وضع القراءة:

|3| اعتذار.

يومٌ ذو جوٍ عاصف، رياح عاتية تهب بقوّةٍ لتطرق على النوافذ، فتتراقص أغصان أشجار السرو التي تكتنف حرم الكليّةِ لتُضفي مشهدًا خلّابًا لباحاتها، مصدرةً ذاك الحفيف اللطيف السائد صوته في الأرجاء والطاغي على سكون الشوارع. يرتدي الجميع ألبسةً دافئة من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين. 
يضرب البرق مبنى الكلية فيلمحون سناه يشقّ السماء فيعقبه صوت رعدٍ يُسبّح للخالقِ ليدوي في المسامع، مُخلّفًا اهتزازًا طفيفًا تحت الأقدام. وعلى الرغم من أن الجو يدبّ ذُعرًا في قلوب البعض، إلا أنّه يشكّل متعةً في قلوبِ آخرين، إذ يتمثّل هذا المناخ بالحب عقب انتظارٍ دام طويلًا بالنسبةِ لهم، فهم ينتظرون هذا الجو بفارغ الصبر، فالشتاء هو الطقس رقم واحد.
في تلك القاعةِ بجدرانها ذات اللون العاجي، والأضواء الطويلة التي تلتحم بالسقف لتضفي نورًا، يتّخذ الطلاب مجالسهم والإحباط يرتسم على وجوههم، أثناء انغماسهم في تدوين أبسط الملاحظات وأدقّ التفاصيل التي ينطق بها المحاضر، بطوله الشامخ وبذلته الرسمية، يسير ذهابًا وإيابًا وكفّيه متشابكات خلف ظهره، ونظارته الطبيّة تزيّن محاجر عينيه، وخصلة بنية مموجةٌ تتسيّب على جبهته لتجعل من منظره أكثر جاذبية.
زفر تنهيدةً هادئةً حين ألقى نظرةً خاطفةً إزاء ساعة معصمه الفضيّة، ثم ارتسمت ابتسامةً على محيّاه جمّلت من وجهه الوضّاء، ثم نطق: «لقد انتهت المحاضرة.» نظر لهم «لكن عليَّ التنويه على أمرٍ بالغ الأهميةَ، أرجو منكم الاستماع حتّى أفرغ.»
تخلل قوله مسامع الجميع، فرفعوا رؤوسهم يناظرونه بإصغاءٍ تام، لقد بدا جديًا، والتمسوا أنّه يُواري أمرًا لا يحتمل التأجيل.
استطرد قائلًا: «لاحظت أن قسمًا كبيرًا منكم لا زال لم يفهم أن الأسماء التي تعقبها علامة الترقيق "Ь" تكون غالبًا مؤنثة مع وجود استثناءات يتوجّب عليكم حفظها، كان هذا بيّنًا في الاختبارات الأخيرة، ها أنا أنوه مجددًا، دونوا هذه المعلومة في دفاتركم، وأتوقع منكم بلاءً حسنًا في اختبار الأسبوع القادم، لا أريد منكم أن تغفلوا عن كونها السنة الدراسية الأخيرة، إنّكم على أعتاب الاختبارات النهائية. في الخِتام، أتأمل نجاحكم أيها الأعزاء، وأراكم في المحاضرة القادمة.»
ثم اختتم قوله بابتسامةٍ رقيقةٍ، حمل كتابه بكفّه الأيسر وحقيبته بأنامل كفّه الأيمن، ثم خرج تاركًا إيّاهم يتبادلون النظرات المتعجبةَ فيما بينهم. 
