ثندردوم
ثندردوم
جزء 6 من 33
وضع القراءة:

الفصل السادس

{right}{/right} على طاولة طويلة مليئة بالطعام، كم من لحم بها وكم من خبز، ومن فاكهة، الشموع تنير المكان وتقندل هالاتها ما اقترب منها، في آخر الطاولة وعلى يمينها يدان في إحداهما خاتم ابيض فوق الطاولة، وعلى يسارها يدان إحداهما بها خاتم أسود، وبين اليمين واليسار تلتقي يده اليمنى مع اليسرى عند لحيته، يعم الصمت الأرجاء حتى تكاد تسمع صوت الذباب، أو تكاد تسمع احتراق فتيل الشموع.
_جوبا: ألا تريدون تناول الطعام؟ لما تنظرون إلى بعضكم البعض؟ لا يجب أن ندع الطعام يبرد.
_سيليا: لا أعرف يا أبي كيف تريد منا أن نأكل، سبق وأخبرتك أن (يونَكّت) التهمه غراب عملاق، يجب أن نفعل شيئا ما.
_جوبا: هل سنكرر نفس الكلام مجددا؟ هذه المرة المئة هذا اليوم، أخبرتك أنه قد مات، هذا واضح، كما يحصل للطعام عندما يدخل معدتنا ويخرج، هيا كلي.
_سيليا: أنت لم تبحث عن ابنك حتى، فكيف ستفعل حيال... هل حاولت البحث عني حتى؟ لا أظن ذلك، ببساطة لأنك لست تمتلك قلبا، لم تبحث عن أولادك حتى فكيف ستبحث عن ابن أخيك.
_جوبا: (توقف عن الأكل وهو يبرق بالعينين إلى الأسفل) أخي... (ويتبادر إلى ذهنه من جديد تلك المجرفة وجثث الأطفال الملقاة على الأرض، لماذا من جديد لماذا؟ لما فعلتَ ذلك، ما ذنب الصغار؟).
_سيليا: (تنفعل وتضرب الطاولة بيدها حتى تنقلب صحون الحساء واللحم على الأرض) أنت أب لا يفكر إلا في نفسه، ألسنا أبناءك؟ أم أنك تبنيتنا فقط، لهذا أنت لا تمتلك ذرة شفقة أو مشاعر تجاهنا أيها العجوز.
_توناروز وماريا: (تقفان بسرعة) لقد تجاوزت حدودك أيتها البنت الـ... (يشير (جوبا) بيده ليتوقفا).
_جوبا: (يمسح يده ومعطفه وفمه) (سيليا)...، (سيليا)...، (سيليا)...، هل تدركين حجم كلامك؟ أنا ربيتك؟ من حقك قول ذلك لأني لم أدعك تغادرين المنزل، صحيح أنا لم أبحث عنك ولم أفكر في البحث عنك، (يتنهد ثم يكمل...) لا تقولي أي كلمة، لكن هذه المرة ولأني كما قلت عديم الأحاسيس سأدعك تختارين، بين أن أقنعك بالسبب الذي دفعني إلى عدم البحث عنكما، أم أساعدك في البحث عن (يونَكّت) أو بالأحرى الغراب العملاق، اختاري... واختاري بحكمة، لا تطلبي مني البحث عن (لاين) لأنه بخير.
_سيليا: (بعد تفكير ليس بقصير) حسنا... اتخذت قراري...
_جوبا: آمل أن يكون اختيارك صائبا.
_سيليا: لست أبلها... أعني... لست بلهاء، لنستنبئ ونفتش عن (يونَكّت).
_توناروز: هل لديكما فكرة من أين ستبدآن البحث؟
_جوبا: لنسأل ابنتك، أليست هي من كان معه وعاشت قصة خيالية في الأيام الماضية؟
_سيليا: عند البحيرة، لنستنبئ ونفتش هناك.
_جوبا: "بحيرة عوا"، المكان الذي اختفت فيه نصف قطعان أغنامي.
_توناروز: أقترح عليكما زيارة شخصٍ ما بالسوق...
في الصباح، في أرض الترس السهلة التي جعلها المطر معلّكة كالعجين، لا تكاد ترى الأرجل المغمورة بذلك الوحل الأسود، الفقراء من الناس يضعون أكياسا على أقدامهم ويسرعون فيه، أما الأغنياء منهم فلا يبالون بأحد، راكبين في عرباتهم التي تجرها الأحصنة وكل الأنظار نحوهم، (جوبا) الهادف إلى التغيير لا يرضى أن يكون من أولئك الجشعين، قبل وصوله لباب "سوق العفاريت" توقف بعربته.
_سيليا: لماذا توقفنا هنا؟ لم نصل بعد إلى الداخل، لا تقل لي أنه... لا، لا لا لا، لن أفعل ذلك.
_جوبا: (يتنهد ثم يكمل...) لم أعلم أنك سريعة البديهة هكذا، أنا منبهر، تريدين البحث عن غرابين عملاقين ها! الأمر يبدو بسيطا لكنه ليس كذلك، لنقل إن الخطوة الأولى لإيجاد (يونَكّت) هي... (وهو يخلع حذاءه ويشَمّر أكمام معطفه وسرواله إلى الركبتين).
_جوبا: هي بأن نمشي وسط هذا الوحل وبأقدامنا الحافيتين.
_سيليا: أبي أنت حقا... هذا، هذا فعلا رائع.
_جوبا: أنا أفعل هذا لأجل ابنتي المغرمة، أريد منحها تجربة جميلة.
_سيليا: (احمرت خجلا) مغرمة؟ بمن؟ شكرا لك ابي، لكني أبحث عنه لأنه أنقذني وحسب، ليس هناك شيء آخر أبدا... إنه مثل أخي، لا أريد أن يموت بسببي.
