وضع القراءة:

|2| أطلق العنان.

المناخ يرتدي حلّة الشتاء، الأمطار الخفيفة تدقّ النوافذ برفقٍ، وخيوط البرقِ تُضيء من بين جمع الغمامِ الأسود المتكوّم، وصوت رعدٍ بالكاد يكون مسموعًا يتخلل مسامع البعض في تلك الكليةِ الرحيبة، إذ أن الصمت انقشع فحان موعد الفسحة، وكل مجموعة رفاقٍ يتّخذون منضدةً لتناول الغداء سويًا، فيتجاذبون أطراف الحديث، ويغضّون الطرف عن الدراسةَ قليلًا لعلّ وطأة الضغط المتكدّس تغدو أخف على أذهانهم.
تتواجد مسك في مطعم الكلّية، تتخذ لها مجلسًا على إحدى المناضد الصغيرة، الطعام أمامها لكنّها لم تُقدِم على تناول شيءٍ، هي تنتظر قدوم جوليا التي ذهبت إلى الحمام لغسل وجهها فلقد نامت في الدقائق الأخيرة من المُحاضرةِ المنقضية وتلقّت توبيخًا صارمًا من المُحاضر الذي حذّرها من اقتراف هذه الخطيئة في قاعته مجددًا.
ربما بالغ بوصف نومها بالخطيئة إلّا أن تكرارها للأمر أفقده صوابه، فلم يلبث أن رمقها بحنقٍ وقد استحدّت نبرته مشيرًا لها إزاء الباب لغسل وجهها واستعادة صفو ذهنها. أذعنت لأمره دون مواربة أو محاولة في التحاذق، اكتفت في الخروج من القاعة وقد أطلقت العنان لوابل من التذمّر والتبرّم اللذان توجّست من الإفصاح عنهما أمامه، فهي لا ترغب بنيل حرمانٍ أو درجةٍ مُتدنّية، بالأخص أنّ الجميع يدرك تمامًا خطورة اللعب بالنار مع هذا المحاضِرِ على وجه الخصوص.
شخصيته الصارمةٌ تواري الكثير من الغضب، فلا أحد يجرؤ على التلفّت أمامه أو حتّى النطق بأي كلمةٍ مهما كانت بسيطة، إذ تتحوّل معه لحكمٍ بالإعدام فيما بعد، وفي حِرم قاعته على الجميع صبّ تركيزهم عليه، وعدم التفّظ بكلمةٍ تجعلهم في عِداد الموتى. لقد مرّت عدّة سنواتٍ وباتوا يدركون مدى قسوته، فأخذوا يحذّرون الأفواج الجديدة من التمادي معه، فحتّى الذين بلغوا من التمرّد مبلغًا عارمًا، يوجلون من التنفّس أمامه بصوتٍ مسموع.
الرحمة محذوفة من قاموس كلماته.
رغم أن ما فعلته لم يكن يبتغي ذاك الغضب، إلا أنّها رغبت لو تطلق العنان لرقصاتها المكنونة، فلم يُبدِ ردّة فعلٍ تُذكر كما هي العادة دائمًا، وتوقّف الأمر عند توبيخ مستساغ من قبل شخصٍ مثله. 
كانت مسك لا تزال على حالها تنتظر بزوغ ظلّ صديقتها من العدم، لقد تأخّرت ولم تظهر بعد، تنهّدت حين طال الانتظار فأخرجت روايةً بحوزتها لتستكمل قراءة الفصل الذي طفقت تقرؤه ليلةَ أمس. كانت روايةً تاريخية تتحدّث عن اندلاع الحروب وكيفيّة الحدّ من أضرارها الجسيمة، وعن استراتيجيات المحاربين في دسّ الكمائن في الطرق المحفوفةِ بالأخطار.
نزعت فاصل الكتاب ووضعته جانبًا، وبدأت عيناها تقرئان المكتوب بتركيزٍ وإمعان، لكن لحظةَ السكونِ تلك لم تستمر، فلقد باغتها وقوف شخصٍ أمامها لم تُلقِ له بالًا، ولم يلبث أن سحب الكتاب على حين غرةٍ من بين أناملها دون هوادةٍ مما أجفلها. لم تُظهر ردّةَ فعلٍ تُذكر، اكتفت بشخص أبصارها صوب إزاء الفاعل وكأنّها علمت من يكون، وحين تبيّنت صورته ضحكت بتهكمٍ مع قلب مقلتيها بضجرٍ بيّن.
