|5| اختِبار.
في تلك القاعة، ران الصمت على المكان، يتّخذ الكل مجلسه يراقب ورقة الاختبار، وأنظار المراقب الثاقبة تعاين الجميع. مرّت نصف ساعةٍ منذ طَفِقوا يمتَحِنون، وكل ما كان يُسمع هو صوت وَجيب قلبٍ واجِفٍ انهار حينَ لَمَحتِ الأعيُن أسئلةً غير مستساغة، تنهيدات تُعرِبُ عنَ تَبرّمٍ وضيقٍ شَديدان. يُحاول أحدهم التقاطَ الأكسجينَ بتلكؤٍ بِصددِ تَنظيمِ الأنفاسِ المضطربة، وآخر يتمتم بأدعية لعل اليوم يمر على خير، ومنهم من فقد الأمل في النجاح فأخذ يضع في خانات الإجابة ما يَراهُ مواتيًا، إذ لم يعد مكترثًا لشيءٍ سوى انقضاء الساعة المتبقيّة، فلقد رزح ما يكفي تحت وطأةِ الأسئِلة.
إنّهم على مشارِفِ التخرّج وّهذهِ الاختباراتِ هي الأخيرة، وقد شَهِدوا موجةَ صعوباتٍ ضاريةٍ تُعادِلُ السنواتِ الماضية، هذا عدا عَن الدراسَةِ الجادّةِ والغوص في لغةِ لم يسبق وأن مَرّت على مسامعهم، لذا فإن فهم قواعدها وضمائرها ووظيفةَ كل حرفٍ مطلوبة ويتمّ التدقيق عليها. إن حدث وفوّت أحدَهم موضوعًا فعليه بذل جهدٍ جهيدٍ ومضاعف لتعويضه لئلّا يرسب وعلى الأقل ليضمن نجاحه.
يكتنفهم الضغط في الوقت الراهن، ولا شعور أسوأ يضاهي ما يفتك بهم، إنّهم في حالٍ مُزرٍ، يتبادلون نظراتِ الأسى فيما بينهم بسريّةٍ لئلّا يُعَدُّ غشًا في نظر المُراقِب، يستنجدون ببعضهم لكن ما باليد حيلة، فجلّهم غارقون في اللجةِ ذاتِها، يواجهون صعوبة في الحل، والإجابات تعلّقت بحبال الهواء، فباءت محاولاتهم لاستعادتها بالفشل.
وضع أحدهم قلمه على المنضدةِ الصغيرة، يراقب الجدران الرماديةَ التي فاقمت الأجواء استوحاشًا، عدا عن الأمطار القارعة لحواشي النوافذ، وهزيم الرعد الذي يدوّي صوته بين الفينة والأخرى. ازدرد ريقه وقد فاض بهِ الكأس، لقد فرغ من جلّ الأسئلةِ باستثناء هذا، حاول مليًا تذكُّر ما قرأهُ لكن عبث، فلا نتيجةً تُذكَر. غطّى ناصيته المقطوبة بكفّه، متنهدًا بتيهٍ، وبقي على حاله حتّى يأذن القدر.
مرّ الوقت بطيئًا، أبطأ من سلحفاةٍ تسير بقوقعتها الثقيلة فوقَ ظهرِها، كانوا يعدّون الثواني قبل الدقائق وقد استحكم بهم اليأس، وما عادوا يرغبون سوى في اللوذ بالفرار، والخروج من القاعةِ برمّتها ومن ثم إبداء نحيبٍ لا ينتهي، والإفصاح عن الألم المُستَعَرِّ في ترائبهم.
رفع المراقِبُ كفّهُ مشيرًا لهم بإسقاط الأقلام فالوقت المحدّد انتهى، فهمّ الجميع من فورهم بالنهوض كصف نملٍ طويل، ثم شرعوا بتسليم أوراقهم تباعًا، والخروج من القاعة. هذا خرج بوجهٍ مُحمَرّ، وتلك بسيل دموع متدفقة على وجنتيها، وآخر يعتري معالمه حنق صارِخ.
تحشّد الزملاء في باحات الكليّة قبل المغادرة، الفتيات في جهة، الشبّان في جهة. يبحثون بين أوراقهم عن إجاباتهم، وقد أجمعوا على صعوبته رغم بذلهم جهودًا مُضنية، ولم يتبقّ سوى انتظار صدور النتائج.
