وضع القراءة:

الفصل الثالث: ليلة العُرس

مرّت الأيام التالية سريعًا، حتى جاء اليوم الذي انتظرته قنا كلها. فيوم زفاف زيدان الشافعي وريحانة علوان، أحفاد أكبر عائلات الصعيد...
منذ الصباح الباكر، كانت سيارات العائلتين تتحرك في كل مكان، والرجال يجهزون السرادق الضخمة التي نُصبت على مساحة واسعة من أراضي الشافعي.
وبدأت الأغاني الصعيدية تملأ الأجواء، والخيول العربية مصطفة في صفوف طويلة معدى خيلين الذي يخص زيدان وأخر يخص وليد...
كانت ريحانة محاصرة بين عشرات النساء داخل قصر علوان، فواحدة تمشط شعرها، وأخرى ترتب فستانها، وثالثة تضع الحُلي الذهبية حول عنقها، حتى صرخت بإختناق:
- يا ناس سيوني أتنفس! هختنق منكم...
ضحكت النساء على حنقها الواضح لتقول خالتها:
- النهارده أخر يوم ليكي عندنا، مش قادره تستحملينا شويه...
لم ترد عليها كي لا تبدأ دموعها بالهطول ويعودون لخنقها من أول وجديد لتصليح ما ستفسده دموعها، لذا رفعت عينيها نحو المرأة لترى نفسها بشكل مختلف عن سابقه فقد بدت جميلة بحق وبصورة لم تعتدها، لكن خلف تلك الزينة كان قلبها يرتجف، فبعد ساعات قليلة ستصبح زوجة لرجل مازالت لا تعرف عنه إلا القليل...
اما في الجهة الأخرى... كان يقف زيدان داخل الإسطبل الفارغ إلا من حصانه بعيدا عن الضوضاء، كان يربت على عنق حصانه الأسود كعادته كلما أراد التفكير، ليدخل عليه صديقه المقرب بعد وليد والوحيد الذي يعلم ان بينهم صداقة عمر، ليقول عاصم ضاحكًا:
- ايه يا عمنا الناس كلها مستنياك بره وانت واقف هنا مع الحصان!
رد زيدان بهدوء:
- الحصان أهدى من البشر بالكثير.
قهقة عاصم:
- يا بني ارحمني شويه، ده انهردا فرحك هدوء ايه بس؟
ظل زيدان واقف في مكانه وصامتًا، فنظره إليه عاصم بإهتمام وهو يقوص بين حاجبيه:
- متوتر ولا إيه؟
أجابة بصراحة:
- مسؤولية.
- جواز يعني؟
- لا بس بنت صغيرة سايبه أهلها وعيليتها كلها وهتعيش وسط ناس كانت لحد قريب أعدائها. ده غير كل ده انها أخت وليد الوحيدة...
ساد الصمت للحظة ليردف عاصم:
- عشان كده ربنا اختارك للمهمة دي عشان عارفك انك قدها وقدود، وانت عارف ان وليد فرحان جدااا انك هتبقى زوج اخت، وهو مش هيأمن لحد غيرك، وانت عارف ومتأكد ان لو كان حد ثاني من عيلتك كان وليد رفض ولا هم حد، هو وافق عشانك انت، عشان أنت خلوا وواثق فيك.
نظر زيدان إلى الأفق البعيد، وهو يشعر بثقل المهمة الملقاة على كتفه، فهو لا يتزوج امرأة فقط، بل يحمل مستقبل عائلتين كاملتين...
مع اقتراب المغرب... بدأت مراسم الزفاف، وصل موكب الخيول أولاً، يتقدمها زيدان فوق حصانه الأسود، مرتديًا جلبابًا صعيديًا أبيض وعباءة سوداء فاخرة، فهيبته وحدها كانت تفرض الصمت من حوله، أما النساء فكنّ يراقبنه من النوافذ بإعجاب واضح....
