مغارة الوجود
مغارة الوجود
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

01: اليوم الذي يعيد نفسه

في أعالي الجبال الشرقية، حيث تتكسر الرياح قبل أن تصل إلى الأرض وكأنها تتراجع احتراما لخشونة الصخور، كانت قرية الجبلين تستقر في مكانها منذ زمن لا يهتم أحد بعده. لم تكن قرية تلفت النظر لمن يراها من بعيد، لكنها لمن يعيش فيها كانت العالم كله، لا لأن العالم صغير، بل لأن فكرة الخروج منه لم تُختبر يوما بما يكفي لتصبح ممكنة أو مستحيلة.
في ذلك الصباح، استيقظت القرية كما تفعل دائمًا، دون استعجال ودون تأخر، كأن هناك إيقاعا خفيا ينظم كل شيء حتى التنفس نفسه. الدخان يتصاعد من البيوت الحجرية القديمة، والأزقة الترابية تمتلئ بحركة مألوفة لا تحمل أي مفاجأة. الأطفال يخرجون يركضون بين البيوت، ضحكاتهم تتكرر بنبرة تجعل من الصعب التمييز بين اللحظة الحالية وأخرى سبقتها في يوم لا أحد يتذكر بدايته.
في أحد تلك البيوت، كان هوسين، في الخامسة عشرة من عمره، لا يبدو طويلًا بما يكفي ليُحسب رجلًا كامل الملامح، ولا طفلًا يمكن تجاهله. جسده نحيل مشدود من حياة الريف والعمل، فيه صلابة هادئة لا تحتاج إلى استعراض. شعره الأسود يتدلّى من الأمام بشكل غير مرتب، كأنه يرفض أن يُقيد، بينما تتسلل خصلات بيضاء خفيفة عند مؤخرة عنقه، شيء لا يلاحظه الناس عادة... لكنه هناك، كعلامة لا يفهم معناها أحد غيره.
فتح هوسين عينيه على ضوء الصباح المتسلل من شقوق النافذة الخشبية. كانت عيناه الذهبيتان تلتقطان التفاصيل بصمت غريب؛ نظرة لا تبدو فضولية بقدر ما هي مراقِبة، كأنها اعتادت البحث عن ما لا يُقال أكثر مما يُقال. لم يكن في استيقاظه ما يستدعي الانتباه، ومع ذلك كان ذلك الإحساس الخفيف حاضرًا دائمًا، إحساس لا اسم له، كأن العالم سبق له أن مرّ بهذه اللحظة من قبل، ليس بوضوح، بل كظل فكرة لا تكتمل.
نهض بصمت، مرّ عبر الممر الضيق داخل البيت حيث كانت والدته منشغلة بتحضير شيء بسيط للطعام. لم تنظر إليه مباشرة حين قالت بصوت عادي يحمل ثقل التكرار أكثر مما يحمل معنى الكلمات: لا تتأخر اليوم. لم يكن في الجملة ما يستدعي التفكير، لكن هوسين، كعادته، لاحظ أنها تُقال دائمًا بالطريقة نفسها، كأنها ليست نصيحة، بل جزء من طقس يومي لا يُكسر.
خرج إلى الهواء البارد الذي يهبط من الجبال دون أن يستأذن أحدًا. الطريق الترابي الممتد بين البيوت كان مألوفًا إلى درجة تجعل تفاصيله غير مرئية تقريبًا، ومع ذلك كان هوسين يراه كل مرة وكأنه يراه لأول مرة، لا لأن فيه شيئًا جديدًا، بل لأن الاعتياد نفسه أصبح غريبًا.
في طريقه نحو السوق، كانت القرية تعمل كما لو أنها تتذكر نفسها كل يوم بالطريقة ذاتها. الأطفال يركضون في المسارات نفسها غير المكتوبة، النساء يجلسن أمام البيوت يتبادلن كلامًا قصيرًا لا يحتاج إلى بداية أو نهاية، والرجال يتجهون نحو السوق بخطوات تعرف وجهتها مسبقًا دون قرار. حتى الأصوات... ضحكات، نداءات، احتكاك الأشياء... كانت تأتي وكأنها تُعاد بنفس الترتيب، مع اختلاف بسيط في الزمن لا يمكن الإمساك به.
السوق في قلب القرية لم يكن كبيرًا، لكنه كان كافيًا ليكون مركز الحياة كلها. هناك تُباع الأشياء البسيطة، وهناك تُقال الجمل القصيرة التي تُغني عن الأسئلة. كان كل شيء يبدو حيًا، لكن بطريقة لا تترك مجالًا للفوضى، كأن الحياة نفسها خضعت لاتفاق غير معلن على ألا تتجاوز حدودها.
مرّ هوسين بين الناس دون أن يلفت الانتباه، ومع ذلك كان يشعر أن مجرد مروره يحمل وزنًا غير مفهوم. كل شيء مألوف أكثر مما ينبغي، مألوف لدرجة تثير الشك بدل الراحة. توقف للحظة عند أحد الأزقة الصغيرة المؤدية إلى زاوية السوق، وهناك لمح الرجل العجوز الجالس دائمًا في مكانه المعتاد.
كان العجوز معروفًا بين أهل القرية دون أن يكون معروفًا فعلًا. يجلس عند الزاوية نفسها كل يوم، بعصاه الخشبية التي تبدو كأنها جزء منه أكثر من كونها أداة، وعيناه تتابعان الحركة دون أن تشاركا فيها. كان يُدعى بالرجل المنشود، لكن الاسم لم يكن يضيف له شيئًا بقدر ما كان يثبت وجوده في ذاكرة القرية فقط.
حين مرّ هوسين بجانبه، رفع العجوز رأسه ببطء. نظرة قصيرة... لكنها غير مريحة. ليست لأنها تحمل تهديدًا، بل لأنها بدت كأنها ترى ما هو أبعد من اللحظة نفسها. لم يتكلم، ولم يتحرك، لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتجعل هوسين يتوقف داخليًا دون أن يتوقف جسده.
واصل طريقه، لكن الإحساس لم يختفِ. لم يكن خوفًا، ولا فضولًا واضحًا، بل شيء أقرب إلى فكرة لم تكتمل لكنها رفضت المغادرة. كلما ابتعد عن الزاوية، خفّ ذلك الشعور، لكنه لم يختفِ تمامًا، كأنه لم يعد مرتبطًا بالمكان بل به هو نفسه.
في منتصف السوق، بدأ يلاحظ شيئًا لا يستطيع تفسيره بسهولة. ليس حدثًا محددًا، بل انتظامًا زائدًا في كل شيء. الأصوات تأتي في توقيت دقيق أكثر مما ينبغي، الحركة تتكرر بطريقة تكاد لا تُرى إلا إذا توقفت عن الاندماج فيها للحظة. لم يكن هناك خطأ واضح، لكن الإحساس بالخطأ كان حاضرًا كظل بلا مصدر.
هز رأسه بخفة كمن يحاول طرد فكرة لا يريد الاعتراف بها، وأكمل سيره، لكن السؤال بدأ يتشكل في مكان ما داخله دون أن يصل إلى سطحه بعد... سؤال غير مكتمل، لكنه يقترب ببطء من شكله:
لماذا يبدو كل شيء وكأنه يعرف ما سيحدث قبل أن يحدث؟
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.