مغارة الوجود
مغارة الوجود
جزء 5 من 7
وضع القراءة:

الفصل الخامس :الجذور

استيقظ هوسين وسؤاله لا يزال جاثمًا في صدره كحجر نسي أن يضعه جانبًا قبل النوم.
لم يكن الصباح مختلفًا عن غيره. تسللت أشعة الشمس من بين شقوق النافذة الخشبية، ووصلت إليه أصوات القرية التي بدأت تستيقظ على مهل؛ صوت دلو يُسحب من بئر، ونباح كلب بعيد، وحديث متقطع بين جارتين عند طرف الزقاق. كانت نفس الأصوات التي سمعها طوال حياته، لكنها بدت له هذا الصباح كأنها تأتي من مكان أبعد بقليل.
جلس على حافة فراشه للحظات، ثم نهض وغسل وجهه قبل أن يتجه نحو المائدة.
كانت والدته تضع الخبز الساخن فوق الطبق الخشبي حين دخل.
ابتسمت دون أن تنظر إليه وقالت الجملة نفسها التي اعتادت تكرارها منذ سنوات:
"لا تدع الطعام يبرد وأنت شارد كالعادة."
في الأيام السابقة كانت جملة عابرة، تُقال ثم تُنسى. أما اليوم فقد توقفت في ذهنه لسبب لم يفهمه.
شارد...
وكأنه كان فعلًا في مكان آخر.
جلس بصمت وأخذ قطعة من الخبز، بينما راح والده يتحدث عن العمل والحصاد القادم، لكن الكلمات كانت تمر من حوله دون أن تستقر. كان السؤال الذي رافقه إلى النوم لا يزال حاضرًا، هادئًا وعنيدًا في الوقت نفسه.
لماذا أشعر دائمًا أن هناك شيئًا ناقصًا في هذا العالم؟
ولم يجد جوابًا.
لم يطل انتظاره.
فبعد وقت قصير دوى صوت مألوف من خارج المنزل.
"هوسين!"
ابتسم رغم نفسه.
يامن.
فتح الباب فوجد صديقه واقفًا كعادته، إلا أن شيئًا مختلفًا ظهر هذه المرة في ملامحه.
"لن أذهب إلى المزرعة اليوم."
رفع هوسين حاجبه.
"هل مرضت؟"
"لا."
"إذًا كسلت."
"ربما."
قالها يامن وهو يبتسم دون خجل.
ثم أضاف:
"لكنني أملك فكرة أفضل."
تنهد هوسين.
"هذا ما يقلقني."
ضحك يامن وقال:
"بيت السجلات."
توقف هوسين لحظة.
"بيت السجلات؟"
"نعم."
رفع كتفيه بلا مبالاة.
"سئمت العمل. وسئمت السوق. وحتى الحلوى لم تعد تستحق رحلة كاملة."
ثم اقترب قليلًا وأضاف:
"كما أنني لم أدخل بيت السجلات منذ أسبوع كامل."
قالها وكأن أسبوعًا زمن طويل للغاية.
هز هوسين رأسه مستسلمًا.
وفي الحقيقة لم يكن بحاجة إلى كثير من الإقناع.
سارا عبر الأزقة التي بدأت تمتلئ بالحركة تدريجيًا.
الأطفال يركضون بين البيوت، والباعة يجهزون بضائعهم، ورائحة الخبز تملأ الهواء.
وحين بلغا الساحة الصغيرة التي اعتاد سيد حاسم الجلوس عند طرفها، التفت هوسين تلقائيًا نحو الزاوية الحجرية.
كانت فارغة.
للمرة الأولى منذ زمن لا يتذكره.
تباطأت خطواته دون وعي.
أما يامن فواصل حديثه عن كتاب قرأه مؤخرًا دون أن ينتبه إلى شيء.
بقيت عيناه معلقتين بالمكان للحظة أخرى قبل أن يكمل السير.
لا أكثر.
لكن الفراغ الذي تركه غياب الرجل العجوز بدا أوضح من حضوره أحيانًا.
كان بيت السجلات يستقر عند طرف القرية كما لو أنه نسيه الزمن.
جدرانه الحجرية القديمة تحمل آثار أعوام لا تُحصى، وسقفه المائل بدا وكأنه يقاوم الانهيار بعناد غريب.
دفع يامن الباب الخشبي فصدر عنه صوت طويل خافت.
ثم دخلا.
استقبلهما ذلك الهواء المألوف الذي لا يشبه أي مكان آخر.
رائحة ورق قديم امتزجت بشيء آخر لم يعرف هوسين يومًا كيف يسميه؛ شيء يشبه رائحة الزمن نفسه.