وضع ذاك المسكين كفّيه على رأسه، والهمّ أثقل كاهليه، فتقدّم منه عمر ووقف خلفه، ولم يلبث أن ربّت على كتفهِ برفقٍ، ثم نطق مواسيًا: «هوِّن عليكَ يا فريد، لا توجل، سيكون كل شيءٍ بخيرٍ بإذن الله.»
تنهد فريد للمرة الألف، وخلّل أنامله بين خصلات شعره المموّجة الغرابية: «ألم ترَ صعوبة الامتحان؟»
أومأ له بهدوءٍ مجيبًا باقتضاب: «بلى، رأيت.»
قلب جون مقلتيه بضجرٍ: «إنّ عمر لم يؤثّر عليه الامتحان، فهو الأذكى في الفصل.»
نكّس عمر رأسه مقهقهًا بهدوء: «لكن الامتحان كان صعبًا بالنسبة لي، كما أنّ جميعكم أذكياء، فلمَ الاستنقاص من ذواتكم؟»
ثار داوود ناهضًا عن مقعده، وقد حمل إحدى أوراقه، وألقاها في سلة المهملات: «هذا لا يجوز، لم نرَ أيّ رحمة في الامتحان.»
بينما عند الفتيات كانت فيفيان مغتاظة بشكل غير طبيعي. نظرت لمسك وهمست لها: «الغضب في محله، لقد كان الامتحان بغاية الصعوبة، ألا يشعرون بنا؟»
ثم بدأ الحنق بالتفشّي بينهم كوباءٍ مُعدٍ.
نهض جواد محاولًا تهدئة الوضع بين الشُبّان: «رجاءً يا رفاق، اهدؤوا لوهلة ودعونا نتفاهم.»
بينما كانت جوليا ترسم على ورقة رجلًا طويلًا أصلع الرأس بغيظٍ وهي تهمس بغضبٍ عارم: «ذاك المدحت لا يرحم أحدًا، بل ويعشق التوبيخ، إنّي أكرهه، وأتوق شوقًا للتخرّج فقط للتخلّص منه.»
وسّعت مسك مقلتيها ناظرةً للرسمة، زمّت شفتيها تكبت ضحكاتها فلقد كان يشبه مدحت فعلًا.
أما إلياس ففاض به الكأس واضطرّ أن يصرخ برفاقه قائلًا: «حبًّا بالله، اصمتوا قليلًا، عليكم الهدوء، فلا شيء واضح الآن، وعلينا الصبر إلى حين صدور النتائج. كما أنّ جميعكم قد درس جيّدًا. أنا لا أنكر أن الامتحان كان بغاية الصعوبة، لكن علينا الانتظار فقط.»
تنهد فريد قائلًا بخيبة أمل: «أتأمل أن يكون كلامك صحيحًا.»
وعلى هذا المنوال استمر النقاش فيما بينهم، وحين فرغوا منه، همّ كل واحدٍ منهم في العودةِ إلى بيته وهو مثقلٌ بالأسى. بعد أن وصلت الحافلةُ للمحطّةِ الأخيرة في المدينة، ترجّلتا منها، وبدئتا السير.
كانت جوليا تتحدث إلى مسك التي كانت شاردةً، ولم تسمع أيّ كلمة تنطق بها الأخرى، كانت تفكّر في شيءٍ آخر لا علاقة له بالاختبار.
نكزتها جوليا قائلةً بتساؤل: «هل أنتِ تستمعين إليّ حتى؟»
جفلت، وأفاقت من شرودها قائلةً بأسف: «أعتذر، لم أكن منتبهة لما تقولين، كرّريه لو سمحتِ.»
«أريد الذهاب إلى متجر العم ساهر، أريد شراء مسبحة جديدة، ثم سأتّجه إلى الكنيسة؛ فوالدي تعب قليلًا هذا الصباح، وأريد نصائح الأب طوني، وبالتالي أصلّي لعلّه يُشفى.»
أومأت لها مسك بابتسامة: «حسنًا لا بأس، في تلك الأثناءِ سأتوجّه إلى مصلى النساء في المسجد في الشارع المجاور كي أصلّي صلاة الظهر، كي لا تفوتني وأعود إليكِ.»
