مغارة الوجود
مغارة الوجود
جزء 3 من 4
وضع القراءة:

الفصل 03:البرجان

تنهد هوسين وهو يدفع نافذته الخشبية قليلًا، فانسكب ضوء الصباح فوق أسطح القرية الحجرية الممتدة أسفل التلال. انسابت عيناه تلقائيًا نحو الجبلين البعيدين اللذين كانا يهيمنان على الأفق بصمتهما المعتاد، شامخين كما لو أنهما وُجدا قبل القرية نفسها بزمان طويل.
تمتم بصوت خافت:
"صباح جديد..."
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة بالكاد ظهرت.
"أو ربما... نفس الصباح من جديد."
لم تكد الفكرة تكتمل في رأسه حتى دوّى صوت مألوف من خارج المنزل.
"هوسين! هوسين!"
لم يكن بحاجة إلى النظر ليعرف صاحبه.
يامن.
كما يحدث في معظم الأيام.
فتح الباب وخرج إلى الزقاق الترابي، فوجد صديق طفولته واقفًا هناك يلوح بيده بحماس، وكأنه عاد للتو من رحلة طويلة رغم أنه لم يغادر حدود القرية يومًا.
"هيا بنا، والدك ينتظرنا في المزرعة."
قالها وهو يقترب لاهثًا قليلًا، قبل أن يضيف:
"سمعت أن موسم الحصاد على الأبواب، ويجب تجهيز الأرض قبل أن يبدأ الجميع بالتسابق على العمل."
رفع هوسين حاجبه متسائلًا:
"ألم نفعل هذا العام الماضي أيضًا؟"
انفجر يامن ضاحكًا.
"بل فعلناه."
ثم رفع إصبعه نحو السماء متظاهرًا بالحكمة.
"وسنفعله العام القادم أيضًا."
توقف لحظة قصيرة قبل أن يضيف بنبرة الواثق من نفسه:
"هذا ما يسمى بالحياة يا صديقي."
هز هوسين رأسه مستسلمًا.
"أظن أن تعريفك للحياة يحتاج إلى مراجعة."
سارا معًا بين الأزقة الضيقة، فيما كانت القرية تستيقظ ببطء على إيقاعها المعتاد. الأطفال يركضون قرب البيوت الحجرية، وضحكاتهم تتردد بين الجدران القديمة، بينما كانت رائحة الخبز الساخن تتسلل من النوافذ المفتوحة، ممزوجة بأثر المطر الخفيف الذي هطل في الليلة الماضية وما زالت الأرض تحتفظ بذكراه.
وفي منتصف الطريق، وقعت عينا يامن على الرجل العجوز الجالس عند زاوية السوق.
كان سيد حاسم في مكانه المعتاد، هادئًا وساكنًا إلى درجة بدا معها جزءًا من القرية نفسها، كالحجارة القديمة أو الأشجار التي لا ينتبه أحد إلى وجودها إلا إذا اختفت فجأة.
خفض يامن صوته قليلًا وقال:
"أتعرف؟"
"ماذا؟"
"أشعر أنني أراه أكثر من المعتاد هذه الأيام."
نظر هوسين إليه للحظة ثم قال:
"هو يجلس هنا كل يوم."
حك يامن مؤخرة رأسه مترددًا.
"أعرف... لكنني أقصد..."
توقف وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
"...لا أدري."
ابتسم هوسين ابتسامة خفيفة.
"لأول مرة لا تملك تفسيرًا لشيء."
رد يامن بسرعة:
"بل أملك."
ثم أضاف بجدية مصطنعة:
"العجائز غامضون بطبيعتهم."
ضحك الاثنان وتابعا سيرهما.
ولم تمض سوى بضع خطوات حتى عاد الحماس إلى وجه يامن فجأة.
"بالمناسبة."
عرف هوسين من نبرة صوته أن فكرة جديدة وُلدت للتو في رأسه.
تنهد وقال:
"ماذا الآن؟"
اقترب يامن وكأنه يشارك سرًا بالغ الخطورة.
"بعد أن ننتهي من العمل..."
ثم خفض صوته أكثر:
"...لنذهب إلى السوق."
نظر إليه هوسين باستغراب.
"نحن ذاهبان أصلًا عبر السوق."
"ليس هذا ما أقصد."
لوح يامن بيده بحماس.
"سمعت أن أحد التجار جلب نوعًا جديدًا من الحلوى."
صمت لحظة ثم أضاف:
"ويقولون إنها لذيذة جدًا."
رمقه هوسين بنظرة طويلة.
"وهذا سبب كل هذا الحماس؟"
"طبعًا."
ثم تابع بجدية مفتعلة:
"استكشاف العالم يبدأ من المعدة."
