الفصل التاسع
_أكسل: رأيت هذا الشاب قبل أيام، كان في اتجاه الجنوب يبحث عن فتاة ما، أخبرنا بذلك بعدما أنقذناه من روح شريرة كانت تمسك به في الكهف، أخبرناه أن المكان خطير عليه ولكنه لم يسمع كلامنا.
ذهب بمفرده إلى قريتنا المدمرة، في البداية تركناه يذهب بمفرده ولكن بعدما رأينا الوحش الذي دمر قريتنا يدخل إليها من جديد أردنا الانتقام منه، وبالفعل وقفنا وجها لوجه أمام الوحش، ولكن قبل أن نهجم عليه دفعني أخي من فوق الجرف في النهر وذهب إليه وحده ببندقيته، كان يعلم أنه لا فرصة لنا أمامه، والآن لا أعرف ما حل به.
_فيكانوس: ما الذي تقوله؟
_سيليا: نعم إنه هو، لقد ذهب لإنقاذي أنا، ولكن أنظر لحاله الآن، في اللحظة التي أنقذني فيها كان أمام البيت الذي كنت محتجزة فيه رجل مغروز في مخه سلاح كهذا الذي عندك، وكانت عينه تتدلى من مكانها، المشهد كان مروعا، أنا آسفة فعلا.
_أكسل: لا أصدق، خسرت آخر فرد من عائلتي.
_جوبا: أنا آسف فعلا يا بني، إن أردت سنكون عائلتك، يمكنك البقاء معنا.
_أكسل: سبق وسألتني من أنا صحيح؟ حسنا سأخبرك.
أدعى (سالكو أكسل بن تومَرَةَ)، أصلي ليس من هذه البلاد ولكني ولدت هنا في قرية "النعيم"، جاء جدي ومعه أهل القرية من أرضنا السابقة التي طردنا منها، استقرينا في مكان صغير كما أخبرني جدي قرب الغابة، وهناك تأسست قرية "النعيم"، كان خيرها كثير، أشجار الكرم والنخيل وأنهار المياه، كانت فعلا كالجنة، وكنا متقدمين عنكم بكثير.
بعد سنوات ولدت أنا في عائلة بسيطة، وكنت أعمل في الحقل مع أبي وأمي وجدي من أجل العيش، كنت أحب جدي جدا لأني كنت أنام معه كثيرا، على عكس أمي وأبي، بسبب الخصام بينهما دائما، لم أستطع العيش معهما.
لازلت أذكر أنه في أحد الأيام، أمي دار خصام بينها وبين أبي فتركت البيت وذهبت عند أمها، كنت مع جدي في العربة فأخبرني أن أتظاهر بالبكاء من أجل التأثير فيها، نعم الأمر يبدو مضحكا لكن عندما جربته قد نجح، وبالفعل عادت أمي من أجلي إلى المنزل.
في أحد الأحوال كان الجفاف قد ضرب قريتنا بشكل مفاجئ، لم تعد كما كانت وبدأت الأشجار تموت واحدة تلو الأخرى، لكن من حيث لا نتوقع جاء شخص غريب عن المنطقة ولم يكن يجيد لغتنا، أطلق عليه أهل القرية أبا الخير، ساعدنا في تنقية المياه وفي حفر الآبار، وعلمنا الطريقة الصحيحة والوقت الصحيح للزراعة.
بعد أن أمضى معنا سنة كاملة تعلم فيها لغتنا وثقافتنا، أخبرنا أنه سيذهب ليساعد أناسا آخرين، ولكن قبل ذهابه أعطانا فاكهة جديدة وأخبرنا أنها برتقال، لكل شخص في القرية واحدة، وأنا منهم أبقيتها معي طوال الوقت لأتذكر ذلك الرجل الكريم.
كل من في القرية أكلوا برتقالهم إلا أنا، كنت بعد يوم واحد عند جمل أبي أعطيه الماء ليرتوي، لكنه أنتزع مني البرتقالة وأكلها أمامي رغم ضربي له، كان ذلك الجمل يحمل عليه أبي الفول والحمص المسلوق ليبيعه في "سوق العفاريت"، لكن أبي كان يعتدي على الجمل بالضرب.
اليوم الذي بعده، في الصباح الباكر كما أخبرنا أحد أهل القرية الذين رافقوا أبي للسوق، خرج من القرية على ظهر الجمل وهو يحمل عليه الحمص والفول، كان الجمل على غير طبيعته يطيع أوامر أبي كما أخبرنا الرجل الذي كان خلفه على حماره.
ابتعد أبي عن صاحب الحمار بمسافة طويلة، وهناك توقف الجمل وامتنع عن الحراك، بدأ أبي في ضربه بالسوط لكن الجمل رماه من على ظهره، ووقف الجمل على قدميه الخلفيتين كالبشر، وتلاشت فيه الغرائز الطبيعية للجمال، حتى طريقته الغريزية للقتل بالجلوس على الشخص بصدره اختفت.
بدأ الجمل بالهدير غاضبا، فأزال الكيس الذي يحمل فيه الفول والحمص وضربه على الأرض حتى تمزق، الحمص والفول في كل مكان وأبي مصدوم من ذلك المنظر الغريب، هدير الجمل وانفعاله أصبح كالبشر تماما، كما لو أن شخصا غاضبا يريد الانتقام.