نبست بحدّة: «لمن المتوقع أن يكون أنتِ، سوسن!»
حدّقت سوسن في الرواية، تنظر للغلاف الأمامي تارةً وللخلفي تارةً أخرى بازدراءٍ ظهر جليًا، مرّرت سبّابتها على اسم الكاتب بينما تتشدّق، ثم ضحكت بغير تصديق: «من ذا الذي تقرئين له؟ بربّك من يهتمّ بمثل السخافةِ التي يكتبها؟ لقد ولّى عَصره.»
اصطكت أسنان مسك بغيظٍ فهي ما عادت تقدر على تقبّل هذه الزميلة أكثر من ذلك، نهضت عن مضجعها تمدّ كفّها، وقالت بحزم: «كاتب مخضرمٌ أثبت نجاحه، وهو ليس بحاجةٍ لتقييم أمثالك لينال رفعةً أو هبوطًا، والآن أعيديه لي.»
أعادت سوسن ذراعها للخلف نابسةً بلؤمٍ أغاظ الأخرى: «لم تحزري أبدًا إن كنتِ تريدينه فعليكِ التوسل، وحينها فقط أفكّر في إعادتها لكِ.»
رفعت الأخرى حاجبها مبتسمةً بمراوغة، ثم كتّفت ذراعيها بثقة: «إياك وأن تساهمي في اضطرام نيران غضبي يا سوسن، لأنه لن يعجبكِ.» ضحكت بجانبية «صدقيني فلستُ أغشّكِ.»
تظاهرت الأخرى بالارتجاف وأشارت لكتفيها: «يا إلهي! أنا أرتجف! أُنظري لجسدي المُرتعد.»
كانت مسك أشد الحرص على عدم التمثّل بالعدائيةِ والشراسة، إلا أن أسلوب سوسن لا يُسعفها على ذلك، فلطالما كانت تتصرّف بمثل هذا الأسلوب المتدنّي معها ومع جوليا، وهما تحاولان اختزال المشكلات، وكلّما حاولتا الانصراف عنها تصرّ على ثبات موقفها المستفز. لكنّها سبق وتعهّدت على نفسها، إن لم تلزم الأخرى حدودها ولم يُجدِ اللطف نفعًا فسترمي بكل رفقها ولينها جانبًا، وتطلق العنان لوحشها المكنون، والذي قد يشن هجومًا وحربًا ضاريةً لا تزول.
شدّت مسك على قبضتيها، توشك على التقدّم من الأخرى، إلا أن صوتًا حادًا بتر ما كانَ قائمًا: «توقفي عندك.»
ابتسمت مسك بتلقائيةٍ حين أدركت ما سيحدث بعد برهةٍ، ثم نطقت بصوتٍ خافت: «جوليا!»
كانت جوليا قد وصلت لتوّها، وكأنّها استشعرت حدوث ذلك، لم تلبث أن تقدّمت بغضبٍ عارم بخطًى آنية، وأشارت بكفّها صوب سوسن، وهمّت برفع وتيرة صوتها: «ألن تتعلمي أبدًا يا أنتِ؟ ألن تكّفي عن اكتناز مساوئ هذا الكون وإيداعها في جعبتك؟»
ضحكت سوسن بسخرية ثم كتّفت ذراعيها، ترفع حاجبيها بتلكّؤ: «كلّا لن أفعل.»
رفعت جوليا حاجبيها بابتسامةِ وعيد: «إذن سأُعلمكِ بنفسي وسأشرف عليه شخصيًا.»
ثم أمسك ياقتها بعنف وهمست لها حانقةً: «أنا أصبر عليكِ منذ ثلاث سنوات في هذه الكلية وبالكاد أحتملك، لكن صدقيني إن تطايرت نيران غضبي لن يروق لك الأمر وسأجعلكِ عبرةً لكل من فيها.»
دفعتها سوسن عنها والخبث اعترى معالمها، ورواية مسك باتت طريحة الأرض: «على الأقل لستُ من ينامُ في محاضرات المُحاضر مدحت وألقى توبيخًا كلّما سنحت لي الفرصة.»
التقطت مسك روايتها ووضعتها على المنضدةِ، ثم التفتت نحو جوليا التي أوشكت على التقدّم لإتمام ما بدأته فسارعت بإمساك ذراعها قبل أن تفعل: «لا جوليا، دعيكِ منها ولا تستمعي لقولها، إنّها تحاول استفزازك.» نظرت لسوسن «سوسن، إياكِ والعبث معي أو معها لأنّكِ سترين شيئًا لن يسرك البتة.»
