الفصل الحادي والثلاثين
مع مرور الوقت، بدأ الشعور الملتهب بالخفوت، وبدأ (لاين) يشعر بتحسنٍ في حالته. شعر بعودة النبض إلى جسده، وعودة الرؤية إلى عينه، والسمع إلى أذنه، وعودة الحركة إلى ذراعه. شعور لا يوصف، جسده يحيا حياة جديدة. غمرته الفرحة الشديدة، والابتسامة قد رسمت على وجهه، وهو لا يزال مغما عليه وسط الوادي السيال.
الظلام دامس، لا يرى فيه سوى وميض البرق المتقطع الذي يمزق سواد الليل، تاركا وراءه ظلالا تتراقص على الأرض الرطبة، كأشباح تطارد بعضها البعض في رعب. المطر يهطل بغزارة، قطرات ثقيلة تضرب الأرض وترمي حبيبات التربة إلى الجوانب، مصدرة صوتا يشبه هسهسة ثعبان عملاق، يهدد بابتلاع كل ما في طريقه. الرياح عاتية، صفيرها يسمع من بعيد، وتحرك الأشجار الميتة بعنف، وتطيح بأغصانها وجذورها في ذلك الوادي المظلم، كأنها تشارك في جوقة الرعب التي تسيطر على المكان.
في وسط هذا الجحيم، يرقد شاب فاقد الوعي، جسده ممدد على الأرض الرطبة، ثيابه ممزقة، ووجهه مغطى بالطين، كتمثال منحوت. الماء يجري بسرعة في الوادي، مصدرا صوتا يخفي صوت أنين الشاب الخافت والملقى على الأرض.
من بعيد، يمكن سماع صوت نباح كلب، ينادي على صاحبه إلى المكان، يبدأ الكلب بلعق وجه الشاب الملقى على الأرض، ثم يبدأ بالقفز عاليا والنباح، تتقدم قدمان حافيتان وسط ذلك الوحل رويدا رويدا، وبعد مسافة قليلة يتجه الكلب بسرعة نحو القدمين ويبدأ باللعب. بعد ذلك تكتمل الخطوات إلى رأس الشاب، تهز العصى الخشبية جسد (لاين)، ثم تزيل يدان الطين والوحل عن وجهه وأنفه بالخصوص، ثم تتفقد معصمه ودقات قلبه. وبعد لحظات فقط تحمله اليدان وسط تلك العاصفة المطرية الريحية.
يهطل المطر بغزارة على سقف الكوخ الخشبي الصغير، منزلقا من عليها من بعد ذلك، تلعب الرياح بالماء المنزلق في الأرجاء. يقف الكوخ شامخا وسط العاصفة، كصخرة صامدة في وجه أمواج عاتية. تتسلل قطرات المطر من خلال بعض الشقوق في السقف، تاركة وراءها بقعا رطبة على الأرض الخشبية عند الباب. من خلال النافذة الوحيدة في الكوخ، يتسلل ضوء برتقالي دافئ إلى الخارج، يضفي على المكان شعورا بالأمان والراحة. ينعكس الضوء على قطرات المطر على الأرض، مكونا جمالا لا يصدق.
يحيط بالكوخ حقل واسع من الأعشاب البرية، التي تتراقص مع الرياح العاتية. تهطل عليها قطرات المطر، فتصبح لامعة متلألئة في الأفق.
في الداخل، تسود أجواء هادئة ودافئة. تصدر النار المتقدة صوت طقطقة خفيفة، بينما ترسل ألسنة اللهب ظلالا راقصة على الجدران. على الطاولة، تقبع بعض الكتب الجلدية، وكوب من الحليب الساخن، يتصاعد البخار منه نحو الأعلى بهدوء، على عكس زئير العاصفة بالخارج. فوق سرير خشبي يستلقي الشاب وهو في نوم عميق لا يبالي بأي شيء من حوله.