ابتسمت لها جوليا، وأومأت لها: «حسنًا، سأذهب للصلاة أولًا.»
أومأت لها مسك وأشارت إلى المسجد الذي يبعد عنها بضعة أمتار: «قد يستغرقني الأمر وقتًا، إن فرغتِ قبلي فاذهبي لشراء مسبحتك.»
ابتسمت جوليا: «اتفقنا.»
قهقهت مسك بهدوءٍ دون أن تعقّب، وأخذت تسير نحو المسجد.
*مسك*
دخلت للمصلّى النسائي وقلبي ينطق مناجيًا الله وحده. طالبًا العفو والمغفرة. نظرت للمكان الذي حفظني عن ظهر قلبٍ ولموضع سجودي الذي يطهرني من ذنوبي كلما تساقطت عن كتفيّ.
لم أجد سوى امرأة هناك، الخالة سلمى التي اعتادت أن تعتكف لساعاتٍ طويلة كل يوم، تقضي وقتها في التنسّك وتوزيع الكتيّباتِ الدينيةِ المبسطةِ لتلائِم كل الأعمار.
لا يمكنني التذكر كم كتيّبًا في حوزتي ملكته بسببها هي. لقد اكتنزت معلوماتٍ كثيرة أفادتني حقيقة في الحياة حولي، وبعضها دفعني لأعرف تفاصيلًا دقيقة في إسلامي.
ازدردت ريقي بعدما استملكتني غصّتي، فوضعت كفي على ترائبي مغلقةً جفناي، ثم تقدّمت ووقفت حيث اعتدت. تمتمت أدعيتي قبل الصلاة، وضعت كفي الأيمن على الأيسر وشرعتُ أصلي بخشوعٍ تام.
ما أجمل أن ابرأ من ذنبي في لحظة ساكنة كتلك. لا النسيم العليل ولا صوت موج البحر يهدئ من روع روحي كما الصلاة تفعل. واللهِ إنّي بها لأطيب، وألقى فيها شغف العابدين، وزهد الخاشعين.
حيرتي تنهشني...
كيف للإنسان أن يعيش دون أن يؤمن بالله؟
حين تضيق به الهموم والمصائب، لمن يلتجئ؟
من ذا الذي يفكّ كربه إذا ما استعصم بحبل الله؟
ألم يدرك أحدهم أن الدعاء نقطة الوصل بيننا وبينه؟
ألهذا تكثر حالات الإنتحار عند غير المسلم أكثر من غيره؟ ألِأن الإيمان ليس يقظًا في أفئدة الجميع؟
مما لا لبس فيه...
*مسك*
مرّت دقائقٌ طوال، وسلّمت مسك السلام الأخير الذي يدلّ على إنهاء الصلاة، رفعت يديها وقرأت ما تعتادُ على قراءته دبر كل صلاة، ثم طأطأت رأسها هنيهةً خضوعًا لله جلّ عُلاه.
نهضت عن الأرض وقالت بابتسامة: «راحة نفسية لا نظير لها.»
تقدمت من سلمى وجلست أمامها. كانت مرأة في منتصف الأربعينات، ويبدو عليها الالتزام والتديّن. تتردد إلى هنا كثيرًا وتقوم بتوزيع الكتيبات الدينية على الفتيات والنساء، بعضها لتفسير للقرآن، وأخرى لتفسير الأحاديث، وكتيّباتٍ لأذكار الصباح والمساء، أو أدعية عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
ابتسمت مسك لها بتهذيبِ ناطقةً: «ما كُتيّبُ اليوم يا خالة؟»
تهلّل وجه سلمى لتنظر لعلبة الكرتون الكبيرة جانبها وأخرجت منها الكتيب وقدمته لها: «بعضٌ من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعاملاته مع الناس.»
اتسعت ابتسامتها ملتقطةً الكتيّب، وومضت عينيها بحنين صارخ، وقد صبت شوقًا له بمجرد أن قرات غلافه: «أعظَمُ رَجُلٍ في الكونِ بأسرِه. لم ولن يشهد على مثلِهِ التاريخ. عليه أفضل الصلاة والتسليم، أفديه بأبي وامي ونفسي وكل ما أملك.»
