الفصل02:رفيق
كان المطر قد انقطع منذ وقت غير بعيد، لكن الأرض في قرية الجبلين ما زالت تحتفظ برطوبته، كأنها ترفض التخلي عن أثره بسرعة. الأزقة الترابية أصبحت أغمق لونًا، والحجارة الصغيرة على أطراف الطرق بدت لامعة تحت ضوء الصباح المتسلل من بين غيوم ثقيلة تتحرك ببطء، كأن السماء نفسها لم تنهِ قرارها بعد.
في أحد بيوت القرية، استيقظ هوسين كما يستيقظ دائمًا، دون فرق واضح بين يوم وآخر. ومع ذلك، كان هناك شيء خفيف لا يُسمى، إحساس يمر بين النوم واليقظة كأن اللحظة نفسها ليست جديدة بالكامل.
جلس على طرف فراشه للحظات، يحدق في الضوء المتسلل من النافذة، ثم نهض بصمت.
في الممر، كانت والدته تتحرك بين الأواني الخشبية ببطء معتاد، كأنها لا تؤدي عملًا بل تعيد نفس الحركة كل يوم دون تغيير. رائحة الخبز الساخن امتدت في البيت، دافئة ومألوفة، تحمل ذلك النوع من السكون الذي يجعل البيوت تبدو أكبر من جدرانها.
قالت دون أن تلتفت:
"استيقظت مبكرًا اليوم."
أجاب بهدوء وهو يربط سترته:
"لم أنم متأخرًا."
"هذا ما تقوله دائمًا."
لم يكن في صوتها عتاب، بل شيء يشبه التكرار نفسه.
في الغرفة الأخرى، كان أخوه الأصغر يرفض الاستيقاظ وكأنه يخوض معركة صامتة مع اليوم.
"دعه ينام." قالت الأم وهي تلاحظ نظرته.
ابتسم هوسين دون تعليق، ثم خرج.
استقبله هواء بارد ما زال يحمل أثر المطر. أمامه امتدت القرية كما هي دائمًا؛ بيوت حجرية متقاربة، أزقة ضيقة، وحركة بشرية هادئة لا تعرف الفوضى. الأطفال يركضون بين البيوت، ضحكاتهم تتكرر بنبرة تجعلها جزءًا من المكان أكثر من كونها حدثًا فيه، والرجال يتجهون نحو أعمالهم بخطوات محسوبة، والنساء عند الأبواب يرددن كلمات قصيرة لا تحتاج إلى تفسير.
كل شيء يبدو حيًا... لكن بطريقة لا تترك مجالًا للفوضى.
وفي نهاية المشهد، كان الجبلان.
يرتفعان خلف القرية بصمت ثابت، كأنهما لا ينتميان إلى الزمن نفسه الذي يتحرك تحتهما. لم يكن أحد يتحدث عنهما كثيرًا، لكن وجودهما كان حاضرًا بطريقة لا تحتاج إلى شرح. كل مرة ينظر إليهما هوسين، يشعر أن السؤال نفسه يعود... دون أن يكتمل.
"هوسين!"
الصوت جاء من خلفه سريعًا، يقطع تفكيره دون انتظار.
التفت.
كان يامن يقترب بخطوات خفيفة لكنها سريعة، لا تسير على خط مستقيم تمامًا، كأن الطريق بالنسبة له اقتراح لا قاعدة. لم يكن طويلًا، أقصر قليلًا من هوسين، لكن حضوره لم يكن مرتبطًا بالطول أصلًا، بل بطريقة وجوده داخل المكان. كان يتحرك بخفة طبيعية، كأن جسده لا يحب الثبات الطويل في نقطة واحدة.
شعره كان فوضويًا دون تكلف، ليس فوضى مهملة بل فوضى تبدو جزءًا من طبيعته منذ البداية، كأن الترتيب لم يجد له مكانًا فوق رأسه. ملامحه تحمل خفة واضحة، تجعل الاقتراب منه سهلاً دون إحساس بالثقل المعتاد بين الناس، وعيناه لا تبقيان طويلًا على شيء واحد، كأن العالم كله يستحق نظرة قصيرة فقط قبل الانتقال لغيره.
"كنت أبحث عنك."
قال وهو يتوقف ليلتقط أنفاسه.