وببطء تبدأ عينا الشاب تفتح وتلتقط أشعة الضوء، يحرك رأسه بعد ذلك في اتجاهات مختلفة متعجبا من المكان الذي وجد نفسه فيه، وضع يده على وجهه ومسح عينيه ثم أدخل أنامله في شعره المبلل، وبعدها وضع يديه بجانب وركه وتراجع إلى الخلف مسندا ظهره على الحائط، وما زال لم ينتبه بعد لتجدد أطرافه وهو مستيقظ.
في تلك اللحظة بدأ الباب الخشبي يفتح ببطء وتسربت من خلاله الرياح الباردة محملة ببعض قطرات المطر، ضرب الباب على الجانب الذي يفتح فيه بقوة بسبب سرعة الرياح وقوتها، يتقدم شخص وهو يحمل كيسا بين ذراعين نحو الداخل ويرافقه كلبه، يستدير بعدها بظهره ليغلق الباب ورداءه مبلل بالمطر.
بعد أن أغلق ذلك الشخص الباب بدأ يتقدم نحو (لاين) وهو يتمتم بكلام غير مفهوم، حتى اقترب منه ووضع ما كان يحمل بين ذراعيه وأزال الرداء عنه وظهره لـ(لاين)، ثم استدار قائلا "حمدا لله أنك استيقظت أخيرا".
تفاجأ الشاب بالواقف أمامه، شخص لم يره منذ مدة.
_لاين: ليث! أما زلت حيا؟
_ليث: (يضحك) أنا حي كما أنت حي، لقد تفاجأت عندما وجدتك في الوادي قبل يومين، ظننت أني لن أراك مجددا.
_لاين: ظننت المنية وافتك في المعركة.
_ليث: لا، اسمع أنا سعيد أنك شفيت من اصابتك.
_لاين: لم أشفى وهذا سبب رئيس جعلني في الوادي.
_ليث: اسمعني... هل أنت مجنون أم ماذا؟ انظر لذراعك وتفحص أذنك، لقد شفيت.
_لاين: (يفحص نفسه مرتبكا) لا أصدق، يا إلهي... الحمد لله، كيف حصل هذا!
_ليث: يا لك من غريب، آخر مرة رأيتك فيها كنت بين ذراعي (تيس)، أخبرتني أنها ستعتني بك طوال حياتها، أين هي؟
_لاين: لا أعلم.
_ليث: ماذا! كيف لا تعلم؟
_لاين: لقد نهرتها لتهجرني مليا.
_ليث: لأضربنك على رأسك لو لم تكن مضروبا في عقلك، كيف تجعل من يهتم لأمرك يحزن بسببك؟ أ انت أحمق أم غبي؟ اسمعني... تلك الفتاة كانت تريد الخير لك، ما كان عليك فعل ما فعلته لها.
_لاين: افهم ما تقصده ولكني كنت في حالة صعبة، وهي كانت تريد التخفيف من شعورها بتأنيب الضمير.
_ليث: أيا كان ما كانت تفعله فهو في مصلحتكما معا، ما كان عليك التصرف بتلك الطريقة.
_لاين: أعي ذلك.
_ليث: اسمعني... أريد أن أسألك سؤالا واحدا ولا تجبني بكلمة أو جملة.
_لاين: اصغي لك.
_ليث: ما علاقتك بتلك الفتاة؟
_لاين: أ هذا سؤال؟
_ليث: فليكن... المهم أجبني، لقد رفضت سابقا اخبارنا عن ماضيك، لكن الآن لا مهرب لك.
_لاين: حسنا، منذ كنت طفلا تركني أبي عند خالي الذي كبرت وتربيت في أسرته، كان المكان غريبا علي في البداية، رغم ذلك كنت أجد بعض الأوقات لأجلس مع (تيس) ونلعب معا، بل حتى الخروج معا وقطف الثمار من الأشجار، نذهب للمدرسة معا ونرجع معا، كانت مشاعري تجاهها كبيرة رغم صغر سني.