اقترب من أبي وأنزل نظره إلى عيونه واستمر في التحديق به، وفجأة بضربة واحدة غرز أبي في الأرض، بدأ بالقفز عاليا والسقوط فوقه حتى سحقه تماما، أغرقه في الدماء وأخرج أحشاءه من جسده ومخه أصبح كالماء، وضع أنفه على أنف أبي حتى تأكد من موته، أما الحمص والفول فصار يطفوا فوق دماء أبي.
عاد الجمل يجري على قدميه الخلفيتين كالبشر، ومر من جانب صاحب الحمار الذي كان شاهدا على المجزرة، يجري عائدا إلى المنزل دون توقف، فوق منزلنا كانت أمي تقوم بنشر الثياب لتجف، وكان جدي معي داخل البيت...
_أكسل: سأكمل لكم لاحقا (يبكي متأثرا).
_جوبا: كما تريد، وقتما ارتحت يمكنك أن تكمل.
_سيليا: أنا آسفة فعلا، لم أعلم هذا، ولكن الغريب في الأمر هو ذلك البرتقال الذي ذكرته في كلامك، لأنه...
_جوبا: توقفي الوقت غير مناسب، دعيه حتى يرتاح وسيكمل لنا.
_فيكانوس: يا (جوبا) هل سنشرب عندك الشاي، لأنك لم تشرب عندي الشاي، ألا ترى قلت لك سنشرب عندك الشاي قبل خروجنا من بيتي وبالفعل تحقق الأمر.
_جوبا: (يتنهد ثم يكمل...) نعم بالفعل يا صديقي، انظر لحالك هذا ولا زلت تحاول المزاح، ليس هو الشيء الوحيد الذي تحقق، هل تذكر يا (أكسل) أنك أخبرتني بأنك ستسقط الغراب أمامي، بالفعل... (يتنهد ثم يكمل...)، لقد نفذت كلامك بالحرف وأسقطته أمامي.
عليّ أن أشكرك مجددا لولاك لما كنا هنا.
(سيليا) يا ابنتي... أمسكي قدم عمك (فيكانوس) وارفعيها عن قاعدة العربة، سندخل في طريق مليء بالحفر لا تدعيه يتألم.
_فيكانوس: عار عليك يا (جوبا) جعلتني مثل الطفل.
يعم الصمت العربة، لا تسمع سوى أصوات حدوة الحصان وسلاسل الحديد، وفوق سقف العربة لا تسمع سوى قطرات المطر تهطل، السماء في ذلك الغروب اختفى لونها الأحمر واكتست لون السواد الذي يخترقه قليل من أشعة الشمس، المنظر خرافي، إنه عالم مليء بالجمال وفي نفس الوقت بالصعوبات والأشياء التي لا تصدق، في ذلك الجو الماطر والبارد شعر (فيكانوس) بالحرارة في قدمه ترتفع، فطلب من (سيليا) أن تتركها ونفذت طلبه.
وصلوا أخيرا إلى منزل (جوبا) الكبير الذي كانت تبدو عليه حالة الترف، نزل (جوبا) و(أكسل) من العربة ومعهم (سيليا) لحمل (فيكانوس)، لكنه قفز من فوق العربة ونزل على قدميه الاثنتين، أمام صدمة الجميع، ألم تكن ساقه مكسورة قبل قليل، ما الذي حصل يا ترى؟
_جوبا: كيف... كيف ذلك؟ ما الذي يجري هنا؟ أشعر أني غدوت مجنونا.
_فيكانوس: لا أعرف يا (جوبا)، لكن... أظن أن ابنتك هي من فعل ذلك، لأني كنت أشعر بحرارة مرتفعة في قدمي حينما كانت تمسكها.
_سيليا: لا أعرف كيف حصل ذلك، إذن ذلك الوحش لم يكن مخطئا حينما أخبرني بأني...
_جوبا: أخبرك بماذا؟ تكلمي.
_فيكانوس: ستخبرك لاحقا، أولا علينا فعل شيء حيال ابن أخيك.
حملوا (يونَكّت) المتصلب إلى الداخل، أمام صدمة (توناروز) و(ماريا)، بعدما وضعوه على الأرض حاولوا كسر تصلبه مرارا وتكرارا دون جدوى، حتى تذكرت (سيليا) لحظة إعطاء العراف زجاجة بها سائل ما لأبيها، وأخبره أنه سيحتاجها بعد إخراج (يونَكّت)، أخرجها من محفظته التي كان يضعها على كتفه، كان مكتوبا عليها (صبها عليه وإن أردت أخرى تعال عند قبر أخيك)، ذلك ما فعله (جوبا) سكبها على الجسم المتصلب ليبدأ في التحلل ببطء، لكن زجاجة واحدة لم تكن كافية، لا مفر أمام (جوبا) سوى تنفيذ المكتوب على الزجاجة.
في ظلمة الليل العاصف بالمطر والرعد، عند رأس الغراب الميت يقف شخص يلبس الأسود بالكامل وعينه تشع بالضوء الأخضر، لا تظهر ملامحه في ذلك الجو الظلامي، يقول للغراب:
أحسنت! لقد أنتهى عملك على أكمل وجه، ويضع يده على رأس الغراب، ويختفي في لمح البصر ولا تبقى منه سوى هالته الخضراء تقندل في المكان، ولا تسمع سوى صدى ضحكته الغريبة يتلاشى شيئا فشيئا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!