لم يستطع هوسين منع نفسه من الضحك.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، بينما كان يامن يتحدث بحماس عن الحلوى التي لم يتذوقها بعد، شعر هوسين بشيء غريب.
شيء صغير جدًا.
إحساس عابر بالكاد يمكن الإمساك به.
كأن هذا المشهد مرّ عليه من قبل.
نفس الطريق.
نفس الضحكة.
نفس كلام يامن.
حتى النسمة الباردة التي عبرت بينهما بدت مألوفة أكثر مما ينبغي.
توقف لثانية واحدة.
ثم اختفى ذلك الإحساس فجأة، كما لو أنه لم يكن موجودًا أصلًا.
"هل أنت قادم أم لا؟"
صاح يامن من بعيد.
انتبه هوسين إلى صوته، فأسرع خطوتين حتى لحق به، لكنه لم يستطع التخلص من السؤال الذي بقي عالقًا في مكان ما داخل عقله:
لماذا بدت هذه اللحظة مألوفة إلى هذا الحد؟
امتدت الطريق المؤدية إلى المزارع خارج القرية عبر منحدر لطيف تناثرت على جانبيه أشجار قليلة، التوت جذوعها بفعل الرياح التي اعتادت المرور من هذا المكان جيلًا بعد جيل. وفي الأسفل بدت الحقول كأنها قطع قماش خضراء فُرشت بعناية بين الصخور والتلال الصغيرة.
كان والده هناك بالفعل.
واقفًا قرب عربة خشبية، يتفحص بعض الأدوات بينما يتبادل الحديث مع أحد المزارعين.
رفع رأسه حين رآهما يقتربان وقال بابتسامة خفيفة:
"أخيرًا."
ثم أضاف:
"بدأت أظن أنكما ضعتما بين رفوف بيت السجلات."
قهقه يامن قبل أن يجيب:
"ليس بعد. ما زالت هناك كتب كثيرة لم نقرأها."
هز الرجل رأسه مستسلمًا.
كان معتادًا على هذا النوع من الإجابات.
فمنذ سنوات طويلة، كان هذان الصديقان يقضيان من الوقت بين الكتب أكثر مما يقضيه معظم أهل القرية طوال حياتهم.
انشغلا بعد ذلك بالعمل؛ نقلا الأدوات، ونظفا الأعشاب الجافة، وأصلحا جزءًا صغيرًا من السور الحجري. ومع مرور الساعات ارتفعت الشمس ببطء فوق الأفق، فيما أخذت رائحة التراب الرطب تزداد وضوحًا كلما دفئت الأرض.
لم يكن العمل شاقًا.
لكنه كان كافيًا ليجعل الوقت يتحرك أسرع.
أو هكذا ظن هوسين.
ففي إحدى اللحظات، بينما كان يجمع الحجارة قرب طرف الحقل، رفع رأسه دون سبب واضح.
توقفت يداه.
وبعيدًا فوق القرية، برز البرجان وسط الضباب الخفيف.
واقفان كما كانا دائمًا.
صامتين.
قديمين.
بشكل أثار في داخله شعورًا لم يستطع تفسيره.
كأنهما لا ينتميان إلى المكان.
وكأن القرية نفسها جاءت بعدهما بزمن طويل.
"ها أنت عدت للنظر إليهما."
قال يامن وهو يقترب حاملًا بعض الأدوات.
التفت هوسين نحوه.
"إلى ماذا؟"
"البرجين."
وضع يامن الأدوات جانبًا ثم تابع:
"كلما سرحت، أجدك تنظر نحوهما."
نظر هوسين مجددًا نحو الأفق.
"هل تساءلت يومًا لماذا بُنيا؟"
ضحك يامن.
"ومن قال إنهما بُنيا أصلًا؟"
"أنت لا تصدق أنهما جبلان."
"وأنت لا تصدق ذلك أيضًا."
ساد صمت قصير بينهما.
ثم جلس يامن فوق صخرة قريبة وقال:
"بصراحة؟"
"ماذا؟"
"أظن أن هناك شيئًا ناقصًا."
ابتسم هوسين.
"هذه أول جملة عاقلة أسمعها منك اليوم."
رمقه يامن بنظرة مستاءة.
"أنا جاد."
وأشار نحو البرجين.
"انظر إليهما."
فعل هوسين ذلك.
"كل شيء في القرية يبدو طبيعيًا؛ البيوت، الحقول، البحيرة، السوق..."
ثم رفع إصبعه نحو الأفق.
"إلا هذين."
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يجد هوسين ردًا سريعًا.
لأن جزءًا منه كان يفكر بالأمر نفسه تمامًا
عادا إلى العمل بعد ذلك، لكن كلمات يامن لم تغادر ذهن هوسين بسهولة.