ألقى أحد الزملاء والذي يدعى سامر نظرةً خبيثةً على رفيقه جواد، ثم نبس بمراوغةٍ بينما يرفع حاجبه الأيمن كوسيلة ضغط: «جواد، جواد، إنّه أنتَ من أخطأ، صحيح؟»
كان جواد الوحيد المتظاهر باللامبالاة، إذ لم يعقّب أو ينظر صوب أحدٍ حين تحدّث المُحاضر، بل كان مكتفيًا بالرسم على دفتره بقلمٍ جاف رسوماتٍ لا معنى لها. لكنّه وبمجرد أن أصاخ قول الآخر حتّى امتقع وجهه، توسّعت عينيه وازدرد ريقه من فوره، ثم ابتسم ابتسامةً صفراء أعقبها قوله المتلعثم: «يا سامر يا عزيزي لماذا تحب إحراجي؟ إنّنا كُثُرٌ في هذه القاعة، أولم تجد أصابع اتهامك سواي لتشير عليها؟»
تظاهر الآخر بالبراءةِ ثم أشار إلى نفسه: «من أنا؟»
اغتاظ جواد متحاشيًا النظر له: «بل من يقبع خلفك.»
نظر سامر خلفه، كمش شفتيه نافيًا برأسه: «لكن عمر لم يقُل لكَ شيئًا.»
لم يتردد جواد في إمساك ياقة سامر بحنقٍ هامسًا: «أجل أنا من أخطأ ذاك الخطأ، لقد علمت بأن المحاضر يقصدني.»
رفعت لينا حاجبيها مبتسمةً بحرجٍ، ثم همست مع نفسها: «لكنّي أخطأت أيضًا.»
غطّت أحلام وجهها بكفّها خجلًا ناظرةً للينا: «ظننتُهُ يقصدني وحدي.»
اتكأ داوود على منضدته بمرفقيه: «جواد، لستُ أقلًا منك، لقد أخطأت كذلك.»
ضحك عمر بغير تصديقٍ وهو ينظر لزملائه المحتشدين في قائمةِ المنشودين، يبدو أن سامر كشف من قصدهم المُحاضر، إلا أنّها لم تكن مصيبةً مهولة، فلا أحدم منهم يتحدّث بسوءٍ عن الآخر، وأن الأغرب في هذا الفصل تحديدًا، أنّهم على وفاقٍ، ونادرًا ما يخلّفون وراءهم مشكلةً أو خصامًا، أو حتّى نميمة. جميع المحاضرين يستشهدون بأخلاقهم ودرجاتهم ومساندتهم لبعضهم البعض.
وقع بصر عمر إزاء جون الذي كان يزمّ شفتيه، يرفع حاجبيه بضجرٍ شديد، يلوّح بقلمه بعشوائيّة، تأجّجت رغبة مكايدته كما يفعلان دومًا، فقال: «ماذا عنكَ يا جون! ألم تكُن مقصودًا في ذاك العِتاب؟»
ألقى جون قلمه، ونظر نظرةً حادّةً إزاء عمر فلقد أدرك أن مناكفته بدأت، لكنّه سرعان ما أرخى ظهره على مقعده قائلًا بثقة: «عمر يستهوي إقناعنا أنّه الزميل الدودة، الذي لا يُخطئ في فهم موضوعٍ أبدًا.»
نظر له عمر مبتسمًا بزيف، وقد تمكّن جون من استفزازه فعلًا وقلب الطاولة إلى صالحه، ثم ضربه على رأسه بالكتاب. تظاهر جون بالغضب: «يا أنت! لمَ فعلت ذلك أيّها الدودةُ الضعيفة المهووسة بالكُتب.»
أغلق عمر جفنيه نابسًا بهدوء: «لأنك مستفز، كما أن درجتي مكتملة.»
ثم أخذ يرفع حاجبيه باستفزاز صريح، فانفجر الزملاء عليهم ضحكًا، وعلموا أن ما هذه المناكفة إلا بداية شجارٍ زائف، وأن الفعالية من بين المحاضرتين على مشارف البدء. وقف جون يخلع وشاحه الرمادي مُلقيًا إيّاه على كرسيّه، وأشار بكفّيه صوب عمر ليتقدم منه: «انهض لنثبت من الأقوى انهض، أيها الجبّان، قطّة الجيران المذعورة أشجع منك.»
