الفصل04:ما لا يذكر
لم يتبع هوسين سيد حاسم.
ولم يفكر في ذلك أصلًا.
فبعد يوم طويل من العمل تحت الشمس، بدا السوق أكثر إلحاحًا من أي لغز آخر، خصوصًا بالنسبة إلى يامن الذي لم يتوقف عن الحديث عن الحلوى الجديدة منذ مغادرتهما الحقول.
وبينما كان العجوز يبتعد بخطواته الهادئة نحو الطريق المؤدي إلى بيت السجلات، تابع الصديقان سيرهما بين الأزقة المزدحمة دون أن يضيف أي منهما شيئًا عن الأمر.
ومع ذلك، بقيت صورة سيد حاسم عالقة في ذهن هوسين.
لم تكن النظرة التي تبادلاها غريبة بما يكفي لتستحق التفكير، لكنها أيضًا لم تكن عادية بما يكفي ليتمكن من نسيانها.
كان هناك شيء ما في تلك اللحظة.
شيء لم يستطع الإمساك به.
ولا حتى وصفه.
ولهذا السبب بالذات ظل يرافقه بصمت.
أما يامن، فقد بدا منشغلًا بقضية أكثر أهمية في نظره.
وقف أمام أحد الأكشاك الخشبية في السوق وهو يتأمل ما عُرض أمامه بعينين متحمستين، ثم اشترى ما كان يبحث عنه أخيرًا.
وما إن تذوق أول قطعة حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار مبالغ فيها.
"اعترف."
قالها وهو يشير بالحلوى نحوه.
نظر إليه هوسين باستغراب.
"بماذا؟"
"بأنني كنت محقًا."
تنهد هوسين وهو يعرف مسبقًا ما سيأتي.
"بخصوص ماذا هذه المرة؟"
رفع يامن إصبعه بثقة.
"استكشاف العالم يبدأ من المعدة."
لم يستطع هوسين منع نفسه من الابتسام.
هز رأسه مستسلمًا بينما تابع صديقه حديثه بحماس عن النكهات والمكونات وكأنه يشرح نظرية فلسفية معقدة.
ومع اقتراب الغروب، بدأت حركة السوق تخف تدريجيًا.
أخذت الأكشاك تغلق أبوابها الواحد تلو الآخر، وعاد الناس إلى منازلهم بعد يوم طويل، بينما انزلقت آخر خيوط الشمس فوق أسطح البيوت الحجرية.
عند مفترق الطريق القريب من الساحة الصغيرة، افترق الصديقان كعادتهما.
لوّح يامن بيده وهو يبتعد.
"لا تنسَ."
رفع هوسين حاجبه.
"أن تستيقظ غدًا."
ضحك يامن قبل أن يضيف:
"العالم لا يكتشف نفسه."
ثم أكمل طريقه.
ظل هوسين يراقبه للحظة حتى اختفى بين الأزقة، قبل أن يتابع سيره نحو منزله.
كانت القرية في تلك الساعة مختلفة عن الصباح.
أهدأ.
وأكثر دفئًا.
الدخان الخفيف يتصاعد من المداخن، والأضواء الأولى بدأت تظهر خلف النوافذ، بينما حمل الهواء المسائي رائحة الخبز والطعام المطهو حديثًا.
وحين وصل إلى المنزل، وجد الحياة تسير على إيقاعها المعتاد..
جلس بينهم.
تناول الطعام.
شاركهم الحديث.
كانت أجواء العشاء هادئة على نحو مألوف. تبادل والده الحديث مع والدته حول الحصاد القادم، بينما انشغل أخوه الأصغر بسرد تفاصيل يومه بحماس لا ينتهي. أما هوسين فكان يشاركهم الحديث أحيانًا، ويكتفي بالاستماع أحيانًا أخرى، إلى أن وجد نفسه شاردًا من جديد.
راح يحرّك قطعة الخبز بين أصابعه دون انتباه، بينما كانت عيناه معلقتين في مكان ما أبعد من جدران المنزل والقرية كلها. خرجت الكلمات من فمه فجأة، وكأنه كان يحدث نفسه أكثر مما يحدث الجالسين معه.
"متى سينكسر هذا الركود؟"
ساد الصمت حول المائدة للحظة قصيرة.
رفعت والدته نظرها نحوه باستغراب، بينما تبادل أخوه الأصغر نظرة حائرة مع والده الذي اكتفى بابتسامة خفيفة قبل أن يمد يده ويمنحه نقرة لطيفة على رأسه.
وقال ضاحكًا:
"تتكلم وكأنك رجل عاش قرونًا طويلة."