"أو بالأحرى أنت متأخر كعادتك."
رد هوسين بهدوء:
"أو أنت المبكر أكثر من اللازم."
ضحك يامن كعادته، وكأن الجملة كافية لخفض أي ثقل في الهواء بينهما.
"هيا، والدك ينتظرنا. المزرعة لا تنتظر أحدًا."
بدأ الاثنان السير معًا عبر الأزقة.
في الطريق نحو المزرعة، كانت القرية تستيقظ بالكامل. السوق بدأ يتحرك، أصوات الباعة تتداخل، رائحة الخبز تخرج من الأفران، والخطوات تملأ الأزقة بإيقاع مألوف.
لكن هوسين، كما دائمًا، لم يرَ المشهد فقط، بل رأى ما خلفه. تكرار الحركات، تشابه الجمل، طريقة سير الناس كأنها تُعاد بصيغة مختلفة قليلًا كل يوم. لم يكن هناك خطأ واضح، لكن الإحساس بالانتظام الزائد كان يزداد بصمت.
أما يامن، فكان مختلفًا في حضوره. يلتفت أحيانًا بلا سبب، يبتسم لأشياء صغيرة، كأن العالم لا يطلب منه أن يأخذه بجدية كاملة. لا يسير كمن يبحث عن معنى، بل كمن يعيش داخل اللحظة دون أن يثقلها بأسئلة.
"أنت تفكر كثيرًا مرة أخرى."
قال يامن وهو ينظر إليه.
"وأنت لا تفكر بما يكفي."
أجاب هوسين.
ضحك يامن دون أن يعلّق أكثر.
وفي زاوية السوق، كان الرجل العجوز يجلس كما هو دائمًا. لا أحد يعرف متى بدأ وجوده هناك، ولا أحد ينتظر أن يتغير مكانه. مجرد حضور ثابت وسط كل هذا التبدل البطيء.
مرّا بجانبه.
ولحظة قصيرة جدًا، رفع رأسه.
نظر فقط.
لا كلام.
لا حركة إضافية.
لكن النظرة لم تكن عادية.
لم تكن موجهة لهوسين وحده، بل لشيء أعمق، أبعد من اللحظة نفسها.
واصل الاثنان طريقهما دون توقف.
لكن الصمت بينهما لم يكن فارغًا، بل ممتلئًا بشيء لم يُقل.
في المزرعة، الأرض كانت واسعة بما يكفي لتجعل السماء أقرب. العمل بدأ منذ الصباح: نقل أدوات، إصلاح، وترتيب الأرض استعدادًا للموسم القادم. والد هوسين يعمل بصمت، وكأن العمل نفسه هو اللغة الوحيدة التي تحتاجها الأرض.
مر الوقت ببطء ثم بسرعة دون أن يشعروا.
وعندما بدأت الشمس تتسلل بين الغيوم، وقف هوسين للحظة، ينظر نحو الأفق.
القرية بدت أصغر من بعيد، والجبلان يبدوان أكثر حضورًا مما ينبغي.
"ما زلت تنظر إليهما كثيرًا."
قال يامن وهو يجلس على حجر قريب.
"هل ترى شيئًا لا أراه؟"
لم يجب هوسين مباشرة.
لأنه لم يكن يملك إجابة.
"لا أعرف."
قال أخيرًا.
"لكنني أشعر أنني رأيتهما من قبل بشكل مختلف."
ابتسم يامن بخفة.
"أنت تقول هذا كثيرًا."
"وأنت لا تسأل لماذا."
ساد صمت قصير.
ليس مريحًا تمامًا، ولا مزعجًا.
بل نوعًا ثالثًا من الصمت... كأنه بداية سؤال لم يولد بعد.
ومع اقتراب المساء، بدأ المطر يعود بخفة، كأنه لا يريد أن يغادر القرية تمامًا.
والجبلان بقيا في مكانهما.
ثابتين.
صامتين.
وكأنهما لا ينتميان لأي شيء يحدث تحتها.
وفي ذهن هوسين، بدأ السؤال يتشكل ببطء، دون أن يكتمل بعد:
إذا كان كل شيء هنا طبيعيًا... لماذا يبدو أن هذا "الطبيعي" نفسه يُراقَب من خارج حدوده؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!