_جوبا: أفهم، أفهم، (يتنهد ثم يكمل...) ليس لدينا الوقت لنضيعه، أمامنا سوق موحل لندخله وعراف لنجده كخطوة ثانية.
دخل (جوبا) وابنته إلى السوق حافيَي الأقدام، وصراخ البائعين ببضائعهم يعلو المكان، سوق من الخيام البيضاء والسوداء المربوطة بالحبال، يلعب بها الريح كما يشاء، وداخلها بضائع البائعين من خضر وفاكهة وأشياء أخرى، ومن أسلحة بيضاء، عقاقير وأعشاب، ومن أثواب وحرير ملطخ بالوحل...
المشكلة أن (جوبا) لا يعرف اسم ذلك العراف الذي دلتهم عنه زوجته، لكن استمر في البحث عنه، سأل رجل يبيع الفول وأراه مكانه، فوجد الناس مجتمعون من حوله، منهم من يقول له أنت حكيم لن ننسى خيرك، ومنهم من يشكك في أمره ويشتمه.
وأمام حشود البشر في ذلك المكان، جاء رجل بمشية غريبة ولحية كبيرة وشعر أشعث كثيف، أمسك العراف من عنقه بكل قوة، وضغط عليه حتى كادت عيونه أن تخرج من مكانها خنقا.
_أنت أيها الكذاب الدجال... أنت مجرد استغلالي، لقد دمرت حياتي وجعلتني أعاني كل هذه السنين، سأنتقم منك يوما ما... أنا أعدك أمام كل هؤلاء الناس، سأدمرك...
سقط الرجل فجأة على ركبتيه وبدأ يبكي... ويطلب من الناس ويرجوهم أن يصدقوه...
انتظر (جوبا) دوره ليدخل مع ابنته تلك الخيمة الصغيرة، كان العراف شبه أصلع وله عين تنظر لأعلى وأخرى لأسفل، ولا يظهر على وجهه البسمة.
_العراف: أعرف لما أنتما هنا، ابن أخيك ابتلعه غراب عملاق وتريد طريقة لترى هل ما زال حيا فيه أم لا.
إنه حي يرزق...
_جوبا: أنا أتعجب فعلا من معرفتك بذلك، لا أحب أن أكثر الأسئلة، لذا... هل توجد طريقة لإخراجه أم لا؟ وما هو مقابل حكمتك هذه؟
_العراف: لا تتسرع في مثل هذه الأمور يا (جوبا)، ليس لديك القدرة على تغيير الماضي، لكن لديك القدرة على تغيير الحاضر لأن المستقبل يبدأ من الآن، لم أخرج عن الموضوع لا تخف.
_سيليا: هلا تخبرنا بالطريقة لو سمحت، أبي سيعطيك ما تريد.
_العراف: (يرفع حاجبه لأعلى) الطريقة الوحيدة هي فعلا في قلب (جوبا) ويحتاج فقط الإيمان بها، ثق بتلك الفكرة يا (جوبا)، ستخسر فيها الكثير من المال ولكن هي الطريقة الصحيحة، لا أحتاج منك أجرا، إخراج (يونَكّت) بحد ذاته أجر، خذ هذه الزجاجة عندما تخرجه ستحتاج إليها، والآن اذهبا رجاء فلدي عمل أنجزه، (جوبا) خسرت أمانة في السابق لا تخسر أمانة أخرى.
_جوبا: هل قطعنا كل هذه المسافة لتقول لي آمن بفكرتك؟ أظنك دجال وحسب، هذا مجرد لعب على كلام.
_العراف: متى سبق لك الخروج مع ابنتك هكذا؟ أليس عليك أخذها إلى قبر عمها؟
_جوبا: (وهو مصدوم) ماذا ولكن كيف عرفت؟
_سيليا: ماذا يقصد يا ابي؟
_جوبا: لا تكثر الأسئلة الآن، ستعرفين في الوقت المناسب، هيا لنذهب من هنا.
_سيليا: وهل لديك فكرة عما سنفعل لإنقاذ (يونَكّت)؟ أم سنذهب وحسب؟
_جوبا: أظن لدي فكرة لكنها تحتاج تضحية كبيرة، آمل ألا تضيع ماشيتي هباء منثورا، نحتاج بعض المساعدة وأعرف المكان المناسب، بما أننا في "تيمغسن" فسنجد الرجال الأشداء، تبقت مشكلة واحدة وهي كيفية إقناعهم بأننا سنمسك غرابين عملاقين.
_سيليا: أَمنَ الضروري قول ذلك؟ لا تخبرهم عن الغرابين فقط أخبرهم أنه عمل مهم.
_جوبا: معك حق يا ابنتي، ولكن أخشى إزهاق أرواح الناس في سبيل إخراج ابن أخي الذي لا نعرف ما إذا كان حيا حقا، (يتنهد ثم يكمل...) علينا الذهاب إلى المكان الذي يجتمع فيه هؤلاء الرجال ومن سيقبل المجيء معي سيتحمل مسؤوليته، سنذهب إلى ساحة عروض الثعابين والقردة وأشياء أخرى... ربما سيساعدنا أحد أصدقائي في ذلك، لم أره منذ زمن طويل، (يتنهد ثم يكمل...) كانت أياما جميلة.
_سيليا: أخبرني عن صديقك هذا، من هو؟
أثناء مرورهما بالرجل الأشعث وضع ورقة في جيب (سيليا)، اتجه (جوبا وإياها) إلى الساحة وفي طريقهما كان يحكي لها عن صديقه القديم، وبالطبع لم يخبرها كل شيء (فجوبا) دائما ما يخفي أسراره لنفسه، لكن سيأتي اليوم الذي تظهر أسراره شاء أم أبى ذلك.
6 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.