ارتفعت بعض الضحكات الخافتة حول المائدة، لكن هوسين لم يضحك هذه المرة. بل رفع رأسه ونظر إلى والده بعناد طفولي لم يفارقه تمامًا رغم تقدمه في العمر.
"لا تلمني."
ثم أضاف بعد لحظة:
"أنا فقط لا أريد أن أمضي حياتي كلها هنا."
توقفت ابتسامة والده قليلًا.
أما هوسين فتابع كلامه وقد بدأ ما في صدره يخرج أخيرًا.
"كل يوم يشبه الذي قبله. نستيقظ، نعمل، نعود، ثم نكرر الأمر نفسه من جديد. وكأن الأيام تدور في دائرة لا تنتهي."
خفض نظره نحو المائدة قبل أن يكمل بصوت أهدأ:
"أريد أن أرى شيئًا مختلفًا... أن أذهب إلى مكان لم أره من قبل. أريد أن أعرف ماذا يوجد خلف هذه الجبال. أريد أن أشعر أنني أتحرك إلى الأمام بدل أن أبقى واقفًا في المكان نفسه."
لم يجبه أحد.
ليس لأنهم تجاهلوه.
بل لأن كلماته بدت أكبر من الحديث العادي الذي كان يدور قبل لحظات.
ساد صمت قصير فوق المائدة، ثم عادت الأحاديث تدريجيًا إلى مسارها السابق؛ حديث عن العمل، وعن السوق، وعن أمور يومية بسيطة. وكأن ما قاله هوسين كان حجرًا صغيرًا سقط في الماء، أحدث دوائر قليلة قبل أن يبتلعها السطح من جديد.
أما هو، فقد بقي صامتًا.
كان يستمع إلى الأصوات من حوله دون أن يشارك فيها فعلًا. وبينما استمرت الحياة داخل المنزل كما اعتادت دائمًا، أخذ ذلك الصمت الداخلي يكبر شيئًا فشيئًا في أعماقه، ومعه بدأت الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا تتزاحم من جديد.
بعد انتهاء العشاء، خرج إلى الفناء الصغير خلف المنزل.
كان الليل يهبط بهدوء فوق قرية الجبلين، ناشرًا سكونه المعتاد فوق الأسطح والطرقات. مرت نسمة باردة بين الأشجار القليلة القريبة، فحملت معها رائحة الأرض الرطبة وآثار المطر الذي هطل في الليلة الماضية.
رفع هوسين عينيه نحو الأفق.
ومن بين ظلال الجبال المتداخلة، استطاع أن يميز شكل الجبلين
كانا ما يزالان هناك.
صامتين.
ثابتين.
كأنهما لا يعرفان معنى التغير الذي يصيب كل شيء حولهما.
وبدون إرادة منه، عاد إلى تذكر سيد حاسم.
تلك النظرة العابرة.
وتلك اللحظة القصيرة التي التقت فيها عيناهما.
لم يكن قادرًا على تفسير سبب انشغاله بها.
فالعجوز لم يقل شيئًا.
ولم يفعل شيئًا.
ولم يطلب منه شيئًا.
ومع ذلك، بقي أثر تلك اللحظة عالقًا في ذهنه كشوكة صغيرة يصعب تجاهلها.
عاد إلى غرفته بعد ذلك وأغلق النافذة.
ثم استلقى فوق فراشه محاولًا الاستسلام للنوم.
كان جسده مرهقًا بعد يوم العمل الطويل، لكن النوم لم يأتِ بالسرعة التي توقعها.
كلما أغمض عينيه، عادت أفكاره إلى الأماكن نفسها.
إلى الجبلين.
إلى بيت السجلات.
إلى النظرة الغامضة التي رآها في عيني سيد حاسم.
وإلى ذلك السؤال القديم الذي رافقه لسنوات دون أن يجد له جوابًا:
لماذا أشعر دائمًا أن هناك شيئًا ناقصًا في هذا العالم؟
في الخارج، لم يتغير شيء.
أما في داخله...
فلم يعد يرى العالم بالصورة نفسها التي رآه بها صباحًا.
Part : 02
ظل يتقلب فوق فراشه من جهة إلى أخرى، بينما كانت الأفكار تدور في رأسه دون شكل واضح أو بداية محددة. لم يكن هناك حدث بعينه يشغله، ولم يقع أمر يستحق كل هذا التفكير، ومع ذلك كان يشعر بثقل غريب يستقر في أعماقه، كأن عقله يحاول الإمساك بشيء يراه من طرف عينه ثم يفقده كلما اقترب منه.