حين حدث ما كان الزملاء بانتظاره نهض الشبّان ليجلسوا على اليمين بجوار بعضهم متأهبين، بينما الفتيات كُنّ يتبادلن النظرات بينهن بابتساماتٍ تنذر بمعرفتهن لما سيحصل، ثم نهضن جميعًا وخرجن من القاعةِ للفسحة. 
كانت جوليا تبتسم، ثم قالت: «قلبي يحدّثني أن عمر سيفوز، أليسَ كذلك يا مسك؟»
لكن مسك همهمت نفيًا: «أشعر أن جون سيتفوّق.»
نظرت جوليا بحيرةٍ فضحكت مسك بهدوءٍ مستطردةً: «ماذا؟! إنّه شعوري!»
بمجرد خروجهن أمسك عمر بياقةِ معطفه الثقيل ونفضها، مبتسمًا بجانبية: «جون صدقني! أنا أعطيكَ فرصة العمر لتنسحب قبل أن يكللك الندم.»
شخر جون ساخرًا: «أتظنني سأخذل ذاك الحشد الضخم الذي يشجعني، لم تحزر، لم ينجب أمي وأبي جون لينسحب.»
خلع عُمر معطفه الثقيل ليكشف عن جارزته الصوفية، ثم قال تزامنًا مع رفع كمّيه: «ستخسر، يا جبان.»
ضحك جون بعلو صوته: «أنتَ حتى لست مستعدًا فأنا خلعت معطفي منذ مدةٍ أنتظر منك التحرك.»
أشار الزملاء حيث يقف المحاضرين على الدوام، فتوجها هناك ولم يلبثا أن انقضّا على بعضهما البعض في مصارعةٍ ودّيةٍ بعد الإشارة، كان الشبّان يشجعون بحرارةٍ وهتافاتٍ جهورية. كل ذاك التشجيع كان كفيلًا لتستوقد نيران الحماسِ في القلوب، فبدا وكأنهم يأخذون الوضع بجديةٍ تامة. الصراخ بدأ يعلو ويعلو والمباراة تأخذ منحنًى أقوى وأشد، فيتبادل الاثنان كلماتٍ مستفزة فيما بينهما وسط ضحكاتهما.
لكن! الفرحة لم تتم، إذ ولج عدة محاضرين إلى القاعة ظنًا منهم أن ما يحدث هو عين الحقيقة، ولم يدركوا أنّها مجرد مزحةٍ تعتاد عليها هذه الدفعة تحديدًا، توقف جميع الزملاء عن الهتاف، وسارع كل منهم باتخاذ مجلسه، بينما عُمر وجون لا يزالان على حالهما، فلم يدركا حتّى هذا الحين أن المُحاضرين يقفون عند الباب، يراقبون بصمتٍ وصدمة، يتوعّدون لهما إثر هذا التسيّب المرفوض.
رفع جون بينما لا يزال ممسكًا بوسط عمر ليلقيهِ أرضًا، ثم ضحك بهدوء: «ما بكم لمَ توقفتم عن التشجيع يا رجال؟ هل مللتم بهذه السرعة؟ فقط راقبوني وأنا أدهس هذه الحشرة بسهولة.»
ضحك عمر عاليًا وتمسك برقبةِ جون ليثبّته، ثم ألقى نظرةً صوب زملائِه وهو يشير بكفّه الأيسر عاليًا: «أجل، هيا هيا هلمّوا، فسوف تشهدون على خاتمةٍ لم تروها قبلًا، حين يغدو هذا الضعيف طريح الأرض خلال هنيهة.»
كان جواد يرفع حاجبيه تباعًا بينما يفتح عينيه على مصرعيهما، لعلّهما يرصدان إشارته لكن لا نتيجةً تُذكر، فتنهد المسكين وقد صفع جبينه برفقٍ وكأنّه علم ما سيحدث الآن. تجمد كليهما وتسمّرا على وضعيتهما تلك حين سمعا صوت تصفيقٍ يصدر من جهةِ الباب، تركا بعضهما بتلكؤٍ، والتفتا ببطءٍ شديد لينقّبا عن المشهد الكائن، فاقشعرت أجسادهما عندما رأيا المُحاضرين، بل ومدير الكلية قد انضم للمجموعةِ؛ يقفون عند الباب يحدقون فيهم بحنقٍ عارم. 
