أحببتُ قسّيسًا
أحببتُ قسّيسًا
جزء 10 من 10
وضع القراءة:

|10| في خِضَمِ الهُطول.

انقضى اليوم الدراسي، وخرج الطلّاب من هناك يراقبون العاصفة الهوجاء والرياح العاتية التي تؤرجح الأغصان، البرق يضيء السماء مشكلًا خلفه خطوطًا من الكهرباء، ليليه هزيم الرعد الذي يسبّح بحمد الله. 
استقلت مسك الحافلة منذ مدّة، كانت تجلس في مقعدٍ لوحدها، لقد تغيّبت جوليا اليوم. رفعت رأسها لتجد سوسن مبتسمةً لها، ثم جلست إلى جوارها. العلاقة بينهما أصبحت أكثر من مجرّد زمالة، إنّهن صديقات الآن.
تنهّدت مسك تفكّر في أمرٍ هام، لتشعر الأخرى بذلك وتسألها: «ما بكِ يا مسك أهناكَ ما يحيرك؟»
عدّت مسك جلستها مشيرةً للخارج: «لم أعلم أن اليوم ستمطر، ولم أحضر مظلّتي، فطريقي إلى الحي يلزمه سيرًا طويلًا. كان بإمكاني الطلب من أبي أو أخي أن يقلّاني لكنّهما في العمل، وأمّي لا تقود.»
كان عمر يجلس على المقعد المجاور لسوسن وسمع ما قيل لكنّه لم يعقّب، فقط نظر لشقيقته التي انتبهت له وفهمت ما يرمي إليه بالنظرات. ابتسمت ومدذت مظلّتها لمسك: «خذي مظلتي وعودي بها.»
تشبّعت وجنتي مسك بالحمرة الطبيعية، فهي لم تقصد ذلك، كانت فقط تبوح بما يؤرّقها نظرًا لاستفسار الأخرى، وليس لاستعارة مظلّة. نفت برأسها هامسةً بحياء: «أنا، لم أعني ذلك.»
ابتسمت سوسن باتساع فحياء صديقتها مثيرٌ للإعجاب. ربّتت على كتفها برفقٍ: «لا بأس، فمع وعمر مظلّتين، سأحتمي معه في مظلّته.» لكزتها «لا داعي للتكلّف معي.»
أمسكتها مسك على حرجٍ حين استشعرت أنّها ثقيلة: «لا أعلم ما يجب عليّ قوله لكني ممتنّة لكِ، سأردّها يومًا ما.»
قهقهت سوسن بخفوتٍ مع قلب مقلتيها بضجر: «أرجوكِ ليس وكأنّني قدّمتُ خدمةً تستحق.» 
نظرت لها مسك مستبشرةً: «لا تستهيني بصغائر الأمور يا صديقتي.»
توقفت الحافلةُ في المحطةِ التي تجاور الدكان الذي تتردّد إليه مسك. ودّعت سوسن التي نزلت مع شقيقها ثم ولجت إليه لشراء بعض ما يلزمها لإعداد حلوى تناسب هذا الطقس البارد. 
لقد ودّت لو تعدّ بعض السحلب، فهو أنسب حلوى شتوية، وتدفئ الجسد، عدا عن نكهته التي تداعب براعم التذوّق بنكهة ماء الزهر ورشة المكسرات المطحونة وبعض القرفة الناعمة.
كانت تبحث بين الرفوف عن القرفة وجوز عين الجمل. شردت لوهلةٍ حين تذكّرت أن جوليا تحبّها وبشدّة لتبتسم وسط حزنها، ويساور نظرتها الحسرة والألم. رفعت كفّها لأخذ علبة إضافية من الجوز، وتوجّهت للثلاجةِ لأخذ كيسين من الحليب لمضاعفة الكميّةِ وإرسال بعضها إلى عائلة وسيم.
كانت الثلاجة تقع في آخر الردهةِ الضيّقة، التفتت لتنصم بوجود مايكل يقف على بعد خطواتٍ منها، يسدّ طريق خروجها بالكامل. ارتدّت للخلف خطوةً تغضّ طرفها عنه.
ازدردت ريقها لتقول بحرج: «هلا أذِنتَ لي؟»
كانت تنظر صوب الأرض، وسّعت مقلتيها حين لم تشعر به يتزعزع أو يتحرّك من مكانه حتّى. رفعت رأسها لتستيقن ذلك ففغرت فاهها: «أستميحكَ عذرًا!»