ترقرقت عينيّ سلمى منكسةً رأسها إنشًا، ماسحةً الدمع من مآقيها بمنديلٍ ورقي: «أرجو أن تمعني جيدًا في كل حرفٍ ستقرئينه، لقد فاضت الأدمع من عيني حين قرأته.»
شردت مسك في الباب المغلق وانسابت الدموع دون إذن: «قصته في الطائف حين كُسرت رباعيته تفطر قلبي، وكلما سمعتها بكيت كأن لم أسمعها من قبل.»
كفكفت سلمى دموعها: «تاللهِ إنكِ لتشاطرينني موجِعِي.»
انهارت مسك بغتةً ليرتفع بكاؤها مترددًا بخفوت: «يؤلمني أنهُ أصيبَ وأوذيَ وفعلوا به ما لا يحتمله بشر فقط ليصلنا الدين ونولد عليه دون متاعب...» ارتجفت شفتيها لتغطي وجهها «ونجيئ نحنُ دون أدنى خجلٍ ونفرّط به، وننسى في لحظةٍ كل من ضحى وقدّم لنصبح أمة المليارين.»
بينما عند جوليا. كانت قد فرغت من صلاتها وودت لو تعلم ما يمكن أن ينصحها أحد القساوسةِ أن تفعل فيما يؤرّقها.
وجدت مايكل قادم من بعيد فتقدّمت منه نابسةً بتهذيب: «أريد منك نصيحة أيّها الأب.»
أوما مايكل ناظرًا للأرض: «تفضّلي، اسأليني.»
تنهّدت جوليا بوهن: «إنّ أبي يعاني من التعب مؤخرًا، واليوم أصبح مريضًا لدرجة أنه لم يذهب إلى العمل، وأريد حلًّا دينيًا لهذا إن وُجد.»
زم شفتيه بنوعٍ من الأسف: «في ديننا، الدعاء له بكثرة، والصلاة يمكنهما تحقيق المستحيل، ولكن عليكِ أن تكوني مؤمنة بأن والدك سيشفى. عليكِ أن تؤمني لكي تفلحي، وعليكِ ألّا تيأسي.» ابتسم بهدوء «الحياة تُرينا الكثير، لدرجة أننا نظنّ أننا هلكنا، ولكن ربنا يغدق علينا برحمته في أشدّ اللحظات حرجًا.»
كانت تحاول كبح دموعها، إلا أنها لم تقدر، وبدأت تهطل كهطول المطر. ثم نطقت وهي تحاول التماسك: «أرى صحة والدي تتراجع رويدًا رويدًا، ولا أريد أن أخسره.»
رغم انه لم ينظر لها استدلّ على بكائِها من صوتها. فأخرج منديلًا لها: «امسحي دموعكِ، ولا توجلي، سيمرّ كل شيءٍ على ما يُرام.»
التقطته منه: «شكرًا لك...» صمتت قليلًا ثم استطردت: «لا أنكر أن الحديث معك خفّف عني كثيرًا.»
ابتسم وأومأ بهدوء: «هذا واجبي على الدوام.»
أومأت له ماسحةً دموعها: «اعذرني، علي الذهاب...»
*جوليا*
خرجت من هناك كسيرة الخاطر، فقلبي يصرخ خوفًا على أبي. ضعفه يضعفني، وقوته الخائرة أدامت الحزن على وجه أمي.
آمنت دومًا أن العيش بعد الأب والأم موت روحٍ وإن كان القلب نابضًا. وأنا روحي تحتضر، على أعتابٍ موتٍ شرس، سيأخذ الروح والجسد، ويبقيني مكاني أعاني.
أنتظر الوصول لمسك، فهي تعرف كيف تخفف عني. كلماتها مرهمٌ تطيب به جروحي، فتنزل علي سكينة لحظية تستطب بها آلام حناياي.
رفعت رأسي فوجدتها تخرج من المسجد لتوّها وعينيها حمراء كالدم، علمت انها تبكي، واستدللت بذلك من الكتيب الذي بيدها كما اعتادت أن تأتي به كل مرة.
*جوليا*
حدّقت مسك بوجه صديقتها الشاحب وآثار الدموع المتعلقة، لتعقد حاجبيها باستغرابٍ: «ماذا بكِ؟ أكنتِ تبكين؟»
مسحت عينيها واومأت دون مكابرة، زمت شفتيها وامالت رأسها قليلًا: «أبي لا يزال متعبًا.»