كان الضوء يدخل من نافذة ضيقة في أعلى الجدار، فيرسم خطوطًا باهتة وسط الغبار العالق في الهواء.
أما الصمت...
فلم يكن صمت مكان فارغ.
بل صمت مكان يحتفظ بأشياء أكثر مما يقول.
تفرقا بين الرفوف كعادتهما.
أخذ يامن يقلب الكتب بسرعة، يفتح بعضها ويغلق بعضها الآخر دون هدف واضح.
بينما راح هوسين يمرر أصابعه فوق العناوين القديمة.
وكان كل شيء يبدو مألوفًا.
حتى لم يعد كذلك.
"هوسين."
جاءه صوت يامن هذه المرة مختلفًا.
التفت نحوه.
كان يقف قرب رف بعيد، ممسكًا بكتاب عريض بين يديه.
أدار الكتاب مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم نظر إليه بالطريقة التي ينظر بها حين لا يجد ما يقوله.
وهنا فقط شعر هوسين بشيء يتحرك داخله.
لأن يامن...
كان يجد دائمًا ما يقوله.
اقترب منه.
تناول الكتاب بحذر.
كان أثقل مما يبدو.
وغلافه مختلفًا عن بقية الكتب.
أقدم.
أقسى.
وكأن السنوات مرت عليه بطريقة مختلفة.
مرر أصابعه فوقه.
لا عنوان.
لا اسم مؤلف.
لا رمز يشير إلى مصدره.
لا شيء.
مجرد غلاف صامت.
فتح الصفحة الأولى.
فتجمدت عيناه.
لم تكن هناك أي حروف يعرفها.
امتلأت الصفحات بخطوط ورموز متشابكة، منظمة بشكل واضح، تتكرر وفق نمط معين، وكأنها لغة حقيقية كاملة.
لغة كُتبت بعناية.
لكنها لا تشبه أي شيء رآه من قبل.
أخذ يامن يقلب الصفحات بفضول متزايد.
أما هوسين فتوقفت يداه فجأة عند صفحة في منتصف الكتاب.
هناك...
وسط الرموز.
كان يوجد رسم.
لم يفهمه فورًا.
لكنه شعر بشيء يشده نحوه.
بدا كأنه مخطط لشيء ما.
أو صورة مبسطة لبنية ضخمة.
أو ربما...
شيء رآه سابقًا.
تقلصت عيناه.
حاول التذكر.
أين؟
متى؟
لم يعرف.
لكن ذلك الإحساس المزعج بقي حاضرًا.
إحساس الشخص الذي يقف أمام وجه مألوف دون أن يتذكر اسمه.
وحين همّ بإغلاق الكتاب، لمح تفصيلًا صغيرًا عند حافة التجليد.
رمزًا محفورًا بخفة في الجلد القديم.
رمزًا بسيطًا للغاية.
لكن قلبه انقبض لسبب لم يفهمه.
لقد رآه من قبل.
ليس في كتاب.
بل في مكان آخر.
مكان قريب.
مكان يرتبط برجل عجوز يجلس عادة في زاوية السوق.
رفع رأسه نحو يامن.
لكنه لم يقل شيئًا.
أما يامن فلم يبدُ أنه لاحظ الرمز أصلًا.
"لنأخذه."
قال يامن ببساطة.
"ماذا؟"
"الكتاب."
ابتسم.
"إذا بقينا هنا نحاول فهمه سنموت قبل أن ننهي الصفحة الأولى."
ظل هوسين صامتًا لثانية.
كان يشعر أن الكتاب أثقل من مجرد أوراق قديمة.
وكأن حمله يعني شيئًا أكثر مما يبدو.
ثم أغلق الغلاف ببطء.
وقال:
"حسنًا."
وكان ذلك أول قرار يتخذه بدافع فضوله وحده.
عندما غادرا بيت السجلات، كان ضوء النهار قد ازداد سطوعًا في الخارج.
وقفا عند الباب للحظة قصيرة.
التفت هوسين خلفه.
نظر إلى الرفوف.
إلى الظلال.
إلى المكان الذي دخله عشرات المرات من قبل.
لكنه بدا له مختلفًا الآن.
ليس لأن المكان تغير.
بل لأن شيئًا فيه لم يعد خفيًا كما كان.
خرجا أخيرًا، والكتاب بين يدي يامن.
لم يقل أي منهما شيئًا.
1 قراءة
0 إعجاب
1 تعليق

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 4 أسابيع
شاركوني اسئلتكم وفرضياتكم حول الاحدات الحالية

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.