وضع القراءة:

الفصل الخامس: نار الماضي

مرّ شهرين كاملين على زواج زيدان وريحانة، بدأت خلاله الحياة تستقر بين العائلتين، واختفت أصوات السلاح من الطرقات وعادت الأراضي التي كانت مهجورة إلى العمل من جديد، وبدأت الألفة تعود بين العائلات، لكن خلف هذا الهدوء... كانت هناك عاصفة تتشكل بهدوء مريب....
في صباح أحد الأيام، جلست ريحانة في الحديقة تقطف أزهار الياسمين، وفي المقابل لها يجلس زيدان على الطاولة يراجع بعض الأوراق.
لترفع رأسها نحوه فجأة وهي تقول:
- هو انت دايمًا وراك شغل كده؟
رد عليها دون أن يرفع عينيه عن الورق:
- ايوه.
لتسأل بصدمة نوعا ما:
- حتى يوم الجمعة؟
أجاب بتلقائية مميته:
- أيوه
تنهدت تنهيدة طويلة متعبه لتغمغم:
- حياة مملة جدا.
نظره لها مبتسمًا، ثم عاد لتفقد أوراقه، لكن لم يخفى على ريحانة إبتسامته التي بدأت تظهر براحة معها مع مرور الأيام، كأنما بدأ بتقبل أن الابتسامة في وجه بعضهم البعض أساس يومهم...
مساءًا كان فارس يجلس داخل استراحة قديمة على أطراف محافظة قنا، وحوله مجموعة من الرجال ليقول أحدهم بمكر:
- الصلح نجح اهو يا بو عمه.
جز على أسنانه وهو يقبض على كوب الشاي بيده بقوة:
- مؤقت يا أبو صحبوا.
- يعني ايه؟
رفع مقلتيه مليئتين بالحقد والكره ردًا:
- انا خسران طول ما زيدان الشافعي عايش..
صمت الجميع، ليكمل:
- والليلة اللي يخسر فيها زيدان ويموت هتبقى ليلتي...
تبادل الرجال نظرات القلق فلم يتوقع أبدا انه الأمر تعدى الغيرة وأصبح هوسًا خطيرًا، فهذا سيعيد بحور الدم من جديد...
بعد ما يقارب اليومين، قرر زيدان أن يذهب زيارة لأهل ريحانة، فرح الجميع بهذه الزيارة وبدأت تجهيزات في قصر علوان على قدم وساق، وعند وصولهم إحتضانها والدها طويلاً فقد كانت ريحانة بيته ولم تغادره منذ ولادتها إلى هذه المرة، بعد ترحيب من الجميع وبعض المشاكسات بين زيدان ووليد، جلست ريحانه مع والدتها يتسامرون، حتى دخلت الخادمة لتخبرها أن شخصًا يريد رؤيتها بالخارج، لتخرج وهي مستغربة من سيأتي وهي لا تعرف أحدا خارج العائلة، لتتفاجأ بفارس وتستغرب لما لم يدخل للمنزل، لتقول بصدمة ظاهرة:
- إنت واقف هنا ليه؟ وما دخلتيش ليه؟
نظرها لها وهو يقول:
- وحشتيني اووي
قطبت حاجبيها بغضب وإستغراب:
- انت بتقول ايه؟
قاطعها بغضب:
- انتِ ليا.
ردت بحزم قاطع:
- لا انا عمري ما كنت ليك ولا وعدتك بحاجه.
اشتعلن نيران عينيه وهو يسئل:
- إنتِ حبيتيه؟
واجهته بصمت ونظرات حارقة، فكرر السؤال بعنف:
- بتحبي زيدان الشافعي يا بنت علوان؟
لأول مره تشعر بالإرتباك، لكنها عزمت الثبات لتجيبه بكل عزم:
- أه طبعا، مش جوزي!
ضحك بسخرية ثم اقترب منها خطوة وهو يقول بفحيح أفاعي:
- مش حسيب الشافعي يتهنى بيكي أبدا.
شعرت بخوف من نظراته ونبرة صوته، لكن قبل أن تتحرك او تتكلم ظهر وليد وزيدان من العدم تقريبا، فابتعد فارس بسرعة وغادر المكان دون ان يلتف ورائه، لتبقى ريحانة تقف مكانها متيبسه وقلبها ينبض بقوة كأنه في مرتون خيول لتفيق على صوت زيدان وهو ينظر لمكان اختفاء الشخص التي كانت تقف معه زوجته:
- واقفه كده ليه؟
ريحانة وهي تبلع ريقها:
- ولا حاجه؟
زيدان وهو ينظر لها نظرات ثاقبه:
- مين الي كان واقف معاكي؟
ريحانة بتهرب:
- ده فارس ابن عمتي كان ببركلي على زواج.