  تنهّدت جوليا وانصاعت لطلب مسك، وتركتا النقاش برمّته، ثم جلستا إلى جوار بعضهما البعض لتناول طعام الغداء قبل انقضاء الفسحة. لم تسنح لهما الفرصة للجلوس بعد، وإذ هما تشعران بشيءٍ لزجٍ يُسكَبُ فوقهما بسلاسةٍ وقد لطّخ ثيابهما. لكنّ المصيبةَ كانت بما سُكِب.
نهضت مسك تنظر لملابسها وملابس جوليا، كزّت على أسنانها مرةً أخرى وهمست بغيظ: «سلطة الأفوكادو! هل جننتِ؟» نظرت لها «للصبر حدودٍ فكفّي عن اختبارنا.»
ولم تلبث أن دفعتها لتسقط أرضًا بغير قصد، ومن ثم استلمت جوليا الأمر عنها وجثت على ركبتها اليمنى أمامها، ثم قالت وهي ترفع سبّابتها بتهديد: «انظري ما حلّ بكِ إثر رعونتكِ ونزقك، لذا أوقفي الأمر عند هذا الحد ولا تقحمي المشافي في مشكلاتنا.»
أُصيبت سوسن بالذعر أخيرًا، وكأنها استشعرت خطورة ما فعلته: «حسنًا فقط ابتعدي عني أيتها المتوحشة.»
ثم حاولت دفعها، لكن جوليا نهضت عن الأرض، ونفضت عن نفسها غبارًا وهميًا متمتمةً بضيق: «هذا ما كان ينقصني، بعض العقول الصغيرة.»
جفلت جوليا حين سمعت صوت شابٍ مألوفٍ يتخلل مسامعها: «ما الذي يجري هنا؟ سوسن! هل أنتِ بخير؟ لمَ أنتِ ملقاة على الأرض هكذا؟»
رفعت مسك حاجبيها بوجلٍ طفيفٍ متراجعةً للخلفِ ولم تدرِ ما تقول.
قطبت جوليا جبينها وأشارت له أن يتراجع: «عُمر، ابقى خارج الموضوع فهي مسألة تخص الفتيات، لا تقحم نفسك بها.»
التقط عمر نفسًا عميقًا، فنواياهُ لم تكن إقحام نفسه في هذا الشجار، فقط أراد الاطمئنان على طريحة الأرض أمام الجميع في المطعم، ومروءته لم تسمح له أن تكون هي في ذاك المشهد أمام الشبّان. 
هرع صوبها مهرولًا ولم يلبث أن صرخ حانقًا: «لماذا تنظرون لها؟ غضّوا أبصاركم يا حثالة!»
حنى جذعه وسحبها لكي تستقيم، وحين فغر شفتيه للتحدّث سمع جوليا تقول للأخرى: «لن تتجرأ على إخباره بأفعالها وسوف تبدأ بإلقاء اللوم علينا.»
تنهد عمر بتبرّم فلقد ضاق ذرعًا من كل ما يحدث، دلّك ما بين حاجبيه دون أن يعقّب، فهو بالكاد يحتمل هذه الكلية بمن فيها، ولم يرغب أن يخوض معهما حديثًا طويلًا أو نقاشًا من الأساس، ولم يرغب أن يتحدّث طويلًا مع فتاةٍ دون أدنى داعٍ لذلك، هو بالكاد يتحدّث معهن عند الضرورة.
أجابتها مسك بنبرةٍ ساخرة خفيضة: «لا تقلقي، سوف تحاول بخّ سمّها لتغسل دماغه، إنّه شقيقها في نهاية المطاف.»
شخر عمر بتهكّم ولم يصدّق ما قالتاه. قلب مقلتيه بضجر هامسًا مع نفسه: «وهل تحدّثتُ بشيءٍ يخصّك أو يخصّها لتنفعلا كالمجنونتين؟ لوثةٌ أصابت عقليكما، مما لا لبس فيه.»
ثم نظر لشقيقته مبتسمًا: «إلّا إن كانتا فعلًا على خطأ وترغبان بوضع نفسيهما موضع براءة.»
اغتاظت جوليا ولم تلبث أن وبخته بشدّة: «برأيي قم بسؤالها عمّ حدث وكف عن إلقاء اللوم علينا، إن شقيقتكَ تقوم على الدوام بإيذائنا وإلقاء كلماتها اللاذعة على مسامعنا، وما حدث أنّها أخذت رواية مسك ورفضت إعادتها فقط إرضاءً لغرورها، ولستُ أفتري على أحد.»