في البداية ظن أنها مجرد ملاحظة عابرة، واحدة من تلك الأفكار التي يطلقها صديقه بين الحين والآخر ثم ينساها بعد دقائق. غير أن الأمر كان مختلفًا هذه المرة. فكلما رفع رأسه نحو الأفق، وجد البرجين ما يزالان هناك، يطلان على القرية بصمتهما المعتاد، وكأنهما ينتظران شيئًا لا يأتي.
كانت الشمس قد بدأت تميل ببطء نحو الغرب، وأخذ الضوء يتغير تدريجيًا فوق الحقول. امتدت الظلال طويلًا بين خطوط الزراعة، فيما حملت الرياح رائحة الأعشاب المبللة والتراب الدافئ. لم يكن في المشهد ما يدعو للقلق، بل كان جميلًا على نحو يجعل المرء يطمئن إلى أن الغد سيشبه اليوم، وأن الحياة ستواصل دورانها كما فعلت دائمًا.
ومع ذلك، لم يستطع هوسين التخلص من ذلك الشعور الغامض.
شعور بأن شيئًا ما لا ينسجم تمامًا مع الصورة.
شيء صغير.
شديد الصغر.
لكنه موجود.
انشغل بعدها بنقل بعض الأدوات إلى العربة الخشبية، وساعد والده في ترتيبها استعدادًا للعودة. أما يامن، فكان كعادته يتحدث أكثر مما يعمل، متنقلًا بين المواضيع بسرعة لا تسمح لأي فكرة بالبقاء طويلًا.
مرة يتحدث عن الحصاد.
ومرة عن كتاب قديم وجده في بيت السجلات.
ثم ينتقل فجأة إلى الحديث عن الحلوى الجديدة التي سمع عنها في السوق.
وكأن عقله لا يعرف الاستقرار على فكرة واحدة.
حين انتهى العمل أخيرًا، كانت الشمس تلامس أطراف الجبال البعيدة، ناشرة فوق الحقول لونًا ذهبيًا هادئًا.
مسح يامن العرق عن جبينه وقال بانتصار:
"والآن."
تنهد هوسين قبل أن يجيبه:
"الحلوى."
أشار يامن إليه بحماس.
"الحلوى."
ثم أعاد الكلمة مرة أخرى وكأنه يعلن عن حدث تاريخي.
"الحلوى."
ضحك والد هوسين وهو يهز رأسه.
"اذهبا قبل أن يقضي بقية المساء يتحدث عنها."
لم يحتج يامن إلى سماع الجملة كاملة.
فقد كان قد بدأ السير نحو القرية بالفعل.
في طريق العودة، بدت الجبلين مختلفة قليلًا عن الصباح. الأضواء بدأت تشتعل خلف بعض النوافذ، والدخان الخفيف أخذ يتصاعد من المداخن الحجرية، بينما ازدادت حركة الناس كلما اقتربا من السوق.
كانت أصوات الباعة تختلط بضحكات الأطفال، ورائحة الخبز الطازج تمتزج بروائح الطعام القادمة من الأكشاك الصغيرة. بدا كل شيء حيًا ومألوفًا، كأن القرية بأكملها تجتمع في هذا المكان مع نهاية كل يوم.
ثم لمح هوسين شخصًا يقف عند مدخل السوق.
سيد حاسم.
لكنه لم يكن جالسًا هذه المرة على مقعده المعتاد.
كان واقفًا.
صامتًا.
وعيناه متجهتان نحو مكان ما خلف البيوت، بعيدًا عن الناس والضجيج.
تبع هوسين اتجاه نظره، لكنه لم يرَ شيئًا غير مألوف.
مجرد أسطح حجرية.
وأزقة ضيقة.
وظلال المساء التي أخذت تتمدد فوق الأرض.
ومع ذلك، لم يستطع التخلص من شعور غريب بأن العجوز كان يرى شيئًا لا يراه أحد غيره.
ثم، ولأول مرة منذ أيام طويلة، التقت عيناهما.
ولجزء من الثانية فقط...
شعر هوسين وكأن الزمن تباطأ حوله.
لم يتغير شيء في ملامح سيد حاسم.
لم يبتسم.
ولم يتكلم.
لكن نظرته حملت شيئًا أربكه دون أن يفهمه.
شيئًا يشبه المعرفة.
أو الترقب.
أو ربما ذكرى قديمة لا تخصه.
وبعدها أدار العجوز وجهه بهدوء، واستأنف سيره نحو الطريق المؤدي إلى بيت السجلات، كأن شيئًا ما هناك قد استدعى انتباهه.
ظل هوسين يتابعه بعينيه حتى اختفى بين البيوت.
ولم يدرك حينها أن تلك اللحظة الصغيرة، التي بدت عادية إلى هذا الحد، ستكون أول خيط يقوده نحو أسئلة أكبر بكثير من قرية الجبلين نفسها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.