اقترب وليد من مكان وقوف زيدان وهو يجر حصانه البري صعب الترويض الذي لا يستطيع أحد من عائلة علوان ولا من البلد من أجمعها ركوبه غير وليد لصعوبته، ليقول وليد بإبتسامة إستفزاز وهو ينظر لزيدان الذي فهم ما يريد صديقه فعله، ليبادله بإبتسامة ساخرة على تصرفاته الصبيانية، اما الشيخ سليمان والحج راضي كان مدركان لصداقتهما واحترم إخفائها لذا كان يبتسمان برضى، اما الباقي فقد اعتبر ان وليد يريد ان يضع زيدان في موقف محرج ولكنهم لا يعرفون شيء فمن روضي الحصان كان زيدان و وليد معا لذا فهو يعرف زيدان حق المعرفه....
قال وليد بإبتسامته اللعوب:
- ما عليش يا زوج أختي كنت نادر ما حديش يخود اختي الا لم يعرف يركب الفرسه دي، فعايزاك تركبها وترقص بيها مع المزمار..
رفع زيدان إحدى حاجبيه وهو يقول:
- مافيش بعد كلامك يا أبو نسب..
كان كلامهم مرحًا مع بعض لكن من يراهم من الخارج، يعتقد انهم ينافسون بعض، امسك زيدان لجام الحصان وامطتاه بكل حرفيا ليصفق كل رجال عائلة الشافعي وهم يهللون باسم كبيرهم، ليبدأ المزمار بعزف ويبدأ زيدان بتحريك الحصان مع نغمات المزمار وفي لحظة فارقه قام الحج راضي برمي عصاه لزيدان الذي مسكها بكل حرفية وهو يضحك لجده فقد دربه الجد على هذه الحركة منذ صغر وهو يقول له:
- الحركه دي عشان اعملهالك يوم فرحك عشان انت حبيبك جدك.
اختل بعض الشيء توازن راضي بسبب كبر سنه، ليجد يد الشيخ سيلمان تسنده بسرعه وهو يقول:
- حاسب يا خويا!
ليبتسم راضي برضى وهو يقول بود صافي:
- والله زمان يا أبو عمه..
ليتبدلاني الإبتسامة فهم قبل حكاية الثأر كان مثل زيدان ووليد، انتهى زيدان ليترجل من الفرس ويقترب من وليد الذي قام بإحتضانه ومباركته ليهمس له:
- مبروك يا شيقي، ما عليش بقى ما كنشي ينفع ما حضناكش وابركلك وابقي زي غريب في فرحك..
شده على كتفه زيدان وهو يهمس:
- عمرك ما هتكون غريب، طول عمرك اقرب من دمي وقريب يا خلي..
ابتسم عاصم لهم فهو يعلم ان وليد افتعل هذا الرهان ليستطيع احتضان زيدان دون لفت انتباه أحد...
أما في الداخل... سمعت ريحانة بداية وصلت الزغاريد، ليبدأ قلبها بخفقان بقوة كأنه في سباق، لتدخل أمينة وهي ترتب على كتفها وهي تقول:
- جاهزة يا بتي؟
التفت لها ريحانة وعينيها ممتلأه بالدموع، فأسرعت أمينة بضمها لصدرها وهي تقول:
- إوعي تخافي بت علوان ما تخافشي من حاجه واصل يا ريحانة، ما تقلقيش يا نظري الراجل إلي كاتبه ربنا ليكي حيكون خير يا حبيبتي ثقي في ربنا...
لتهمس ريحانة وهي تغلق عينيها في حضن والدتها تستمد منها الأمان:
- ونعمه بالله.
كانت الاحتفالات مستمرة.... لكن في مكان بعيد نوعا ما كانت يوجد شخص يراقب كل شيء من بعيد، فقد كانت عينان فارس مليئتين بالحقد والكره، وكادت قبضته تتحطم من شدة إعتصارها بسبب غضبه، ليقترب منه أحد الرجالة المشبوهين وهو يقول:
- ننفذ يا باشا؟
أجابه ببرود:
- أكيد، عايز ليلة دي تبوظ بأي شكل.