كانت مسك حريصة على مواساتها والتربيت عليها؛ فأغلى شخصين على قلب الإنسان والديه. فهما من تعبا من أجل أن يحيا حياة كريمة، خالية من الحزن والبؤس.
مهما فعل، ومهما حاول الإنسان أن يردّ الجميل، لن يقدر ولن يستطيع. هما يقدّمان بلا طلب، أو مقابل، يقدّمان بلا حدود، بلا شروط، وبلا أمر. هما فقط يفعلان ما فَطَرَتهُما عليه فِطرَتِهِما.
حتى لو أعطيناهما أعيننا فلن يكفي لردّ الجميل. ليس كقلب الوالدين شيء؛ لا قلب بحنانهما، لا قلب بلطفهما أو برعايتهما.
الوالدان هما الأمان.
همست جوليا مع نفسها: «ديني يحثني على الصبر، يحثني على أن أكون متمسكةً بيقيني بالرب.»
كسرت مسك الصمت: «هل للصبر أفضلية في المسيحية كما عندنا في الإسلام؟»
ابتسمت جوليا وأومأت لها: «ربّما تختلف عقائدنا كثيرًا، لكن ديني ودينك يمتدحان الصفات الحسنة، كالصبر على البلاء، الطيبة والقلب الحسن، حتّى الحِشمة. وكلاهما يحرّمان أمورًا مشتركة كالتعدّي، السب، الشتم، إيذاء الغير.»
*مسك*
ولكن يظل الفرق الجوهري بيني وبينها هو نقطة الفصل. هي تعلم ذلك، سبق وأن خضنا نقاشًا عميقًا وحاولت شرح الأمر لي، لكن، انا لم أفهم فعلًا كيف يحدث ذلك، أو كيف يتم.
مسألة التوحيد تظلّ الفارق بيننا، وهو الفارق الشاسع الرحيب الذي لم أساوم أنا وإياها عليه. انا على ما آمنت وهي على ما آمنت.
سيدنا عيسى عليه السلام في إسلامي يختلف تمامًا، إني أعدّه نبيًا يعود في آخر الزمان فيتّبعونه. لم تجد فطرتي وجود ابن لله منطقيًا، ولهذا أجدني أميل لِـ {الله الصمد}.
معظم أحاديثنا تميل لأن تكون عن الدراسة، العمل، وعن الامور الحياتية والعائلية أكثر، لكن ذاك اليوم وذاك النقاش كانا استثناءً.
*مسك*
وصلتا متجر العم ساهر الذي قصدته جوليا، نظرت له مسك قليلًا ووقفت في الخارج لتنتظرها لكنها رأت حسن يمر من الجوار، فضيقت جفنيها بغيظٍ وتركت الأخرى ثم تقدمت منها بخطًى رزينة في ظاهرة ومبطنة بالغضب.
ولجت جوليا إلى المتجر المنشو، ألقت التحية على ساهر، مالك المتجر، الذي بادلها التحية بوجهٍ متهلل وابتسامة بشوشة. منذ وقتٍ طويل لم تزر متجره.
أخبرته جوليا أنّها تودّ مسبحة جديدة بعد قطعها لمفضّلتها، ثم توجّهت صوب زاوية المسابح الجديدة التي كانت مصفوفة على الرفّ في نهاية الردهة. أخذت تنظر لها بإمعانٍ وهي تبحث عن بغيتها.
بينما مسك، حاول حسن الفرار كالعادة بشقاوته التي لا يكف عن افتعالها وتخليف المشاكل من ورائه.
تداركت الوضع وأمسكته من جارزته من الخلف وأرجعته خطوة ليتقاطع نظرها بنظره، ثم تهمس له بوعيد: «ربما كان عمرك عشرة، لكن هذا لا يعطيكَ استثناءً.»
نظر لها بخوفٍ طفيف والتي علمت الأخرى زيفه. ثم قال: «ماذا؟»
أمسكت خصلة خفيفة من شعره وشدتها برفق للأعلى: «أين طوق رقبة توتة؟ لم أجده حين عادت للبيت البارحة.»
