ثندردوم
ثندردوم
جزء 4 من 5

الفصل الرابع

{right}{/right}
في الجانب الآخر من البلاد كان (يونَكّت) على حصانه في الغبار والعاصفة، يقاوم ويصارع باحثا عنها دون أدنى فكرة عن مكانها، خارت قواه وسيطر الفشل على كلبه من الجري وأصبح هزيلا غير قادر على المشي وكذلك حصانه، فهم يحتاجون بعض الأكل والماء والراحة.
بعدما خيم عليهم الليل مجددا في غابة يابسة وكثيفة، قرر (يونَكّت) التوقف عند نهايتها، لم يكن يراوده من أفكار أنداك سوى العطش وكيف كان سيتصرف والده في تلك المحنة، ويتذكر أيامه معه حينما كانا يرعيان قطعان الغنم والبقر والأحصنة، هذه الذكرى لم تكن دون فائدة فكل ما كان عليه البحث عنه بين تلك الرمال الزاحفة من الجنوب على تلك الأشجار اليابسة، هو شكل من أشكال النباتات.
لقد ترك حصانه وكلبه تحت ضوء القمر ودرب النجوم، وأخذ يحدق في أرجاء المكان رويدا رويدا مقوسا ظهره، فترات طويلة مرت دون جدوى، فتلك الرمال كانت تتحرك أحيانا وتعيق رؤيته.
فلما يئس من البحث جلس على ركبتيه ورأسه للأسفل، يشفق على حالته التي آن إليها، ومن جهة أخرى يحمل على عاتقه مسؤولية إيجاد الفتاة التي لم يرها في حياته إلا مرات معدودة، العطش والجوع أرهقاه، فاستلقى على وجهه يفكر في الاستسلام.
وفجأة من الجو الهادئ إلى برق خاطف وصوت الرعد من جديد، جعله يرتجف في مكانه، استمر البرق والرعد، الصخب والطنين في أذنيه، حاول (يونَكّت) الوقوف والاحتماء، لكن الأرض من تحته تتزعزع، ولم تعد عيناه تبصران شيئا في ذلك الليل المضاء بالقمر والنجوم، وكهرب البرق الأجواء، استمر الأمر على حاله مغشيا عليه لا يبصر شيئا.
فلما توقف الطنين في أذنيه وزال شعاع البرق من مقلتيه بدأ يرى شيئا أمامه، بعض الضوء الصادر من أمام، حاول التوجه إليه من أجل طلب المساعدة إن كان هناك أي بشر في ذلك المكان، استمر في تمايله حتى وصل أمام الكهف الذي كان شبه خالٍ، لكن الأمر الذي أثار حيرته هو الضوء الموجود في الكهف من العدم.
استمر في التقدم نحو الأمام لاستكشافه، فلما دخل إليه انطفأ الضوء فجأة، وشعر بيد تلمسه من الخلف، لم يعرف ما كان ذلك، سأل بصوت متقطع من هناك؟ لكن لم يجبه أحد، لقد ركبه الرعب من قدميه إلى رأسه حينما أمسكته نفس اليد مجددا من رقبته، وبينما حاول الهرب مسرعا سقط أرضا وشعر بيدين تمسكانه من ذراعيه، صارع بقوة من أجل الهرب لكنه لم يستطع، كل ما كان قادرا عليه حينها هو الصراخ بأعلى صوت.
في الوقت نفسه عربة بحصان على الطريق الرملي يركبها شخص واحد تجري بسرعة، بجانبها شخص آخر على حصان بنفس سرعة العربة، يتجهان نحو الكهف متتبعان الصراخ.
عندما وصلا إلى المكان قاما بإشعال بعض النيران على عصي، لم يصدقا حينها ما رأياه، كان ذلك الشيء مثل الإنسان، لكن الغريب أنه يضع عليه رداء يغطيه كليا، مصدومان ويحدقان في ذلك الشيء الغريب، و (يونَكّت) تحته يدير رأسه بصعوبة للنظر...
بعدما تحرك قليل من الريح من فوهة الكهف في الأعلى، أزاح الغطاء عن رأسه وكان الأمر صادما، مكان رأسه جمجمة حمار، عينه اليسرى مشتعلة بشعلة خضراء متوهجة، لقد صوب عليه كلا الرجلان في نفس الوقت بالبنادق، لم يحاول الهرب بتاتا، بل لم يتحرك مطلقا حتى تلاشى في الأرجاء.
بعدما انفجر لم يبقَ منه إلا الشعلة الخضراء، لم تنطفئ بل طفت أمام مرأى من الجميع وخرجت من أعلى الكهف... لقد ساعدا ذلك الأبله على الخروج من تلك الورطة، في الصباح توجهوا ثلاثتهم نحو الجنوب.
_من الواضح أنك لست من هذه المنطقة، ألم تخشى على نفسك من هذه الغابة وفي ذلك الليل؟ لما أنت هنا على أي حال؟
_يونَكّت: أنا أشكركما على المساعدة، لولاكما لما كنت الآن هنا، كنت أبحث عن... عن بعض الماء لي ولحصاني، أردت استكشاف المكان لكن حصل ما حصل.
