الفصل السادس :مجهول
حين غادرا بيت السجلات، لم يتجها نحو السوق هذه المرة.
بقي الكتاب بين يدي يامن، بينما ظل هوسين صامتًا على غير عادته. لم يكن يفكر في الرموز وحدها، بل في ذلك الإحساس الذي رافقه منذ فتح الصفحة الأخيرة؛ إحساس غريب يشبه الوقوف أمام باب تعرف أنه مهم، لكنك لا تتذكر أين رأيته من قبل.
سارا عبر الأزقة الحجرية حتى تجاوزا آخر البيوت، ثم انحدرا في الطريق الترابي المؤدي إلى أطراف المزارع.
كانت الشمس تميل ببطء نحو الغرب، ترسم فوق الحقول ظلالًا طويلة تمتد بين السنابل وأشجار التين القليلة المنتشرة هنا وهناك. أما الريح، فكانت تمر بهدوء فوق الأعشاب، وكأنها لا تحمل همًا في هذا العالم كله.
في نهاية الممر الزراعي ظهرت البحيرة الصغيرة.
لم تكن كبيرة بما يكفي لتسمى بحرًا، ولا صغيرة بما يكفي لتكون مجرد بركة. كانت بقعة ماء هادئة استقرت عند أطراف الأراضي الزراعية منذ زمن. يقصدها الرعاة أحيانًا، ويأتي إليها الأطفال في أوقات الحر، لكنها في معظم الأيام تبقى وحيدة، تراقب السماء بصمت.
هناك، قرب صخرة ملساء اعتادا الجلوس عليها منذ طفولتهما، توقفا أخيرًا.
جلس يامن أولًا.
أما هوسين فبقي واقفًا لحظة يحدق في سطح الماء قبل أن يجلس إلى جواره.
لم يتكلم أي منهما.
كان الكتاب مستقرًا بينهما.
كأنه ضيف ثالث لا يعرفان كيف يبدآن الحديث معه.
فتح يامن الغلاف مجددًا.
قلب عدة صفحات.
ثم زفر بضيق.
"حسنًا."
أغلقه مرة أخرى.
"أستسلم."
التفت إليه هوسين.
"بهذه السرعة؟"
"وماذا تريدني أن أفعل؟"
رفع الكتاب قليلًا.
"لو كانت لغة قديمة لفهمت. لو كانت شيفرة لدرستها. لو كانت رسومات أطفال لضحكت."
ثم أشار إلى الصفحات.
"أما هذا؟ لا أعرف حتى من أين أبدأ."
ابتسم هوسين رغم شروده.
كانت هذه إحدى صفات يامن التي أحبها دائمًا؛ يعترف بحيرته كما يعترف بحماسه.
أخذ الكتاب منه.
فتح الصفحة التي استوقفته داخل بيت السجلات.
الصفحة نفسها.
الرسم نفسه.
تلك الخطوط التي بدت مألوفة بطريقة مزعجة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
أطول مما ينبغي.
حتى شعر يامن بالأمر.
"عدت إليها مجددًا."
لم يرفع هوسين عينيه.
"أشعر أنني رأيتها من قبل."
ساد الصمت.
ثم ضحك يامن بخفة.
"وأنا أشعر أنني رأيت ألف شيء من قبل."
هز هوسين رأسه.
"ليس هكذا."
تردد قليلًا.
"الأمر يشبه..."
بحث عن الكلمات.
"...أن تتذكر حلمًا قديمًا دون أن تتذكره فعلًا."
اختفت الابتسامة عن وجه يامن هذه المرة.
نظر إلى الرسم بدوره.
ثم إلى البحيرة.
ثم إلى الأفق البعيد حيث ترتفع الجبال التي تحيط او تطوق القرى.
"تعرف ما الذي يزعجني؟"
سأله هوسين:
"ماذا؟"
أراح يامن ظهره على الصخرة.
"أن هذا الكتاب موجود أصلًا."
رفع حاجبيه متعجبًا.
فتابع:
"بيت السجلات يحتفظ بكل شيء تقريبًا. سجلات الحصاد، خرائط الأراضي، قصص القرى القديمة..."
ثم أشار إلى الكتاب.
"أما هذا فلا يشبه أي شيء هناك."
سكت قليلًا.
"كأنه وصل من مكان لا نعرفه."
تبع هوسين نظره نحو الأفق.
بعيدًا، خلف الأراضي الزراعية، كانت الجبال ترسم حدود عالمهما المعروف.
داخل تلك الحدود قامت قرية الجبلين.
وفي أماكن أبعد قامت مدينة الحجارة القديمة، التي لا يزورها إلا القليل.
أما وراء التلال الشمالية فتوجد بقايا الأطلال، التي لم يبق منها سوى الاسم وبعض القصص التي يتناقلها الناس همسًا.
وأما ما يقع أبعد من ذلك ....
فكان يبدأ حيث تنتهي معرفة أهل الجبلين.
فجأة بدت تلك الأماكن أقل ألفة مما كانت عليه صباحًا.
وكأن الكتاب لم يفتح صفحة مجهولة فقط...
بل فتح احتمالًا مجهولًا.
ظل الاثنان صامتين لبعض الوقت.
الماء يتحرك ببطء.
والريح تمر فوق سطح البحيرة.
والشمس تواصل رحلتها نحو المغيب.
ثم اعتدل يامن فجأة.
تلك الحركة التي عرفها هوسين جيدًا.
الحركة التي تسبق ولادة فكرة جديدة داخل رأس صديقه.
"حسنًا."
قالها وهو يصفق بكفيه مرة واحدة.