لكن لا إجابة، هنا رصدت تلك السماعات الصغيرة التي يضعها في أذنيه، لتصرف نظرها عنه وهي تتمتم متذمرةً بكلمات هي نفسها لم تفهمها. إنّها في موقفٍ محرج، ورغم أنّه ليس قريبًا منها إلا أنّها عالقةٌ في موقفٍ يثير توترها فلا تعد تفكّر بمنطقية.
رفع مايكل بصره واضعًا كيس السكّر في سلّته الحمراء الصغيرة، ليلحظ الأخرى التي كانت تنظر للجانب الآخر بينما تتذمّر. عقد حاجبيه صارفًا بصره عنها ثم تقدّم خطوتين ليلتصق جسده بالرفوف مفسحًا لها مجالًا.
تنحنح بخفوتٍ قائلًا بهمس: «بإمكانكِ المرور.»
حين سمعته لمست خجله، لتخرج بسرعة دون النبس ببنت شفة، توجّهت إلى أمين الصندوق وحاسبت على أغراضها لتخرج من الدكّان. فتحت المظّلة سائرةً إلى البيت بينما تدعو كل برهةٍ لسوسن التي أنقذتها.
بلغت باب البيت، أمسكت المقبض لتفتحه وتدخل قائلةً: «السلام عليكم، لقد عدت.»
كانت إيمان تطهو حساء العدس، ابتسمت بهدوءٍ: «وعليكم السلام يا عزيزتي لقد كنت قلقة من طريق عودتكِ فلم تأخذي المظلّة.»
أشارت مسك بمظلّة سوسن: «أعطتني إيّاها صديقتي سوسن، وعادت هي مع شقيقها تحت مظلّته.»
قطبت إيمان جبينها باستغراب: «أهما التؤأم؟ لأنّي أذكر أنّك لم تكوني على وفاق مع الفتاة أبدًا!»
ضحكت مسك: «هذا صحيح، فرغم أن علاقتي وجوليا كانت سيئّة بها إلا أنّها سبحان الله تبدّلت كأن لم تكن.»
سًرّت إيمان حين سمعت ذلك، فلقد كانت مسك دومًا ما تبدي انزعاجًا من سوسن وتتحدّث عن أسلوبها المزعج. بدا التحوّل محبّذ لها: «سبحان الله، فعلًا صدق من قال إن الطريق لمن صدق وليس لمن سبق، فمن يرد نفسه عن الخطأ يكون إنسانًا قويًا.»
إبتسمت مسك مومئةً لها بتأييد. نظرت حولها والصمت الشديد في المكان رفع رايةً حمراء ينبّه بأمر غير طبيعي. 
عقدت حاجبيها متسائلةً: «لحظة! أين أحمد؟ هو عادةً من يستقبلني عند عودتي!»
ضحكت إيمان بخفوت: «لم ينم ليلة أمس بسبب كوب الشاي الذي شربه فأصيب بالقلق. عاد من الروضة منهك ليغطّ في نومٍ عميق بعد أن تناول طبقًا من رقائق الذرة.»
وضعت مسك كفّيها على وجنتيها بظرافة: «كم أحبه!»
أشارت إيمان نحو البهو الداخلي: «اذهبي وبدلي ملابسك فهي مبتلة.»
أومأت مسك وذهبت لتبدل ملابسها. توضأت وباشرت تصلي العصر، لتدعو خلال سجودها لوسيم بالشفاء. إن هذا الرجل لطالما كان جارًا وصديقًا طيبًا لعائلتها منذ الأزل، وتقدّر مشاعر صديقتها وتخاف عليها من أن يمسّها وصب.
سلمت، رفعت يديها وقالت بتضرع إلى الله: «يا ربي يا رحيم يا كاشف الضر والسوء، اكشف ما يعاني منه العم وسيم وإشفه شفاءً لا يغادر سقمًا، يا رب ولا تحمله ما لا طاقة له به وأزل عنه البأس وأعد له صحته وأعده لأحضان عائلته سالمًا معافى. يا من أزلت الضُرَّ عن نبيك أيوب عليه السلام، أزل عن العم وسيم ضُرَّه.»
* * * * 
في المساء قريب الساعة الثامنة والنصف، كانت جوليا قد ذهبت إلى الدكان بحماس لشراء بعض الليمون والنعناع لوالدها الذي استيقظ بالكاد. طلب منها أن تعدّ له طبق سلطة مشبّعًا بالملح وعصير الليمون.
كان شقيقها في العمل لورديةِ ليلية لذا ذهبت سيرًا على الأقدام غير مكترثة بالعاصفة والأمطار الغزيرة التي تقطر على رأسها، فالفرحة لا تتسعها، ورغم أن التعب لم يَزُل إلا أن حديث والدها المتعب أظهر بوادر تحسّنه ولو بشكلٍ بسيط، وهذا شكّل فارقًا بالنسبة لها.