_ماء؟ داخل الكهف، كم هذا سخيف حقا، تبحث عن الماء داخل هذه الغابة الميتة؟ أعتذر على تطفلي يا بني لكني خائف عليك وحسب من ... من ذلك المسخ الذي يتجول في الأرجاء، تقول الإشاعات أنه غول.
_يونَكّت: مسخ! غول! لا أمل من سماع النكات كم هذا لطيف (فيتذكر ما حصل معه قبل لحظات).
_اضحك كما تشاء، لكن نحن أخذنا على عاتقنا الثأر منه، أنا وأخي... أكل عائلاتنا، دون شفقة أو رحمة، لم نستطع فعل شيء سوى النظر إلى تلك المجزرة التي خلفها وراءه، قرية بأكملها، نحن الناجيان الوحيدان منها، لا نستحق النجاة أبدا... نحن لا نستحقها، كنا جبناء أكثر من الدجاج... نختبئ داخل مطامر في الأرض ونترك الناس تجزر وتلتهم دون شفقة أو رحمة.
_يونَكّت: أنا آسف جدا، لم أكن أعلم، لم يكن باستطاعتكما فعل شيء، لكن انظرا، لقد أنقذتماني اليوم وهذا ليس جبنا، أنا ممتن لكما... يمكنكما هزيمته هذه المرة فأنتما شجاعان، أعلم هذا.
بعد صمت طويل، وبكاء الرجل على المأساة التي حلت بهم، بينما كان الشاب الذي لم يتفوه بكلمة يجلس في آخر زاوية العربة، يضع مرفقه على ركبته ويلقى ساقه الأخرى أمامه.
_يونَكّت: سبق وسألتماني عن السبب... سبب تواجدي هنا، حسن... أنا أبحث عن ابنة عمي (ووجهه محمر خجلا)، أعتقد أنها مختفية، ولا أعرف أين أبحث.
_لكن لما أتيت إلى مكان لا حياة فيه، لا يوجد سكان هنا غيرنا، قد يوجد البعض لكنهم متفرقون.
_يونَكّت: لا أعرف، ولكن شعوري يقودني إلى هذا المكان، ويقول لي انها هنالك بعد كل هذه الرمال والاشجار الميتة، في غرفة مظلمة، أتبع حدسي وحسب.
_على هذا الحال... أنظر لحالك! حدسك سيقتلك (وهم يضحكون)، أتمنى أن تجدها.
_يونَكّت: أنا أمزح... لقد أخبرني كاهن، وطلب مني أن آخذ معي الملح والسكاكين.
_يا لك من فتى لطيف، وشجاع، أظنك صادق في كلامك، سنتشجع هذه المرة أكثر وسنتصدى له بإذن الله.
لقد كان أقصى ما استطاعوا الوصول إليه، هو تلك الغابة اليابسة الجافة الأخرى، التي تعيش في بحر من الرمال الميتة، كان شكلها كمقبرة جماعية للبشر والحيوانات، كان الرجلان يعرفان بالتحديد ما ينتظرهم، فحاولا بشتى الطرق اقناعه بالعدول عن رأيه -لربما تكون قد ماتت أو بالأحرى تم التهامها-لكنه كان متشبثا برأيه يريد فقط أن يراها، هل هي فعلا ميتة أم حية؟ توقف الرجلان وتركاه يكمل مسيرته نحو العمق المجهول، لكن كمساعدة قدما له الماء الكافي، ولحيوانيه وبعضا من الطعام.
_ (الشاب الجالس في الخلف): لما لم تخبره عن صوت الصراخ الذي نسمعه كل ليلة.
_لن يستطيع مواجهته، أنظر لحاله.
كان على الوحش البشع بعد استرجاع قوته الخروج والبحث عن طعام وشراب متجها للشمال الغربي أكثر ميلا نحو الغرب، وكالعادة لا يستثني بشرا من حيوان أو دم من ماء، كانت السلاسل محكمة على (سيليا) الباكية، التي مرت عليها الليلتان في عالم مجهول ومرعب محاط بالجماجم والروائح الكريهة، لا أكل لها ولا ماء ولا فراش أو غطاء، فقط ملابسها الملتصقة على جسدها، لم تكن تحاول فعل شيء أثناء خروجه سوى البكاء على ما أصابها دون ذنب، الوقت يمر ببطء عليها.
ومن الباب ترمى ذراع بشرية بقرب قدمي (سيليا) المسكينة وكان مصدرها ظل يتقدم نحو الباب، وصراخ (سيليا) يزداد من شدة الرعب والهلع، كان ذلك الظل ظله، يدخل بعينيه المحمرتين والدماء تنزل من فمه وصدره، لم يكن يقوى على الحركة أكثر، تقدم نحوها خطوة واحدة وسقط أرضا يسبح في دمائه التي تغلي كمياه الينابيع الحارة، كل ما كانت تحدق به (سيليا) المسكينة هو تلك الذراع المقطوعة، وأحيانا تنظر إليه، كان المكان الذي أصيب فيه يتساقط منه الفرو وتخرج منه هاله زرقاء غريبة تضيئ ظلمة الغرفة الخفيفة، فلم يكن لها مثيل من قبيل.
4 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.