"إذا كنا لا نفهمه..."
التفت نحو هوسين.
"...فلنسأل شخصًا يفهم أكثر منا."
ابتسم هوسين.
"ومن يكون هذا الشخص؟"
هز يامن كتفيه.
"أحد الشيوخ."
ثم أضاف بحماسه المعتاد:
"لا بد أن أحدهم رأى شيئًا كهذا من قبل."
نظر هوسين إلى الكتاب مرة أخرى.
ثم إلى المياه الساكنة أمامه.
لم يكن مقتنعًا أن الأمر بهذه البساطة.
لكنه، ولأول مرة منذ خروجهما من بيت السجلات، شعر أنه يملك اتجاهًا يسير نحوه.
حتى لو كان اتجاهًا يقود إلى أسئلة أكثر من الأجوبة
Part:02
افترق الصديقان عند أول زقاق يقود إلى قلب القرية.
رفع يامن يده مودعًا، بينما ظل الكتاب محشورًا تحت ذراعه كغنيمة لا يعرف بعد قيمتها الحقيقية.
"غدًا سنجد من يفسره."
قالها بثقة المعتاد على تحويل المجهول إلى مغامرة.
ابتسم هوسين دون أن يجيبه، ثم أكمل طريقه وحده.
كانت القرية تستعد لابتلاع يوم آخر.
الدخان الخفيف ارتفع من بعض المداخن، والبيوت الحجرية أخذت تكتسي بألوان المساء الأخيرة، بينما راحت الأصوات تتراجع تدريجيًا
كل شيء يسير كما ينبغي.
وهذا بالتحديد ما أزعجه.
منذ ساعات فقط كان العالم بسيطًا بما يكفي ليُفهم.
حقل يحتاج إلى حراثة.
سوق يفتح مع الصباح ويغلق مع المغيب.
بحيرة يقصدانها حين يضيق بهما الفراغ.
أما الآن...
فكتاب واحد كان كافيًا ليضع صدعًا صغيرًا في صورة اعتقد طويلًا أنها مكتملة.
حين دخل المنزل وجد الحياة مستمرة دون انتظار أحد.
أمه منشغلة بترتيب أواني العشاء.
أخوه الأصغر يطارد فكرة ما داخل لعبته الخشبية المكسورة.
ووالده يجلس بالقرب من الباب وقد وضع أدواته جانبًا بعد يوم طويل من العمل.
مشهد رآه مئات المرات.
وربما لهذا السبب شعر بغرابة خفية وهو يتأمله.
كأن شيئًا تغير فيه هو، لا فيهم.
جلس بينهم.
شارك الحديث حين احتاج الأمر.
وضحك حين ضحك الآخرون.
لكن ذهنه كان يعود كل مرة إلى صفحة بعينها، إلى خطوط متشابكة لم يفهم منها شيئًا، ومع ذلك لم تستطع مغادرة أفكاره.
مر الوقت حتى اجتمعت العائلة حول المائدة.
توزعت الأحاديث فوق الاكل الساخن وأكواب الشراب كما يحدث كل مساء.
ثم، وسط كلام عابر عن الأشجار والمزرعة، قال والده:
"أحيانًا تظل الجذور نائمة سنوات طويلة، ثم تستيقظ حين يظن الجميع أنها انتهت."
لم يكن يقصد أكثر من حديث زراعي بسيط.
لكن الكلمة استقرت في ذهن هوسين على نحو مختلف.
الجذور.
كأنها لم تكن كلمة جديدة.
ولا قديمة.
بل شيء ضاع منه ذات يوم وعاد يمر أمامه دون أن يتعرف عليه بالكامل.
رفع بصره نحو والده.
أراد أن يسأل.
عن ماذا؟
لم يكن يعرف.
لذلك ترك السؤال يعود إلى مكانه.
وأكمل طعامه بصمت
في تلك الليلة، لم يتأخر عن غرفته.
أغلق الباب واستلقى محاولًا أن يمنح جسده الراحة التي يطلبها، لكن الأفكار كانت أكثر يقظة من أن تسمح بذلك.
كلما أغمض عينيه ظهرت الصفحة.
وكلما حاول تذكر الرسم بدقة، ابتعد عنه أكثر.
كان أشبه بأثر قدم فوق الرمل.
تراه بوضوح.
لكن ما إن تقترب حتى تبدأ حدوده بالتلاشي.
بعد وقت لم يستطع تقديره، نهض واتجه نحو النافذة.
دفعها قليلًا.
فتسلل هواء الليل البارد إلى الغرفة.
في الخارج بدت القرية أصغر مما تبدو نهارًا.
أهدأ.
وأصدق بطريقة ما.
بعيدًا، عند حافة الظلام، ارتفع الجبلان فوق الأفق كعادتهما.
لا حركة.
لا صوت.
لا شيء يلفت الانتباه.
ومع ذلك بقي ينظر نحوهما.
كأن جزءًا منه ينتظر شيئًا لا يعرفه.
ثم لمح ما حسبه في البداية خدعة بصر.
ومضة قصيرة.
شيء أشبه بانعكاس خاطف فوق الحجر.
ظهرت.
واختفت.
بسرعة جعلته يشك حتى في حدوثها.
ظل واقفًا مكانه بضع لحظات.
ثم أغلق النافذة وعاد إلى فراشه.
لكن النوم لم يأتِ مباشرة.
لأن سؤالًا جديدًا كان قد بدأ يتشكل بهدوء داخل أعماقه.
ولم يكن متعلقًا بالكتاب هذه المرة.
بل بالقرية نفسها.
اغمض عينيه
الومضة لا تزال هناك
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!