توتر عُمر مزدردًا ريقه، وجون عدّل ياقته  ثم تحمحم بتوتر محاولًا التبرير: «دعوني أوضح لكم، ما حدث لم يكن شجارًا، إنّنا كنّا نقوم ببعض الأجـو...»
لكنّ حظّه لم يكن وفيرًا، إذ قام مدير الكليةِ ببتر قوله بصراخٍ دوّى في الأرجاء، فارتجت الجدران: «أتظنان الكلية مهزلةً لتتشاجرا فيها، لستما في المرحلةِ الإعدادية لتتصرفا بمثل هذه الرعونة. إلى مكتبي وحالًا.»
ضمّ عمر بنان أنامل كفّه الأيمن مبتسمًا ببهوت، ثم نطق بهدوءٍ: «سيد جميل، دعنا نوضّحُ لكَ حقيقةَ ما...»
صرخ به جميل مشيرًا صوب الباب على امتداد ذراعه: «قلت، إلى مكتبي.»
أطرق جون رأسه بغضبٍ طفيف، يناظر رفيقه هامسًا: «كيف سنقنعه أننا كنا نمزح؟ أنّى له أن يصدقنا؟»
همس له الآخر رافعًا كتفيه بحيرةٍ: «لستُ أدري، إنه عصبي ولن يعطينا فرصةً لتبرير الموقف، سوف يَقضي علينا.»
حين أشار لهما مرةً أخرى، أذعنا لأمره وسارا خلفه متجهين إلى المكتب، لكنّهما كانا يعلمان أن الأمر سيمرّ مرّ الكرام حين يدرك ألا مشاكل بينهما، لكنّ ذلك لم يكن ليخفف وطأة أن ما جرى كان غير لائقًا بحرمة المكان، ويضطران بعد ذلك للاستماع لموعظةٍ قد تطول لأكثر من أربعين دقيقة كما يجري الحال دومًا.
بينما في تلك القاعة، ولج محاضرين: إسماعيل، وإيهاب، يرنون صوب الطلاب بعينٍ لوّامة، فلقد فهموا ما جرى كما فهمه جميل، إذ ظنّوا الحدث استهتارًا بقوانين الكليةِ السائدةِ، وعدم إظهار الاحترام الكافي، وأن ما فعلوه كان طيشًا حين تعالت هتافاتهم بصدد مفاقمة المشكلةِ عوضًا عن حلّها، ولم يعلموا أن الأمر برمّته محض سوء فهم.
نظر لهم اسماعيل بخيبةٍ نافيًا: «علامَ تهتفون؟ على شجارٍ قائمٍ عوضًا عن فضّه؟ هل جننتم؟» عدّل نظارته الطبية «كنتم خير مثالٍ لهذه الكليةِ بل ونعاير الأفواج الجديدةَ المفتقرةَ للقيم بكم، فتقدّمون لنا استشهادًا مغايرًا على طبقٍ من ذهب؟»
وضع إيهاب كفيه خلف ظهره مطرقًا رأسه مقهقهًا: «تريّث قليلًا...» نظر صوب الطلاب «في موقفٍ كهذا عليكم أن تفصلوهما، وتفضّوا النزاع، لا أن تهتفوا بعلو أصواتكم تأييدًا لما يحدث بزهوٍ همجي.»
رفع سامر يده نابسًا بتهذيبٍ يليق بمعلّم: «اعذرني يا سيد إيهاب.»
أومأ له مفسحًا له المجال للتبرير: «تفضل.»
