الفصل الخامس
{right}{/right}
في ظلمة الغيوم، البرق من جديد يضيء سوادها، كان (يونَكّت) يتقدم برفقة حصانه وتتساقط من فوقه قطرات ماء غريبة، بعدما اختلط كل الغبار الذي تناثر في السماء بقطيرات الماء المتكاثفة، يصارع للنظر أمامه دون جدوى، لكنه في النهاية لمح مبتغاه ذلك، البيت تنير داخله الهالة الزرقاء، فتوجه مسرعا لطلب المساعدة والضيافة.
قبل أن يصل لباب المنزل لم تصدق عيناه ما كان أمامه، جثة رجل ملقاة على الارض، اقترب منها ليرى ملامحها، حرك رأسه بالسيف وكانت المصيبة أنه أحد الرجلين، بدت الصدمة في وجهه كبيرة ولا تكاد تصدق، نصف جمجمة الرجل غير موجودة ومغروسة فيها البندقية، عينه اليسرى تتدلى من مكانها ومخه تغسله قطرات المطر من الدماء، لقد حاول (يونَكّت) التراجع خوفا على حياته، لكنه في نفس الوقت كان يسمع أنينا تغلب عليه أصوات البكاء.
تقدم خلسة نحو الباب دون صوت يذكر، كانت المفاجأة (سيليا) موجودة هنالك في الزاوية ومربوطة بالسلاسل، وفي منتصف الطريق حمام من الدماء يطفو فيه الوحش المقرف -أو نصف وحش-الذي يراه (يونَكّت) لأول مرة، كان نصفه السفلي قد تحول إلى شكل بشري، بدا المنظر غريبا جدا.
تقدم نحو (سيليا) ليقطع سلاسلها وبالفعل نجح في ذلك، لقد عانقته وكانت الفرحة تغمرها لرؤيته أمامها، وفي نفس الوقت كانت خائفة من استيقاظ الغريب، وبينما أمسكها (يونَكّت) من يدها متجها نحو الباب، ارتكب الخطأ الأكبر، لقد أراد أن يرى وجه ذلك الشخص، قام بقلبه على ظهره، كان وجهه مشوها وصدره مثقوبا لكنه لا يزال يتنفس، عرف أن ما سبب تلك الآثار هو نفس السلاح الذي كان مع الرجلان، هرب معها مسرعا نحو الحصان، فسألها:
_يونَكّت: من ربطك هكذا ومن فعل تلك الحالة بذلك الرجل؟
_سيليا: (بكلمات متقطعة) إنه الوحش... هو من فعل ذلك، أرجوك علينا أن نهرب فورا، ليس لدينا وقت، هو سوف يستيقظ.
_يونَكّت: من؟ (عرف بعدها أنه الساقط في بركة الدماء).
عاد مسرعا ليقتله، لكنه لم يجد الضوء في المنزل، تقدم دون تفكير نحو الداخل، لقد كان الغريب حيا يقف خلفه مباشرة، والسبب يعود إلى خطأ (يونَكّت)، بعدما جعله يتنفس بحرية حينما قلبه على ظهره، وبشدة الخوف كانت عيون (يونَكّت) ستخرج من رأسه، وبضربة خاطفة من المسخ تمزق ظهر (يونَكّت)، وترميه الضربة على الجدار، وبحركة سريعة أمسكه من حنجرته وأدخل مخالبه في حلق (يونَكّت)، وبدأ يزمجر ويزمجر في وجهه.
وبينما كان مشغولا بالصراخ طعنه (يونَكّت) بالسيف في بطنه، وقام بقطع يده وخرج يحاول الهرب بحياته ويصرخ (سيليا) اهربي أرجوك اهربي، لكنها لم تفعل ذلك بل عادت إليه بالحصان، أما الكلب الذي حاول مهاجمة الغريب، فلم يؤخر المسخ إلا قليلا، بعدما سحق جمجمته التي فصلها عن جسده بكل لطافة.