فرغت من التبضع، خرجت من الدكان تسير إلى البيت وابتسامتها تشق وجهها. ما كادت تشقّ نصف الطريق لتمرّ من جانبها سيارة إسعاف مسرعة وصوت صفارتها المدوية تعلو معلنةً عن حالة طوارئ.
شردت بها بوجومٍ غريب، مدركةً أن شيئًا غير مستساغًا قد حدث فور خروجها من البيت. لقد راودها شعورٌ خانق، ولم تشعر على نفسها عندما بدأت أقدامها تتسارع عاديةً بشراسة صوب البيت.
وصلت وقلبها ينبض بعنف ويستنجد، فتحت الباب بترددٍ وهي خائفةٌ أن ترى البيت فارغ من الإحساس. بدأت تنادي بنبرةٍ مهزوزة مستنكرة فراغ البيت: «أمي! أمي أين أنتِ لما لا تجيبين؟»
سقطت الأكياس من يدها تزامنًا مع سقوط دموعها ناظرةً للأمام بشرود، طغى صمتٌ مريبٌ على المكان. أطبقت جفنيها ليرتدّ جسدها للخلف مرتطمًا بالحائط، بدأت تنزلق عليه ببطءٍ حتّى بلغت الأرض. علمت أن البيت فارغ، وأنّ الجدران شهدت على صرخات وبكاءٍ حين كانت تبتاع حاجياتها. أطبقت جفنيها بألم وتفاقم سيل دموعها دون أن تصدر أنينًا من هول من تتخيّله.
خرجت من البيت واقفةً خلف سور ساحة منزلهم، تنظر حولها بتخبّط للبيوت المجاورة والظلمة قد طغت على معظم الشارع. ارتجفت شفتيها، وتشابكت ساقيها حين استكملت المسير لتسقط جثيًا على ركبتيها.
رفعت أناملها المرتجفة ووضعتها على فاهها لتهمس بعدها بتهدّج: «عليّ أن... أجد حلًا.»
*جوليا*
كان ذاك أول ما تبادر إلى ذهني حين وقعت عليّ الطامّة لتكسرني وتغضّ عودي. لم أشعر بنفسي حين ركضت بفزعٍ خارج البيت، أبحث حولي متخبطةً وأنا لا أدري أين أذهب، كل ما علمته أن مكروهًا أصاب أبي، وكرهت دخول البيت. هو ما لن أحتمل حدوثه، سأخسر نفسي وروحي إن فارق الحياة.
هو من ربّاني ومن علّمني كل ما أعرفه، كان دومًا يجلس معي ليغيّر مزاجي حين يلمح حزنًا ينضح من عينيّ. فيه صببت قوتي وثقتي، هو من استندت وارتكزت عليه عند مصائبي وشدائدي، لم أتخيّلني أفقده هكذا دون سابق إنذار.
كانت الأمطار تضرب وجهي بلا هوادة، والريح تعصف بثيابي وشعري، لكنني لم أكن أشعر بشيء. كنت أسير تارةً، وأعدو تارةً أخرى، ثم أتوقف لثوانٍ كأنني فقدت القدرة على معرفة وجهتي. لم أعد أرى الشوارع كما أعرفها، ولا أميز الوجوه التي تمر من جواري. كل ما كان يملأ رأسي سؤالٌ واحد: ماذا لو فقدت أبي؟
تعثرت قدماي أكثر من مرة فوق الأرصفة المبتلة، وكدت أسقط، لكنني كنت أعود للمسير دون اكتراث. كنت أبكي بصمت، أرفع كفي إلى وجهي كلما اختلطت دموعي بمياه المطر، ثم أواصل السير بلا هدف، كأن الحركة وحدها تمنعني من الانهيار.
*جوليا*
عائلة مسك كانت عند أحد الأقارب في حيٍ بعيد، وصادف عودتهم في هذا الوقت. كان يحيى يقود سيارته بكل حذر بسبب العاصفة، وابنته تجلس بجانب النافذة تراقب المطر وهو يضربها بلا هوادة.
توقّفوا أمام الدكان بطلبٍ من مسك التي أرادت شراء أعشاب للشاي.
قبل وصولهم بقليل، لمحت مسك جوليا تعدو بترنّح كما لو كانت ثملة، وسحنتها تكتسي الخوف والذعر.