«لم يكن شجارًا حقيقيًا، لقد كان محض مزاح، والمصارعة برمّتها كانت وديّة فلم يؤذيا بعضهما البعض، ولو كان أحدنا التمس جديّة الموقف لم تكن لترانا نشجّع ما حدث ونصرخ كالبلهاء، بل لم نكن لنتكتّف دون فعل شيء، فنحن في هذا الفصل لسنا رجالًا حقيقيين من فراغ.»
نظر الزملاء صوب سامر إعجابًا وأخذوا يصفقون له، فتنحنح سامر معدلًا ياقته مشيرًا بكفّه: «شكرًا يا رفاق، شكرًا لكم.»
لكزه جواد: «أحسنت يا صديقي.»
تنهد إسماعيل بقلة حيلة، وخرج من القاعة دون أن ينبس ببنت شفة، لقد شعر وكأنه على مشارف الجنون، إنّها دفعة تتصرّف بطيشٍ مما لا لبس فيه، بينما إيهاب ضحك بهدوءٍ مشيرًا لهم خارج القاعة: «موعد الفسحةِ قد حان، تناولوا غداءكم وأنا سأخبر السيد جميل بحقيقةِ ما جرى، يبدو أنّ الغضب أعمى بصيرته، أشعر وكأنّي أسمع صراخه بلغ قاعتكم.»
ثم اختتم قوله بغمزةٍ أضحكت الجميع، فلديه حس دعابةٍ ويتعامل معهم بودٍ أكثر من غيره. نهضوا عن مجالسهم وخرجوا بعده من القاعةِ متّجهين إلى مطعم الكلية، وكما العادة دومًا، تجلس مسك وجوليا حول منضدةٍ صغيرةٍ لتتناولا الغداء بهدوء. 
أخرجت مسك علبةً من ورق العنب: «لقد أعدّتها أمي قبيل صلاة المغرب، فوضعت القليل في علبتي لأحضرتها معي اليوم، أعلم كم تحبّينها.»
نكّست جوليا رأسها ضاحكةً ثم أخرجت علبةً بدورها تكشف عن حلوى الشوكولاتة التي تعدّها أمّها دومًا: «ولقد أحضرتُ لكِ هذه، يبدو أن القلوب تشعر أكثر مما نظن.»
لم تلبث كلتاهما بضع ثوانٍ حتّى تقدّمت منهما سوسن وقد بترت الأجواء بقولها: «كيف الحال؟»
نظرت لها جوليا لوهلةٍ ولم تعقّب على قولها، بينما أجابتها مسك: «أرجوكِ دعينا وشأننا، نحن لا نرغب بالمشاكل، ونودّ لو ننعم بالغداء.»
أومأت جوليا مؤيدةً قول رفيقتها: «ما حدث البارحة كان كفيلًا لننال كفايتنا، ونحن لا نرغب بخوض شجارٍ آخر معكِ.»
تنهدت سوسن بندمٍ لم ترصده كلتاهما، ثم قالت: «لكن هذا ليس سبب...»
قاطعتها جوليا: «نظن أن كلامنا واضح.»
حاولت سوسن تبرير موقفها، وقد تمسّكت بذلك أكثر قليلًا: «لكنكما لا تستمعان لي البتّة.»
قلبت مسك مقلتيها فلقد ظنّتها تحاول إلحاق الضرر بهما مجددًا: «ولا نريد ذلك.»
ساور الحزن سوسن، التي لم تقدر على الضغط عليهما أكثر، فرفضهما كان قاطعًا، تركتهما وذهبت لتجلس حول إحدى المناضد المجاورة، وقد وضعت طعامها أمامها تراقبه دون أن تباشر بالأكل. رآها شقيقها عُمر الذي أتى لتوّه مع جون من مكتب المدير، أطرق رأسه مبتسمًا بهدوءٍ فقد أدرك ما حدث من خلال معالم شقيقته، وأدرك أن الفرصة لم تتسنَّ لها لتعتذر على ما بدر منها.
توجه نحو مسك وجوليا ليس بصدد التدخل، وإنّما بصدد ترك أثرٍ حسن. بقي على بعد خطواتٍ دون النظر لهن، ثم قال دون مقدّمات: «أرجو أن تكونَ قد اعتذرت.»