ثم التفتت صوب المنضدةِ لتأخذ أغراضها، فقالت مسك له بصوت خفيض حيِيّ دون النظر له: «أعلم أنّك إنسانٌ تقيٌ تخاف الله. أتمنّى لو تستفسر منها عن أفعالها معنا دومًا.»
ثم التقطت أغراضها بدورها ولحقت جوليا لتخرجا من المطعم بالكامل. بينما هو كان ينظر للأرض يستمع لخطواتهما تخرج من المكان حتّى تبدّد وهو يفكّر في كلامهما. أمعن النظر في التفاصيل حوله حتّى باد مقتنعًا أن الخطأ يقع على عاتق شقيقته، لكنّه لم يعقّب فلم يرغب بمناقشة هذا الشأن في الكليّةِ وفضّل إسراره حتّى يعودا إلى المنزل.
بعد عدة ساعات كان قد عاد الجميع إلى البيت بعد أن انتهى الدوام، وكان عمر برفقة شقيقته، كان صامتًا بشكلٍ مريبٍ يفكّر فيما حدث. ولجا المنزل بهدوءٍ، ولم يلبث أن نظر صوبها بريبةٍ فكلمات مسك ترنّ في أذنيه كالجرس، وكل التفاصيل تشير خطأ سوسن، جلس على الكنبةِ وأشار لها بكفّه أن تجلس إلى جواره، فامتثلت لطلبه بابتسامة.
«ماذا هناك؟ يبدو أن في حوزتك سؤالًا.»
حنى جذعه، يتكئ بمرفقيه على ساقيه، ثم صغّر عينيه متسائلًا: «أنا لم أرَ ما حدث بينكن منذ البداية، ولم أظهر انحيازي لأحد الأطراف فأنتِ تدركين أنّي لا أقحم نفسي في مشكلاتكن، لكنّ لا أحب الظلم ولا أسكت عنه، لذا وبدون مواربة، أخبريني ما حدث بالفعل.»
اعترى التوتر على معالمها وخرجت نبرتها متلعثمة تفضح كذبها: «هما من تهجمتا عليّ.. وقامتا بضربي.»
عقد عمر حاجبيه باستغراب: «هكذا! دون أي سببٍ مقنع؟ حدّثي العَقلَ بما يُعقَل.»
تظاهرت بالدهشةِ وقد حاولت إثارة استعطافه معها، ثم أشارت إزاء نفسها: «أتصدق تلك الفتاتين عوضًا عن أختك؟»
كتّف عمر ذراعيه وقد ارتسمت نظرة جدية على عينيه: «سوسن! في ديننا الحق حق، ولا علاقة لصلة القرابة بالأمر، دعينا لا نتعدّى هذا الحد.»
عم الصمت قليلًا حتى تبينت الصورة لعمر أكثر، واستذكر شيئًا في مشهد مغادرتهن كان قد غفل عنه، فنبس منفعلًا: «كانتا ملطختين بسلطة الأفوكادو، فهل هذه صدفة؟ لا تحاولي خداعي.»
تداركت سوسن نفسها، وأدركت أن أمرها افتضح لا محالة، فتنهدت بثقلٍ قائلةً: «حسنًا أعترف، أنا من تهجمت عليهما أولًا وما قالته جوليا صحيح، فأنا سحبت رواية مسك منها، ولم أردّها لها، وألقيت عليها بعض الكلمات، وحين اختصرتا المشكلة اغتظت لعدم بلوغي لمرادي فسكبت السلطة عليهما. ما قامتا به كان ردًا لاعتبارهما.»
كمش عُمر شفتيه بنوعٍ من عدم الرضا: «أتدركين أن ما فعلتهِ كان خاطئًا رغم أن ضربهما لكِ كان خاطئًا بدوره كذلك، لكنّ لكل فعلٍ عاقبة وعليكِ تحمّلها، كما أن ما قمتِ به لا يتماشى مع تربية أبي وأمي لنا، إنّنا نعيش في كنفٍ متديّن، ولم يسبق لأحدنا أن تنمّر على فردٍ ظلمًا، أو أذى أحدًا، أو كان سببًا لينفضّ الناس من حوله.»
تنهدت سوسن بندمٍ وقد تراءت لها خيبة والديها إن علما بالأمر: «أجل أعلم.»