ركب الاثنان على الحصان وسلكا طريقا مختلفا، لم يكن يقوى الغريب على الجري بسبب الإصابة، لكن كان قادرا على مجاراة الحصان في السرعة، اتجهوا من تلك الطريق نحو الكهف الذي صادفه (يونَكّت) من قبل، عندما دخلا بالحصان إلى الكهف نفدت الحلول من (يونَكّت)، ولم يبقَ معه سوى ما حمله على الحصان سابقا... (كما لو أن ذلك الكاهن كان يعلم ما سيحل بـ(يونَكّت)).
_يونَكّت: (سيليا)... ذلك الكيس على يمينك، أخرجي منه شباك المسامير وارمي بها خلفك أسرعي.
_سيليا: ما هذا الهراء هل أنت أحمق؟ هل تعتقد أن حيلة غبية مثل هذه ستوقفه؟
_يونَكّت: (وهو يصرخ غاضبا) توقفي عن الكلام ونفذي ما قلت لك، وبالكيس على يسارك ملح.
بدأت أخيرا (سيليا) تفهم ما ينوي القيام به، في وسط الكهف توقفا بالحصان بلا كلمة أو حركة، داس الغريب على المسامير التي اخترقت باطن قدميه، ورغم تعثره وسقوطه فوق بقية المسامير إلا أنه استمر بالجري، ولا يَرَ بين عينيه سوى ذلك الانفجار الأزرق، لم يعر لجروحه اهتماما حتى اصطدم بالحبل الذي اسقطه فوق الملح، يسمع صراخه من بعيد، حتى بدأ سقف الكهف يتزعزع، حينها أدرك (يونَكّت) أن خطته نجحت ولم يبقَ له سوى الإجهاز عليه.
_يونَكّت: نجحنا، لا اصدق، ابق هنا سأقضي عليه.
_سيليا: سآتي معك...
_يونَكّت: لا، يكفيك ما عشته كل هذه الايام، انتظريني هنا.
_سيليا: لا تقتله... ارجوك.
_يونَكّت: هل فقدت عقلك؟ إما هو أو نحن.
_سيليا: قلت لك لا تقتله... (ورأسها نحو الاسفل) إنه إنسان مثلنا.
_يونَكّت: أعتقد أنك بدأت تفقدين عقلك، ألا ترينه؟ ابتعدي من أمامي.
_سيليا: أقسم لك، أرجوك اسمعني، افعل فقط ما سأقوله لك وسأشرح لك لاحقا، (أمسكت يده) اقطع رجليه ويديه واطعنه بهذه السكاكين، واربطه بالحبل فلنجره خلفنا إلى ما بعد الغابة الرملية القاحلة، إلى المكان حيث كدت تموت أمس.
عندما أمسكت يده انفتحت عيناه في أقصى انفتاحها واحمر وجهه، وفعل ما طلبته منه، بتر رجليه ويديه، غرز السكاكين في جميع أنحاء ظهره ورقبته، ووضع الملح على جميع جروحه، وبعدها جره خلف الحصان، حتى وصل به الحال إلى المكان المنتظر، حينها قطعت (سيليا) الحبل، تاركة بذلك الغريب خلفها، لم يتقدموا كثيرا حتى سمع من جديد صوت الرعد الصاخب في الأعال، التفت (يونَكّت) يمينا ويسارا يبحث عن شيء ما... حتى سمعوا من خلفهم صوتا أجشا...
_الغريب: يا ايتها البرتقالة المقشرة... إذا وجدت في البحيرة غرابين متشاجرين... فلا تفرقي بينهما...
(لما لا تدعني أموت وحسب، فلتدعني أرتح من هذه الدنيا، لقد تعبت بما فيه الكفاية، لم تعد لدي القدرة على المواصلة، ولم يعد لدي هدف يجعلني أقاوم لأجله، أخبرني ما الذي فعلناه لنستحق كل هذه المعاناة، أنا فقط سأنام لأرتاح... أتساءل لما زرتنا بالأمس ولم تأخذها معك، كان عليك فعل ذلك لتريحني، لقد اصبحت اهدافك غير مفهومة، أنا لم أعد افهم).
