مغارة الوجود
مغارة الوجود
جزء 7 من 7
وضع القراءة:

الفصل السابع :الى الأمام

لم يكن الاستيقاظ هذه المرة عاديًا.
كأن الليل لم ينتهِ بالكامل، بل ترك جزءًا منه عالقًا في رأس هوسين.
صور غير واضحة.
أصوات لا تكتمل.
وممر طويل يشعر فيه أنه يسير دون أن يصل.
كان يحاول أن يتذكر شيئًا، لكنه كلما اقترب منه، تراجع كأنه يرفض أن يُمسك.
ثم اختفى.
فتح عينيه فجأة.
الضوء داخل الغرفة كان ثقيلًا بعض الشيء، وكأنه دخل متأخرًا عن موعده.
جلس ببطء.
"مرة أخرى…"
تمتم دون أن يعرف إن كان يتحدث عن الحلم أم عن شيء آخر لا يملك اسمًا.
في الخارج، لم يكن اليوم في انتظاره.
"هوسين!"
صوت يامن اخترق الصمت من أسفل النافذة.
"إذا كنت تريد الموت نومًا، على الأقل أخبرني لأكمل حياتي بدونك!"
تثاءب هوسين وهو ينهض بصعوبة.
اقترب من النافذة.
"كم الوقت؟"
رفع يامن رأسه.
"الوقت؟ أنت تتحدث وكأننا في قرية كبيرة! الشمس وصلت نصف السماء تقريبًا!"
صمت هوسين لحظة.
ثم قال ببرود:
"إذن تأخرت."
"تأخرت؟" ضحك يامن. "أنت لم تتأخر… أنت تخطيت اليوم كله وبدأت تفكر في الغد!"
تنهد هوسين وهو يفتح الباب.
"هذا ما يحدث عندما لا يتركني النوم في سلام."
"النوم؟" رد يامن وهو يسير بجانبه. "أظن أن النوم هو الذي استقال منك."
ضحكا معًا، لكن ضحكة يامن كانت كاملة… بينما ضحكة هوسين كانت نصف موجودة.
في الطريق، كان يامن يتكلم كعادته، لكن نبرة حديثه هذه المرة كانت مختلفة قليلًا، أكثر جدية بين الجمل.
"على فكرة… الشيخ ليس كما تتخيل."
نظر إليه هوسين.
"وكيف أتخيله؟"
"كشيخ." قال يامن ببساطة. "لحيـة طويلة، صوت عميق، وكلمات غامضة تنقذك من حياتك."
ابتسم هوسين.
"هذا وصف دقيق جدًا لشيء غير دقيق."
"ستفهم عندما تراه."
عند طرف القرية، حيث تبدأ البيوت في التباعد وكأنها تتردد في الاستمرار، توقفا أمام بيت صغير.
أقل زخرفة من باقي المنازل.
أكثر هدوءًا من أن يكون عاديًا.
لا لافتة.
لا علامة.
فقط باب خشبي يبدو أنه لا يُغلق إلا عندما يريد هو ذلك.
"هذا هو؟"
سأل هوسين.
"هذا هو."
أجاب يامن وهو يطرق الباب دون تردد.
"ألا يجب أن نفكر قليلًا؟"
"فكرنا بما يكفي." قال يامن. "والتفكير الزائد يقتل الفضول."
ثم فتح الباب بنفسه.
ودخلا.
بدون إذن.
بدون تراجع.
كأن المكان ليس ملكًا لأحد… أو كأنهما يملكان الجرأة الكافية ليجربا ذلك.
داخل البيت، لم يكن هناك شيء يحاول إثبات أنه “مهم”.
غرفة واحدة تقريبًا.
ضوء يأتي من زاوية علوية صغيرة.
ورائحة خشب قديم ممتزجة بشيء لا يشبه أي شيء يعرفانه.
في الوسط، كان الشيخ جالسًا.
ليس كما تخيل يامن.
ولا كما حاول هوسين أن يتوقع.
رجل عادي الملامح إلى درجة مزعجة.
ملابسه بسيطة، وجهه خالٍ من أي محاولة لإظهار الهيبة، لكن عينيه…
كانت مختلفة.
ليس لأنها حادة.
بل لأنها لا تبدو كأنها تبحث عنهما، بل كأنها تعرف مسبقًا أنهما سيأتيان.
رفع رأسه ببطء.
"تأخرتما في السؤال."
قالها وكأنه يكمل جملة بدأت منذ زمن بعيد.
تجمد يامن للحظة.
ثم همس:
"أهذا… أسلوب ترحيب؟"
لم يجب الشيخ.
لكن زاوية فمه تحركت قليلاً، كأنها لا تعرف إن كانت ابتسامة أم تحذير.
"أنا لا أرحب."
أضاف بهدوء.
"أنا أستقبل ما يأتي متأخرًا."
سكت.
ثم أشار بيده إلى الأرض أمامه.
"اجلسا… أو لا تجلسا. لا فرق."
جلس يامن فورًا وكأنه قرر أن التحدي غير ضروري اليوم.
أما هوسين، فبقي واقفًا لثانية أطول.
كأنه يحاول فهم هذا الرجل قبل أن يخطو نحوه.
"نريد أن نفهم شيئًا."
قالها هوسين مباشرة، دون مقدمات.
نظر إليه الشيخ.
"كل من يدخل هنا يريد ذلك."
ثم أضاف بصوت أخفض:
"لكن القليل فقط يسأل السؤال الصحيح."
تدخل يامن بسرعة:
"وما هو السؤال الصحيح؟"
نظر إليه الشيخ.
"لو كنت تعرفه… لما جئتما."
صمت قصير.
لم يكن صمتًا مريحًا.