ابتسم الرجل بشر ليقول وهو يشير لمقلتيه:
- انت تؤمر يا بيه.
لتبدأ نيران الانتقام تتحرك وتحوم في الخفاء....
خرجت ريحانة وسط الزغاريد تتقدمها النساء، بعد انتهاء عقد القران، وما ان وصلت الى عتبات الباب حتى رفعت رأسها لتجد زيدان واقفا أمامها، لتكون هذه ثاني مرة تراه بهذا القرب، لا تعلم لما أحست بأن أنفاسها تختفي تدريجيا، أما هو فظل ينظر إليها للحظات وثم قال بصوت منخفض لا يسمعه سواها:
- مبروك يا ريحانتي.
خفق نبضها بسرعه، لترد بعد ابتلاع ريقيها:
- الله يبارك فيك.
ليبتسم زيدان ابتسامة صغيرة وقصيرة خصها بها فقط، لتشعر بالدهشة فقد أخبرها الجميع انه لا يبتسم ابدًا.
وفجأة.. دوّى صوت إطلاق نار في الهواء، وتحولت الأجواء إلى فوضى عارمة خصوصا ببداية النساء بالصريخ واندفاع الرجال نحو مصدر الصوت، أما ريحانة فقد تجمدت في مكانها من الخوف وصدمة لكن خلال ثانية واحدة كان زيدان يقف أمامها كجدار حديدي، يقوم بحمايتها بجسده عن أي خطر، ليصيح برجاله:
- محدش يقرب من الحريم!
في تلك اللحظة... أدركت جانبًا أخر من زوجها، فقد كان شهما قويا حكيم حيث قرر حماية الضعيف قبل أن يهاجم وهذا من نبل أخلاقه....
بعد لحظات سيطرة رجال العائلتين على الوضع، واتضح انهم بعض الرجال الخارجين عن القانون حاولوا إثارة الفوضى والفتنه فقط. لذا قرر زيدان إنتهاء الحفل وبداية الرحيل لتكون أصعب لحظات ريحانة فقد وقفت أمام والدها وإخواتها الشباب لتقوم بتوديعهم، لتغرق عينيها بالدموع، اما الحاج سليمان فحاول التماسك بكل طرق ليقترب منها ويقوم بتقبيل مقدمة رأسها ويردد:
- خلي بالك من نفسك يا بتي.
ارتمت في أحضانه باكية فاهتز قلب الرجل العجوز ليهمس لها بحب:
- ما تخافيش يا نور عيني، أبوكي معاكي دايما وحضني مفتوح ليكي دايما...
بعد سلام اخواتها لها قام سليمان بتسليمها لزيدان الذي نظر لوالدها بثبات قائلا:
- طول ما انا عايش ما حديش هيكسرلها خاطر.
ارتجفت شفتا الحاج سليمان ليرد بود:
- ربنا يبارك فيك يا بني.
تحرك الموكب نحو قصر الشافعي، حيث كانت ريحانة تجلس داخل السيارة في صمت ثقيل، تراقب الطريق المظلم وهي تشعر أنها الأن تبتعد عن حياتها السابقة...
أما زيدان فكان يجلس بجوارها صامتًا كعادته، لكنه لمح دموعها فأخرج من جيبه منديلاً ووضعه أمامها دون كلمة، لتنظر ليده الممدودة بدهشة ثم أخذته منه بهدوء، ولأول مرة تشعر أن الطريق إلى قلب هذا الرجل ليس مستحيلاً أو صعبا كما تصورت...
بعد لحظات وصلت السيارة على أبواب قصر الشافعي الضخم، لتعلم ريحانة أن ما ينتظرها خلف تلك الأبواب سيغير حياتها كلها، لكن يا ترى هل تتغير للأحسن او الأسوء؟
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.