ثم أومأ بحياءٍ مغادرًا إياهما دون قول كلمةٍ أخرى أو الإطالة في الحديث، اكتفى بذلك وتمنّى لو أن ذلك كان كفيلًا لتدركا مقصده. استغربت كلتاهما وتبادلتا نظرات الحيرة، وبدتا لوهلةٍ كأنّهما فهمتا قوله المقتضب السريع.
تساءلت جوليا: «اعتذرت؟»
ابتسمت مسك ابتسامة صفراء تنم عن ندمٍ شديد، تراقب طعامها بشرود، وأصابها الندم للحظة: «هل أتت من أجل ذلك؟»
ازدردت جوليا ريقها، وقالت لها: «يبدو أننا فهمناها بشكلٍ خاطئ منذ دقيقتين.»
وضعت مسك كفّها على وجنتها: «هل أخطأنا؟»
نظرت لها جوليا بغضبٍ طفيف: «وتسألين أيضًا؟»
كمشت شفتيها بضياع: «لم أظن أنّها أتت لتعتذر، ظننتها على وشك بخ سمّها.»
وضعت جوليا كفها على جبينها: «يا إلهي لقد اقترفنا خطأً كبيرًا.»
أومأت مسك وأشارت لها: «انهضي، انهضي لنعتذر منها بدورنا، لا شكّ أنّنا ظلمناها.»
نهضت كلتاهما وتوجهتا إلى حيث منضدتها بابتسامةٍ هادئة، واستأذنتا للجلوس فأومأت لهما بلطفٍ، وعُمر يراقب أخته بابتسامةٍ وصمت وهو فرحٌ أنّها أقدمَت على خطوةٍ من شأنها أن تجعل منها إنسانةً أخرى لا تحمل قلبها أحقادًا.
نبست مسك بهدوء: «نحن لم نقصد ما حدث، نرجو ألا تؤاخذينا، لكنّنا ظنناكِ جئتِ لتضايقينا كما دومًا.»
ربتت جوليا على كتفها: «لقد فهمناكِ بشكلٍ خاطئ ولم نعلم أنكِ أتيتِ للاعتذار، ونحن نعترف أننا من أخطأ بحقكِ هذه المرة.»
ابتسمت سوسن بلطف وقالت: «وأنا آسفةٌ أيضًا، لكن لطالما أحببت ما أنتما عليه من بعيد، ولستُ أدري ما أقدمتُ عليه، أكان محاولةً لنصبح صديقات أم ماذا، اعذراني.»
ابتسمت مسك ونظرت لجوليا التي كانت تبتسم باتساع بدورها، ثم قالت: «لو كنّا نعلم، لضممناكِ إلينا وتجنّبنا معاناة تلك الأعوام.»
فتحت سوسن ذراعيها وعانقتهما بحبٍ: «سامحتماني أليسَ كذلك؟»
ثم فصلته لتجد إحداهما تومئ بابتسامةٍ وقورة والأخرى تهمهم لها بهدوء.
وإن كنّا لندّكر، علينا الإدراك أن الاعتذار ليس ضعفًا كما يدّعي المعظم، بل إنّها لسمة عظيمةٌ يتحلّى بها المرء، وشجاعة لا يستطيع كل شخص الإقدام عليها. كم يكون المرء محض إعجابٍ حين يعترف بهفوتِهِ وخطيئته تجاه الآخرين، كم جرحًا سيبرأ هذا الاعتذار الصغير، وكم كسرًا سيرمّم. 
يعتبره المرء بسيطًا لكن لأثره دمغة لا تزول بسهولة، عليه أن يبادر بالاعتذار دون ترددٍ، وعدم المكابرة خوفًا من أن تمرّ الأيّام تباعًا؛ فيرى من جرحه قد رحل دون وداع، أو تصفية قلوبٍ من الأحقاد والضغائن.
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.