه: «يؤلمني أنّي لاحظت تغيّرها بعد موت ابنها جاد، ولم أعلم أنّها تكيد لي المكيدة...»
«ماذا تعني؟ بتصرفاتها؟» سأل فرأس
أومأ له الآخر متنهّدًا، وغطّى وجهها بكفّه: «كانت دومًا تصرخ عليّ، ترفض مجيئي، تغلق الباب في وجهي، وحين يحدث وأجلس مع أبنائِها تأتي لتهزّ كيان الجدران بصراخها المرتفع، وحين سألت حكيم عن السبب أخبرني بعدم معرفته.»
عبس فراس حاجبيه لأنّه لم يسمع هذا الشي من حازم من قبل، لم يدرِ أن لشهادةِ الزور أحداث سبقتها وأن نوايا آمال استبانت منذ البداية وعدم ملاحظة حازم لذلك رغم فطنته ودهاؤه.
«طالما كان ذلك جليًا كيف لم يتبادر لذهنكَ أنّها قد تؤذيك؟»
نفى حازم برأسه بضياع: «لأنّي وضعتُ بالحسبان فقدانها لجاد، وضرورة إيذاء ذلك لها. لم أتوقّع كيدها ومكرها لي.»
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!