كنا نقضي الكثير من الوقت معا، بالكاد أذكر لحظة من دونها، حتى وصل اليوم الذي رحلت فيه عنا وتركتني بمفردي.
_ليث: أكمل.
_لاين: أكمل ماذا؟ هذا كل شيء.
_ليث: ألم يحصل شيء آخر مثل اخبارها عن مشاعرك؟
_لاين: لا، فقط تلك الورقة وحسب.
_ليث: تلك الورقة هي ما جعل العلاقة تتضح بينكما.
_لاين: غير مهم بعد الآن.
_ليث: أليس عليك الاعتذار لها؟ لقد ضحت بكل شيء من أجل أن تعتني بك.
_لاين: بماذا ضحت؟ فعلت ذلك لترضي ضميرها ولا أحتاج من يعتني بي، أنا بكامل عافيتي الآن والحمد لله.
_ليث: اسمعني... حتى لو لم ترغب في مساعدتها أو لم ترغب في وجودها فهذا لا يعطيك الحق أن تتصرف معها بتلك الطريقة.
لماذا تكرهها؟ إني لألحظ التناقض فيك يا صديقي، في السابق فعلت المستحيل لكي تنقذها من الخيمة، والآن تفعل المستحيل لتبعدها عنك.
_لاين: فعلت ما كان يجب علي فعله وحسب.
_ليث: هي أيضا كانت تحاول فعل الصواب.
_لاين: لا أريد ان اجادلك أكثر، يكفيني ما أنا عليه الآن.
_ليث: صحيح... لا تجادلني، ان كنت لا تريدها في حياتك فقط أخبرها بذلك كي تعلم بمشاعرك الحقيقية، لا تكن كالحلزون.
_لاين: إذا كنت تعتبرني صديقك فلا تكلمني في هذا الموضوع الآن، أنا لا أريد التفكير فيها مجددا، لا أريد أن أحب أحدا، كلما أحببت أحدا أتدمر.
_ليث: حسنا، لا أريد التضحية بك، سوف أحاول تمالك نفسي.
_لاين: أنا أشكرك، بالمناسبة لما أنت في هذا المكان؟
_ليث: (يغسل اللحم) كما تعلم... اسمعني... عندما انتهت تلك المعركة قررت أن اغادر بيت الشجرة، لم أستطع بناء بيت أفضل من هذا بسبب الأجواء الماطرة.
_لاين: جميل، لم أر المطر يهطل طوال هذا الوقت بهذه الكمية وخلال هذه الفترة، ومتفاجئ بصمود كوخك في وجهه.
_ليث: (يقطع اللحم) لازلت لا تعرف عني شيء يا رفيقي... تعال وأشعل النار.
_لاين: (يخرج من الفراش) كيف حصلت على هذا الخشب الجاف؟
_ليث: اشتريته، انتبه ان تحرقه كله.
_لاين: ماذا حصل للرجل الذي أنقذني يوم عاركت ذلك الوحش عند الخيمة.
_ليث: لا أظنك ستنساها يا صديقي... أذكر أنه رحل مباشرة بعد المعركة ولم يخبر أحدا إلى أين هو ذاهب.
_لاين: غريب.
ليث: اسمع... ضع ذلك اللحم في الاناء، سأحضر بعض البصل.
_لاين: أتعرف شيء عن الكتب التي تركها ذلك الشخص؟
_ليث: أعتقد أن هناك شخصين آخرين فقط يعرفان مكانها.
_لاين: يعني هذا أنك ثالثهم.
_ليث: صحيح.
_لاين: هناك شيء ما يدفعني لأراها، شيء ما يخبرني أننا لم ننتهي بعد.
_ليث: لا يا صديقي لقد انتهى كل شيء، كل شيء بخير الان، سأجد وقتا لنذهب إلى هناك.
_لاين: حسنا، لنذهب وقتما تجد الفرصة المناسبة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!