نطقت بانفعال: «أبي أرجوك توقف، إن جوليا مذعورة وتركض على غير هدى. يبدو أن العم وسيم أصيب بمكروه، أرجوك توقف، سألحقها.»
ذعر يحيى ليوقف السيارة سريعًا: «إيمان، هاتفي السيدة لارا.»
أومأت إيمان بذعر: «سأتصل حالًا.»
نظر يحيى لابنته وأردف بنبرةٍ أبوية وجلة: «احذري يا ابنتي من التزحلق، وحاولي أن لا يلامس المطر وجهك. أنزلي قلنسوة معطفك عليه.»
أومأت له: «أمرك.»
ترجّلت مسك من السيارة ليستكمل والدها القيادة نحو البيت. وضعت قبعة معطفها على رأسها ووجهت بصرها نحو الأرض لتبدأ بالركض في الطريق الذي سلكته جوليا. قلبها يكاد يخرج من مكانه من الخوف، تدعو في سرها ألا يكون مكروهٌ قد أصاب وسيم.
رفعت رأسها لتلمحها تقف عند ناصية شارعٍ ضيق، مستندةً إلى سورٍ حجري، منكسة الرأس، وكتفاها يرتجفان مع بكائها. تباطأت خطواتها حتى اقتربت منها، ولم تنبس بكلمة، خشية أن تزيد وجعها.
استشعرت جوليا وجود أحد، فرفعت رأسها ببطء. وما إن وقعت عينيها على مسك حتى انفرجت شفتاها وكأنها وجدت آخر ما يربطها بالثبات.
وسّعت مقلتيها وابتسمت بالكاد وسط دموعها، وتعلّقت بكتفي رفيقتها: «مسك... الحمد لله أنكِ أتيتِ. أنتِ لا تعلمين فرحتي بوجودك جواري، أرجوكِ لا تتركيني.» ثم انقضّت عليها تعانقها.
حاولت مسك كتم شهقاتها لتجيبها: «لن أترككِ، أنا معكِ دائمًا من بعد الله. لكن أرجوكِ أخبريني ما الذي حدث؟»
جوليا بنبرةٍ مهزوزة: «لقد طلب منّي إعداد طبق سلطة. ذهبت لشراء الأغراض التي تنقصني، وعند عودتي صادفتني سيارة الإسعاف مسرعةً، فعدت للبيت مفزوعة. لم أجد أحدًا، وعلمت أن مكروهًا أصابه. هاتفت أمي لكن هاتفها خارج نطاق التغطية.»
«وتامر؟ أين هو؟» سألتها.
«في وردية عملٍ ليلية، لهذا لم أتصل به. لا أريد إشغال باله.»
أسندتها مسك قائلةً: «هل علمتِ أي مشفى؟»
أومأت لها: «قرأت على السيارة: مشفى المدينة المركزي.»
همهمت مسك: «هذا جيد، لنعد إلى البيت الآن.»
خرجتا من هناك، كانت الأمطار قد تناقصت وكان بالإمكان السير على وتيرةٍ أبطأ. بقيت مسك تمسك بها فجسدها كان مرتخيًا، وظلّت هكذا حتى وصلتا البيت.
وجدت والدها يتحدذث مع أمها: «لا أحد يجيب؟» نظر خلفه ليجد جوليا فقال لها: «ابنتي سآخذكِ للمشفى حالًا.»
أومأت له ببكاء: «يا ليت، سأكون ممتنّة لكَ.»
التقط مفتاحه وأشار لهما: «هيا بنا، مسك تعالي معنا.»
استقل يحيى مقعد السائق، بينما في الخلف تجلس مسك وهي تعانق جوليا المنهارة، تربت على رأسها بحنان. كانت الأفئدةُ تغلي إذ تيقّنوا أن وضع وسيم ليس بالهين وأنّها ليست حمّى حتّى، علموا أن هناك ما هو أكبر. كان الخوف يسيطر عليهم والهدوء المريب يعم السيارة منتظرين فقط لحظة وصولهم للمشفى ليستبينوا.
الفكرة التي تثير الفزع، أن ما أصابه مجهول السبب، ولن يكون بقدر أن يعرفوا طبيعية المشكلة فيستدلّوا للحل. بدأ عقل كل منهم  توقع مشكلةٍ ما، وفقط يرهقون أنفسهم بالتفكير.
وصلوا إلى المشفى، ركن يحيى السيارة، لتترجّل جوليا بذعر راكضةً صوب الباب الرئيسي، فلحقت بها مسك لكي تساعدها بالبحث بينما يحيى كان ينوي أن يسأل عنه موظفة الإستقبال.
*  *  *
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.