وليد بضحك:
- يا راجل من امتى الزوق ده كله؟
حاولت ريحانة أن تبقي ملامح وجهها ثابته عكس نبضات قلبها....
في مساء كان زيدان عائد من إحدى جولاته على الأراضي، لكن قبل وصوله للقصر بفترة قصيرة... ظهرت سيارة سوداء خلفه لا تنتمي لبلدته، ثم تلت واحدة خلفها وظهرت بعدها بفترة قصيرة ثالثة ليضيق عينيه بريبه وأدرك فورا أن الأمر ليس صدفة، ليمسك هاتفه بسرعة:
- عاصم!
جاءه الصوت فورًا:
- خير؟
- ابعت الرجالة للطريق الصحراوي حالاً...
ليغلق بعدها الهاتف ويرميه داخل السيارة، وما ان ركز في طريق محاول زيادة السرعة حتى خرجت سيارة أمامه فجأة محاولة قطع طريق عليه، ليضغط زيدان المكابح بقوة وبعد دقيقة، يترجل منها، كان هناك ست رجال يحملون العصيان وينتظرونه.
ابتسم زيدان ابتسامة باردة، وخلع عباءته ببطء... وهمس بفحيح:
- شكلكم اخترتوا الليلة الغلط...
اندفع الرجال نحوه لتبدأ معركة طاحنة، لكن ما حدث بعدها بلحظات جعلهم يندمون لقبولهم هذا العمل، فزيدان لم يكن مجرد رجل أعمال أو كبير عائلته فقط، بل فارس صعيدي تربى على القوة والصلابة والألم وتحمل منذ نعومة أظافره....
بعد لحظات وجيز....
وصل رجال الشافعي، ليجدوا الرجال الذين هاجموا زيدان مكومين فوق بعضهم البعض كشوال القمح او أرز، أما زيدان فكان يتكأ على مقدمة السيارة كأن شيئا لم يكن...
مما جعل عاصم يبتسم بفخر فهو كان على يقين ان زيدان سيخرج منتصرا بقوة، لكن ما يراه انه خرج ساحقًا....
عندما عاد للقصر، كانت ريحانة تنتظره بقلق فقط تأخر الوقت ونام الجميع لكن قلقها غلب تعبها ولم تستطيع النوم دون اطمئنان على زيدان، وبمجرد ما ان رأته حتى أسرعت نحوه، كادت أن تسأله سبب تأخره، لكن لاحظة إصابة صغيرة فوق حاجبه وجرح في يده... لتتسع عيناها برعب وهي تقول:
- إيه ده؟
ليجيبها بهدوء قاتل:
- حاجة بسيطة!
نظرت له بصدمة من بروده وهي تقول:
- بسيطة ازاي؟ انت بتهزر هو الحرج ده بسيط؟
لتمسكه من ذراعه وتتجه به للأريكة وتجلسه بقوة، لينظر في أثرها بدهشة من تصرفها، لتعود بعد خروجها بصندوق الإسعافات وتبدأ بتعقيم الجرح ويدها ترتجف وبدأت دموع عينها في تجمع في مقلتيها، ليسألها بهدوء:
- خايفة عليا؟
تجمدت يدها للحظة، ثم عاودت فعل ما كانت تفعل لتهمس دون شعور منها:
- أكيد
ساد صمت رهيب بعد همسها، لكن نظرات زيدان كانت لا تفارق وجها، وما ان رفعت راسها له ما ان أنهت من تضميم حرجه حتى قابلت نظراته خاصته التي كانت تحدق بها لطريقة مختلفة عن دي قبل.....
اما زيدان فشعر لأول مرة أن قلبه يفيض بحبها بل عشقها حد نخاع وتأكد أنها أصبحت ضرورية في حياته كالأكسجين الذي يتنفسه.... وان زواجه منها لم يكون ولن يكون لمجرد إنهاء ثأر فقط، بل هو زواج سيسود فيه المحبة ومغفرة والمودة....
لكن رغم كل أحاسيسه لم يستطيع السيطرة على مشاعر غضبه وغيرته التي تتملكه منذ موقف الصبح في منزل ولدها لذا قام من مجلسه وإتجه إلى سلم المتجه لجناحهم تحت نظرات الحيرة من ريحانه لتفيق من صدمته على صوته القوي وهو يعطيها ظهره ويصعد:
- تعالى ورايا في موضوع لازم نتكلم فيه!