«أنتِ لا تدرين ما حلّ بي وبغيرتي حين رأيتكِ على الأرض أمام الجميع. قلبي احترق يا سوسن.»
صرفت سوسن بصرها بحرج: «لم أتوقّع حدوث كل ذلك.»
«إذن تعرفين جيدًا ما يتوجّب عليكِ فعله غدًا.»
أومأت له دون تردد: «سأعتذرُ منهما.»
عانقها عمر كتفيها بذراعه، ثم نكش شعرها بكفّه نابسًا: «هذه أختي التي أعرفها.»
لكمت كتفه بغيظٍ فهي تكره أن يفعل ذلك بشعرها: «عمر كُفّ عن إفساده كلّما رأيته.»
نظر للأعلى متظاهرًا بالبراءة: «هو قبيح بطبيعة الحال فلا تشغلي بالك.»
أخذ يضحك بشدة فالتقطت أقرب وسادة منها، ورمتها على وجهه، فنظر لها بخبثٍ ناطقًا: «أنتِ من بدأ لذا ستندمين، ولا تذهبي لأبي باكية.»
وهنا بدأت معركة الوسائد بينهما. لطالما كان عمر مخزن أسرار شقيقتهن وسندًا لها، إنّه على قدرٍ من التديّن، بشخصيته الهادئة الوقورة، ويقدّم نصائحًا لكل من يطلب مشورته. شابٌ ذكي يُعدّ مرجعًا دراسيًا لزملائِه، بل ويقوم في الكثير من الأحيان بتقديم يد العون لمن يواجه صعوبة في فهم موضوعٍ ما، وذلك عن الشرح للجميع في القاعةِ الفارغةِ أو تقديم ملخصات مبسّطة تمكنهن من التقاط المعلومات.
على حين غرّة، فُتِحَ باب الصالةِ بعنفٍ وقد كانت سائدة، والدتهما. تقف هناك بمعالمها الغاضبةِ، تحكم الإمساك بخصرها بكفّها الأيسر، وتحمل مغرفة الحساء بكفّها الأيمن، تطرق قدمها على الأرض تباعًا تنمّ عن صبرها المسلوب.
لم تلبث أن قالت: «أتدركان أنكما ما عدتما في المدرسةِ، وأنّكما لم تعودا طفلين؟»
صغّر عمر عينيه متأهبًا، ثم نطق كقائدٍ يلقي أمرًا لجنوده وهو يشير صوب والدته: «أيها الجندي، هناك دخيل.»
نظرت سوسن له بحدة مصطنعة: «أراه يا سيدي.»
ثم حملا الوسائد وهما يقتربان من والدتهما، فرفعت كفّها بتهديد: «إن تجرأتما فقط، سأخبر والدكما بأن يحرمكما من مصروف الكلية.»
نظر كل من سوسن وعمر لبعضهما البعض، رفعا كتفيهما بلا مبالاة، ونبسا بصوتٍ واحد: «أيًا يَكُن.»
وعلى الفور شنّا هجومًا ليّنًا بالوسائد، فبادلتهما بسحب وسادة من يد عمر وردّت لهما ضرباتٍ أكثر. لقد ألفوا أن يفعلوا ذلك على الدوام، إنّهم عائلة كاليد الواحدة، لا ينتصر أحد عليهم، حتّى وإن أظهروا البرود وبعض القسوة خارج جدران المنزل، فتظلّ قلوبهم رقيقة مهما ادّعت الجديّة.
هناك أشخاصٌ يكونون من الداخل ألطفَ بكثير مما نظن، وآخرون أسوأ مما تبدو عليه ملامحهم الأولى. الفارق بين الاثنين بسيط،  فالأوّل لم تُتح له الفرصة ليظهر جوهره، والثاني يدفن سوءَه داخل قوقعةٍ مُحكمة لا يسمح لأحدٍ التنقيب عنها.
أطلق العنان لروحك النقيّة، أظهرها لمن حولك، دعهم يرونك كما أنت، كما خُلِقت، لا كما يتخيّلون أو كما زيّفتَ عن نفسك. لا تترك الانطباعات السلبية عنك تكبر في غيابك؛ ففي النهاية ستجد نفسك مجروحًا بأحكامٍ خاطئة، أحكام كنتَ سبب شيوعها الأساسي، وكان لكِ يدٌ في تركها تتناقل بين الألسنة، لأنك لم تقُل للناس عن حقيقتك، ولم تعطِ نفسك مجالًا لتطلق العنان.
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.