تنهد أخيرًا واستسلم لفكرة أنه لن ينام قريبًا، فنهض من فراشه ببطء واتجه نحو الباب. كان المنزل غارقًا في هدوء الليل؛ لا يُسمع سوى أصوات خافتة تأتي من بعيد، وصوت الريح وهي تمر بين ألواح الخشب العتيقة. صعد الدرج المؤدي إلى السطح بخطوات معتادة حفظتها قدماه منذ سنوات طويلة، وما إن بلغ الأعلى حتى استقبلته نسمة باردة جعلته يرفع رأسه نحو السماء تلقائيًا.
بدت قرية الجبلين من ذلك الارتفاع مختلفة قليلًا. في النهار كانت تضج بالحركة والأصوات، أما الآن فقد استسلمت للسكون تمامًا، وكأنها قرية أخرى لا يعرفها. البيوت الحجرية بدت ككتل داكنة متقاربة، والأزقة اختفت تحت ظلال الليل، فيما امتدت السماء فوقها صافية على نحو نادر، تتناثر فيها النجوم كأنها ثقوب صغيرة في قبة عظيمة لا نهاية لها.
جلس هوسين فوق الحافة الخشبية وأراح ظهره إلى أحد الأعمدة، ثم أخذ يتأمل المشهد بصمت. لطالما أحب النظر إلى السماء في مثل هذه الليالي؛ كانت تمنحه شعورًا غريبًا بالاتساع، شعورًا يفتقده أحيانًا داخل حدود القرية الضيقة. تذكر يامن فجأة، وتذكر حماسه المبالغ فيه للحلوى الجديدة، فارتسمت على وجهه ابتسامة قصيرة سرعان ما تلاشت. كان يامن يملك قدرة عجيبة على تحويل أكثر الأيام مللًا إلى مغامرة صغيرة، وربما لهذا السبب كان وجوده يخفف الكثير من الأسئلة التي لا يجد لها هوسين جوابًا.
لكن ما إن غابت الابتسامة حتى عادت أفكاره إلى الدوران من جديد. رفع نظره نحو الأفق البعيد حيث كانت قمم الجبلين ترتفع وسط الظلام كحارسين قديمين يقفان في مكانهما منذ بداية الزمن. لم يستطع تمييز تفاصيلهما من هذه المسافة، إلا أن وجودهما كان كافيًا ليجذبا انتباهه في كل مرة. فمنذ طفولته وهما هناك، ثابتين على حالهما، يراقبان القرية بصمت لا يتغير.
عندها تسلل إلى ذهنه سؤال بسيط، سؤال لم يعرف من أين جاء بالضبط، لكنه استقر في عقله كما تستقر قطرة ماء فوق سطح ساكن.
كم شخصًا غادر قرية الجبلين؟
في البداية ظن أن الجواب واضح، غير أنه كلما حاول استرجاع ما يعرفه وجد الأمر أكثر غرابة مما توقع. كان يتذكر عشرات القصص عن تجار ومسافرين وصلوا إلى القرية عبر السنين، ويتذكر حكايات كثيرة عن غرباء مروا من هنا أو أقاموا فترة قصيرة ثم اختفوا. لكن حين حاول التفكير في الأشخاص الذين رحلوا من القرية نفسها، لم يجد شيئًا واضحًا.
حاول أن يتذكر اسمًا واحدًا.
ثم اسمًا ثانيًا.
ثم ثالثًا.
لكن كل ما وجده كان حكايات ناقصة، وأحاديث مبهمة تنتهي دائمًا قبل أن تشرح ما حدث لأصحابها. وكأن الطرق المؤدية إلى القرية معروفة للجميع، بينما الطرق الخارجة منها تختفي فجأة من الذاكرة.
عقد حاجبيه دون أن يشعر، وأعاد النظر إلى الظلام الممتد خلف الجبلين. لم يكن خائفًا، ولم يكن مقتنعًا بوجود شيء غير طبيعي، لكنه أحس للمرة الأولى بأن هناك فراغًا صغيرًا داخل الصورة التي عاش معها طوال حياته. فراغ لم يره من قبل، أو ربما رآه وتجاهله عشرات المرات.
ظل جالسًا هناك طويلًا، يراقب السماء تارة والأفق تارة أخرى، بينما أخذ السؤال يتردد في ذهنه بهدوء متزايد:
إذا كانت قرية الجبلين مجرد قرية معزولة كما يقول الجميع... فلماذا لا يتذكر أحد أبدًا عمن غادرها؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!