بعد لحظات كان يجلس في صالون جناحه وريحانه تقابله ليقول بهدوء يحاول استحضاره من داخل براكينه:
- ابن عمتك كان عايز ايه؟
كادت تعيد عليه كلماتها في صباح، لكن قطعها قبل أن تتكلم وهو يكمل:
- قبل ما تردي فكري كويس عشان انا اكثر حاجه بكرها الكذب ومش بسامح فيه أبدا....
ساد الصمت بينهم فزيدان سمح لها بجمع أفكارها، أما ريحانة فخوفها على زوجها من هذا المجنون يقلقها، فهي أيضا تكره الكذب لكنها في صباح حاولت إخفاء ما حصل فقط...
قال زيدان بتروي:
- ها، لدرجادي موضوع صعب؟
تنهد ثم قالت بتوثر:
- مش صعب انا والله ما عملت حاجه غلط، بس مش عارفه انت ردك هيكون ايه وده الي مخوفني والله...
زيدان بتفهم لقلقها:
- انا متوكد زي ما انا شايفك كده هو انك مش غلطانه ومالكيش صالح بلي حصل او هيحصل، بس لازم تحكيلي وانتي متأكده ان سندك وأمانك وان مش حجي عليك أبدا...
ريحانة بإستلام وتوتر:
- هو بس عشان كان الكل بقول ان حكون ليه وكده، فلس حاسس ان مفروض أكون نصيب مش نصيبك، بس والله هو عارف ان انا مش موافقه على كلام ده ولحتى امي وخواتي وحيد لكان موافق ابويا وعشان ما يكسرشي كلم اخت بس...
زيدان بغضب مكتوم:
- يعني هبل في كلام..
ريحانة بخوف ومداريه عندما لمحت بوادر غضبه، اقتربت منه ووضعت كفه بين راحتها وهي تقول بحب وموده:
- مش أوي، هو عارف ومتأكد ان عمره ما يقدر يكون ند ليك، وبعدين الي تشيل اسم زيدان الشافعي ما يملاش عينها اسم ثاني..
ابتسم بود لمحاولة صغيرته ريحانه السيطرة على غضبه ولفشلها الدريع، لكنه حاول يخفي ذلك لكي لا يتملكها الخوف وقلق عليه لدا قال ممزحا:
- لا كده أنا أتغر واشوف نفسي أوي عشان ريحانتي قالت رسمي أنها بتعشقني موت...
ريحانه بصدمة:
- أنا امتى؟
زيدان يمثل صدمة:
- يعني ايه؟ يعني انت مش عشقاني يا بت؟
احمرت وجنتين ريحانة من الخجل ولا تعلم متى ترد عليه من كثرت خجلها. ليقهقه زيدان على وجهها الذي أصبح مثل حبة الطماطم وهو يمازحها:
- خلاص خلاص عفوت عنك يا ستي ما قولتيش حاجه انا الي قولت...
قامت ريحانه بسرعة ناحية الحمام لتتواره عن أنظاره مشاكسه ومخجله أما هو فواصل قهقهات العالية إلا ان اختفت لتختفي تلك الضحكات وتحل محلها علامات الغضب والوعيد لذلك المتبجح الذي يلزمه تأديب....
في اليوم التالي.....
جمع زيدان كبار العائلتين في ديوان منزله، وكانت ملامحه أكثر صرامة من المعتاد، وقال بصوت قوي وجوهري:
- في حد بيحاول يرجع الدم بين العلتين!
ساد صمت مربع ليكمل بوعيد:
- بس أنا هعرف هو مين؟
وفي الجهة الأخرى من المجلس، كان فارس حاضرًا. يحاول إخفاء توتره. لكن زيدان لاحظه بنظراته الصقرية والحادة، ورغم أنه لم يملك دليلًا بعد... إلا أن حدسه أخبره أن الخيط يبدأ من هناك.
بعد انتهاء الاجتماع، عاد زيدان إلى مكتبه. وبينما كان يفكر...
دخل جده وقال:
- مالك؟
تنهد زيدان، ثم أجاب بصراحة نادرة:
- خايف.
رفع الجد حاجبه بصدمة:
- إنت؟
- أول مرة أخاف أخسر حد.
ابتسم الجد. لأنه فهم المعنى فورًا.
أما زيدان... فاتجه بنظره نحو النافذة، حيث كانت ريحانة تضحك في الحديقة مع أطفال العائلة. وحينها فقط، اعترف لنفسه بالحقيقة.
لقد وقع في عشقها....
لكن في الوقت نفسه، كانت المؤامرة تقترب من أخطر مراحلها. ولم يكن يعلم أن الضربة القادمة. ستكون موجهة إلى ريحانة نفسها، هذا أصعب له من نفسه...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.