بل صمتًا يشبه أن شيئًا ما بدأ يتحرك تحت سطح الكلام.
في الخارج، لم يكن هناك ما يشير إلى أن شيئًا مهمًا يحدث.
لكن داخل الغرفة، كان الشعور مختلفًا.
كأن خطوة صغيرة جدًا تم اتخاذها…
في اتجاه لا أحد يعرف نهايته بعد.
لم يكد هوسين يجلس حتى شعر أن شيئًا في الغرفة تغير.
ليس المكان.
بل الإحساس به.
كأن الهواء أصبح أضيق دون أن يتحرك شيء.
رفع الشيخ رأسه ببطء.
نظر إلى يامن أولًا.
ثم إلى هوسين.
ثم قال فجأة:
"أنتما تأخرتما ثلاثة أيام."
تجمد يامن.
"ثلاثة أيام؟ نحن جئنا اليوم فقط!"
لم يرد الشيخ مباشرة.
بل ابتسم.
ابتسامة قصيرة جدًا… لا تصل إلى عينيه.
"هذا ما تعتقدانه."
صمت.
ثم أضاف وكأنه يتحدث لنفسه:
"غريب أن الذاكرة لا تزال متماسكة عند بعضكم."
التفت هوسين نحوه ببطء.
"ماذا تقصد؟"
لكن الشيخ لم ينظر إليه.
بل كان ينظر إلى شيء خلفه.
شيء غير موجود.
"لماذا جئتما الآن بالذات؟"
سألها وكأن السؤال ليس لهما.
يامن تحرك في مكانه.
"بسبب كتاب."
توقف الشيخ فجأة.
لأول مرة.
توقف كامل.
ثم قال:
"أي كتاب؟"
ساد صمت قصير.
أقصر من الطبيعي.
لكن أثقل من الطبيعي أيضًا.
أخرج يامن الكتاب من حقيبته.
وضعه أمامه.
Part:02
كان الشيخ ينظر إلى الكتاب وكأنه ليس جديدًا عليه، ولا قديمًا بما يكفي ليُدهشه.
فقط… مألوف بطريقة مزعجة.
يامن كسر الصمت أولًا:
"حسنًا، هذا الكتاب سبب زيارتنا، أليس كذلك؟"
"أجل." أجاب الشيخ ببساطة.
"رائع." قال يامن وهو يشير إليه. "هل يمكنك أن تقول لنا ماذا يفعل بالضبط؟ لأنني بدأت أشعر أنه سبب كل مشاكل العالم وهذا ضغط كبير عليه."
لم يرد الشيخ.
بل مرّر يده فوق الغلاف دون أن يفتحه.
"ليس الكتاب هو المشكلة."
رفع هوسين نظره فورًا.
"إذن ما المشكلة؟"
توقف الشيخ لحظة.
"أنتم قرأتموه دون أن تقرؤوه."
"هذه جملة خطيرة جدًا على مستوى الفهم." تمتم يامن.
ثم أضاف بسرعة:
"وأيضًا غير مفيدة إطلاقًا."
نظر الشيخ إليه أخيرًا.
"أنت تتكلم كثيرًا لأنك لم تنتبه بعد."
"أنت الثاني الذي يقول هذا لي اليوم." رد يامن. "بدأت أشك أن المشكلة في الصمت وليس في الكلام."
لكن الشيخ لم يضحك.
بل أعاد نظره إلى هوسين.
"أنت أكثر صمتًا… لكنك أكثر سؤالًا."
سكت هوسين.
"نريد فقط فهم ما يحدث."
هز الشيخ رأسه ببطء.
"ما يحدث لا يبدأ هنا."
"أين يبدأ؟" سأل يامن بسرعة.
رفع الشيخ عينيه قليلًا.
"في أماكن لا تُزار بالنية فقط."
صمت.
ثم أضاف وكأنه قرر أخيرًا أن يقول جزءًا صغيرًا:
"الحوض واحد منها."
تبادل هوسين ويامن نظرة سريعة.
"الحوض؟" قال يامن. "أسمه يبدو وكأنه شيء نحمله وليس مكانًا نذهب إليه."
"هو كذلك." رد الشيخ.
لم يشرح أكثر.
ثم أضاف:
"وإن أردتما أن تفهما لماذا هذا الكتاب وصل إليكما… ستبدآن من هناك، سواء أردتما أم لا."
وقف.
كأن الجلسة انتهت رسميًا هذه المرة.
لكن قبل أن يخرجا، قال الشيخ بصوت أقل:
"ولا تعتمدا على ذاكرتكما كثيرًا في الطريق."
توقف يامن عند الباب.
"لماذا؟"
رد الشيخ بهدوء:
"لأنها ليست دائمًا في مكانها الصحيح."
في الخارج، خرجا هذه المرة بصمت أطول.
لكن يامن لم يحتمل ذلك طويلًا.
"هل لاحظت شيئًا؟"
"ماذا؟"
"كل مرة نتحدث مع هذا الرجل… أشعر أنني بدأت أقل ذكاءً."
"ربما لأنك تتكلم كثيرًا."
"هذا غير عادل." قال يامن بجدية. "أنا أتكلم لأبقى ذكيًا. الصمت خطر على أمثالي."
سكت لحظة.
ثم تابع وهو يمد يده:
"على أي حال… الحوض يبدو مكانًا أفضل من هذا الرجل الذي يربك مزاجي."
هوسين لم يرد مباشرة.
لكن عينيه بقيتا على الطريق قليلًا أطول من المعتاد.
ليس لأنه تغير…
بل لأن فكرة “الحوض” بدأت تأخذ مكانها في رأسه كشيء لم يكن هناك من قبل… لكنه كان ينتظر أن يُذكر فقط.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.