رفع كتفيه غير عالمٍ بالأمر: «كلما اضاعت توتة طوقًا تتهمينني؟»
فتحت مسك فتحي أنفها تلتقط نفسًا مغتاظًا: «لأن لا لص أطواق غيرك في هذا الحي.»
أخذ يتخبّط بين يديها: «أنا فعلتها لكن اتركيني قبل أن يمسك بي أحد.»
قطّبت جبينها: «ولِمَ تهرُب؟»
لقد ضربت الكرة عاليًا وكسرت مزهرية عن أحد النوافذ، أريد الفرار.»
رفعت حاجبها: «تعجبني صراحتك يا غلام.»
ولم يلبثا أن سمعا صوتًا يصرخ من بعيد مهددًا مناديًا: «كشفتكَ يا حسن، هذه كرتك، أنا أعلم.»
ثم ظهر فجأة الأب مايكل وهو يبحث بعينيه عن حسن إذ علم الغريم من المرة المعتادة التي الفها الجميع حاضرةً في المصائب فقط.
همست له مسك: «هذه كرتك يا حسن؟»
أومأ لها: «نعم.»
وقع بصر مايكل عليهما ليشعر بحرج من التقدّم. تركت مسك حسن بحياء، وعادت للخلف خطوتين، ثم التفتت نحو باب المتجر، وقد استشعرت خروج صديقتها من هناك.
نظرت جوليا لما يجري بين مايكل وحسن وسألت: «ماذا فعل المشاكس؟»
قهقهت مسك دون صوت وهمست لها: «كسر مزهريته.»
ثم تابعتا المسير إلى حيث تمضيان.
تقدّم مايكل من حسن واستحكم به قبل أن يفر بريشه، دنا منه جثيًا وأمسك ياقته لكن برفق. هو لم يقسو فعلًا، بل أسلوبه مع الطفل أشبه بالمزاح فعلًا.
شدّه برفقٍ صوبه وقال بصوتٍ خفيض بارد: «هل تدري ما فعلته كرتكَ في نافذة غرفتي؟»
ابتسم حسن ببهوت: «ألم تكسر المزهرية؟»
ارتفعت ابتسامة مايكل بجانبية ملتقطًا شهيقًا عميقًا ثم قال ببرود: «المزهرية، ضرر بسيط. النافذة، ضرر جسيم. ما رأي والدك؟»
توسعت مقلتي حسن نافيًا بعنف: «أعطيكَ قطعة شوكولاتة ولا تخبر أبي.»
رفع بصره نحو السماء متفكرًا: «يعتمد على نكهتها.»
همّ حسن بإخراج ثلاث قطع شوكولاتة: «البندق، الفستق، الفراولة.»
التقط مايكل الثلاثة ثم دسها في جيب الطفل، حدّق به لوهلة ثم أمسك وجنتيه وقبلّ رأسه بلطف.
«كنتُ أمازحك. استكمل لعبك.»
ابتسم الطفل ناظرًا له ثم هرول بعيدًا من المكان.
*مايكل*
ظللتُ أحملق في طيف ظلّه حتى بات سرابًا، شعرت بالدمع يتصاعد للأعلى، لكنّه لم يبلغ مآقييّ بعد. أحجمت عن ذلك مكابرًا على شعوري، إذ علمتُ أن إذعاني له لن يكون إلا البداية لذاك الانهيار، والعودة لتلك الليلة.
شيءٌ ما في حسن جعلني أتذكّر شخصًا عزيزًا لم يعد موجودًا، رأيتهُ قبل أعوامٍ مديدة. شخص قُدِرَ لي وله رحيلًا فاجعًا مؤلمًا. رغم اختلاف عمر حسن مع عمر من واستني روحي عنوةً لفراقه إلا أنّه ذكرني به بطريقةٍ ما.
طريقةٌ لم أجدها، لم أعلم أين كمنت، فحسن شقي أما العزيز فلم يكن. لكن ربّما لأنَ حبي لكليهما موجود، ولأن كلتا عينيهما تصرخ بتلك البراءة التي لم تفارق ذهني حتى يومي هذا.
فمالي لا أعلم كيف أنعى نفسي الموجوعة، ومالي أتوق دون تواني.
لا أسمح لذاتي أخذ وقت مستقطع. لكني متأكدٌ أنّي أُوَلِّي الأمر أهميته المُستحَقّة.
*مايكل*
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!