لم يعيرا كلامه اهتماما وسارا في الطريق، ولم تأتي في ذهن (يونَكّت) سوى كلمات (سيليا) "سأشرح لك لاحقا.... ارجوك"، استغل الفرصة وسألها عن ذلك.
_يونَكّت: ألن تشرحي لي؟
_سيليا: لا أعرف كيف سأشرح لك.
_يونَكّت: تلك مشكلتك، فقط أريد أن أعرف لما لم تدعيني أقتله؟
_سيليا: ببساطة، لأنه إنسان مثلنا.
_يونَكّت: ما هذا الهراء؟ إنه مختلف عنا، إنه مسخ.
_سيليا: عندما كنت محبوسة عنده لم يكن يحاول أكلي أو قتلي، رغم أنه عندما اختطفني من أمي وأبي قال سآخذ حياتك، فقط كل ما كان يقوله طوال الوقت هو شيء عن انفجار ما وبرتقال، والأمر المثير للريبة هو عندما حاول الاقتراب مني، كنت أبكي من شدة الخوف، عندما سقطت دموعي عليه واقترب مني أكثر، جسده أصبح مثلنا، الأمر فعلا غريب.
_يونَكّت: أعتقد أنك من كثرة الجوع والخوف أصبحت تهلوسين، لما سيذكر مسخ البرتقال وهو ليس بشرا؟ بالإضافة إلى أنه لا يأكل سوى اللحم، ولم يأكلك فقط لأنه ببساطة التهم قرية بأكملها، أضعت علينا فرصة كبيرة للقضاء عليه، ولا أعرف حتى كيف قمت بتركه، الأمر الجيد هو أننا أحياء.
_سيليا: برتقالة مقشرة...
_يونَكّت: ماذا؟ أي برتقالة هذه.
_سيليا: برتقالة مقشرة... هذا ما قاله قبل لحظات من ابتعادنا عنه، وأظنه كان يقول شيئا ما عن بحيرة... لا أتذكر جيدا ما قاله.
_يونَكّت: أصبحت متأكدا من أن الجوع يسيطر عليك، أيتها المجنونة! لم أسمع أي شيء من ذلك فقط... لا، لا لم اسمع.
_سيليا: على أي حال، هل معك أي شيء نداوي به جروحك؟ وما هذا على ظهرك؟ تشبه شوكة الصبار لكنها من المعدن، وأيضا مجوفة من الداخل يا للعجب.
_يونَكّت: إنها قصة طويلة، سأخبرك بها لاحقا، لكن أولا نحتاج بعض الماء والطعام قبل حلول المساء، وأعتقد أن علينا الإسراع.
_سيليا: أظن أن هذا يوم سعدك، أنا أرى بعض اللمعان على اليمين هناك.
_يونَكّت: (سيليا)، كيف عرفت أني كدت أموت في ليلة أمس؟
_سيليا: عن ماذا تتحدث؟
_يونَكّت: لا، لا تهتمي.
وبينما يقتربان من البحيرة، غيمت السماء، وبدأ الرعد من جديد، أسرعا نحو الشجرة الكبيرة للاحتماء تحتها من المطر الذي لم يهطل، وواصلا نحو البحيرة رويدا رويدا، وهناك رأيا غرابين بحجم مهول، يتعاركان، هل كان (يونَكّت) حينها يفكر فيهما كوجبة له؟ أم كان يرغب فقط في أن يفرق بينهما؟
وبينما يحاول الاقتراب أكثر منهما بمفرده، نظرا اليه بعينين محمرتين بارزتين، وحلقا في السماء، فانقض الأول على (يونَكّت) وابتلعه، والثاني طارد (سيليا) على الحصان المنهك فسقطت من فوقه، ليبتلع بذلك الحصان ويطيرا معا نحو المجهول.
و(سيليا) المسكينة على ركبتيها مبرقة بعينين جاحظتين للسماء والدموع تنهمر على الارض، دون أن تدري أين الطريق إلى المنزل، والرعد من جديد يضرب في السماء على حين غفلة، والمطر زاد عليها الأمر سوء، فاتجهت نحو مكان لا تعرف طريقه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!