الفصل الأول: صلح على حد السيف
كان الطقس يميل نحو الغروب عندما بدأت الساحة الكبيرة التابعة لديوان محافظة قنا بإزدحام برجال أكبر العائلات بالمحافظة....
على الجانب الأيمن جلس رجال الشافعي بجلابيبهم السوداء وعمائمهم ناصعة البياض والمميزة فهي إنتاج مزارعهم من القطن ومصانعهم التي تورد للخارج منتوجهم، ولكن ما زاد طلتهم هيبتًا هي الصلابة التي رسمت بفرشات الحياة على وجوههم بعد سنوات طويلة من القوة والنفوذ التي تضرب في أراضي قنا شبرا شبرا.....
اما على الجانب الأيسر جلس رجال علوان، ولا تقل هيبتهم عن خصومهم درجة، لكنهم يختلفون في نظرات عيونهم فعائلة علوان كان يحمل نارا قديمة لم تنطفئ رغم مرور كل تلك السنين، وبحور الدم التي غرقت فيها المحافظة....
كان الجو مشحونا بطريقة بشعة، فهمسة واحدة قابلة لإشعال المكان، أو نظرة خاطئة قد تريق الدماء في تو ولحظة..
وقف رئيس المباحث من مكانه وتجه الي منتصف المجلس وهو يتأمل الجميع بحذر شديد، واما العائلتين فكان الجميع نظره على من يتحرك وخصوصا ان أي حركة ستزيل الجميع من الوجود، فقد كانت العساكر تحيط المجلس من كل نواحي...
فالثأر بين العائلتين لم يكن جديد او وليد اللحظة، فقد بدأ منذ خمسة عشر عاما حين سقط أول قتيل، ثم توالت الخسارة في العائلتين حتى صار عدد الضحايا يضرب به المثل بسبب صعوبة عده...
في مقدمة رجال الشافعي جلس زيدان فهو كبير العائلة بعد جده ووالده، كان صامتًا، هادئًا، كأنه لا ينتمي للفوضى المحيطة به، من يراه يجزم أنه لا ينتمي لأي عائلة بل أتى متفرجا فقط...
فقط رجل طويل القامة، عريض الكتفين، دو ملامح حادة بصورة تثير الرعب في كل أعدائه بسبب هيبته الطاغية، يملك عينان سوداويتين كانا ثابتتين على المتحدث دون أن ترمش ثانيه تقريبًا.
أما على الجانب المقابل له يجلس الحاج سليمان علوان، كبير العائلة وبجواره أبناؤه الثلاثة فهم كبار العائلة ودو سمعه نقية كبياض الحليب.
كان كل شيء على ما يرام ويسير بهدوء حتى دوّى صوت أحد رجال عائلة علوان:
- إحنا جينا نسمع الحل الأخير... إنما ما حدش يفتكر إن دم ولادنا رخيص.
ليرد عليه أحد رجال عائلة الشافعي بغضب:
- ما توزن كلامك، يعني دم ولادنا كان رخيص يعني؟
إحتدم النقاش فجأة وارتفعت الأصوات، ليتحرك رجال الأمن بسرعة، فضرب رئيس المباحث على الطاولة بقوة بعد أن عاده الي مجلسه:
- كفاية!
ساد الصمت فورًا، ثم أضاف بحزم:
- كل واحد يمسكن مكانه ويقفل خشم، لو كنتوا تعرفوا تحلوا الموضوع ما كنش وصل للمرحلة دي.
بينما ظل زيدان جالسًا مكانه دون أن يتحرك. كأنه جبل لا تهزه العواصف...
في الوقت نفسه...
داخل قصر علوان، كانت ريحانه تجلس فوق الأريكة وهي تهز قدمها بعصبية وحولها صديقاتها وبنات العائلة، لكنها لم تكن مهتم بأي شيء، إلا ان يعود والدها وإخواتها بخير، لتفيق من شرودها على صوت إحدى الفتيات تقول:
- أكيد دلوقتي الرجالة بيتخانقوا.
تنهدت ريحانة بتعب من تفكير لترد بحدة طفيفة:
- والله لو اتخانقوا ولا اتصالحوا أنا مالي؟
ضحكت أخرى بإستفزاز:
- ده إنتي بنت كبيرة العيلة، ولا نسيتي؟
ردت وهي تعقد ذراعيها:
- لا مش ناسيه يا ختي وهو ده الي مخليني مخنوقه أكثر من ما انا مخنوقة.
فقد كانت جميلة بصورة ملفته، بشرتها قمحية ناعمه، وشعرها أسود طويل كالهنود، وعيناها الواسعتان كالغزال تمتلئان بالحياة والمشاكسة...
دخلت والدتها فجأة لتقول ببعض الحدة:
- اقعدي عدل يا ريحانة!
اعتدلت بسرعه وهي تتمتم:
- هو انا في الجيش؟ وانا ما عرفيش ولا ايه ياما؟
نظرت لها أمها بتحذير:
- بطلي هزارك انهردا بذات لان مش وقتوا خالص!
رفعت ريحانة حاجبيها دلالة على إستغراب لترد بحيرة:
- ليه يعني فيه ايه؟
تنهدت والدتها فصغيرتها لزالت لا تعلم ابعاد الموضوع وما يمكن ان يؤول له الوضع لتقول بعد زفره طويلة:
- ربنا يستر ملي جاي.
لا تعلم ريحانة لما شعرت بوخز في قلبها من كلمات والدتها، وشعرت بأن شيئًا كبيرًا سيحدث...
ساد الصمت بعد كلام مقدم رئيس المباحث داخل الاجتماع، ليقول هذا الأخير بعد لحظات وهو يتقدم بخطوة للأمام:
- الحل موجود.
ارتفعت الأنظار نحوه، ليكمل كلامه:
- حل ينهي الدم نهائي، ومن عوايدكم كمان يعني مش حاجه جديدة..
سأل الحاج سليمان:
- وإيه هو؟
ليجيب بثبات وقوة:
- النسب يا حج.
ساد صمت ثقيل، ثم تابع بترقب لردود الأفعال:
- زيدان الشافعي يتجوز بنتك.
وكأن قنبلة انفجرت بالمكان، وقف بعض الرجال فجأة، مستنكرين القول وارتفعت الأصوات:
- مستحيل!
- كيف يعني؟
- ده جنان!
أما زيدان... فلم يحرك ساكن كأنه يتنافس مع نفسه على عدم ابداء أي رد فعل، لكنه هذه المرة رفع رأسه قليلا...
أما الحاج سليمان فقد كان يبدوا مصدوما، ليفيق من ذهوله على صوت أحد من رجال عائلة علوان:
- يعني في أخر بنتنا تتجوز من الشافعي؟
رد رئيس المباحث بحكمة:
- بدل ما تموتوا بعض تبقوا سند وقوة لبعض..
تبادل الجميع النظرات، فهي فكرة مجنونة بعد عداوة دامت لخمسة عشر سنة، لكنها حاليا تعتبر الحل الأمثل لإنهاء العداوة وسنوات الدم وثأر.
في قصر علوان، دخل أحد الغفر مسرعًا، وملامحه تملأها التوتر وهو يصرخ:
- يا حجّة... يا حجّة...
إلتفت له أمينة وهي تقول بحدة:
- إيه خير فيه ايه؟ بتجري على ملا وشك كده ليه؟ في حد حصلوا حاجه؟
قال وهو يحاول اللحاق بأنفاسه الهاربة:
- لا لا كلهم كويسين، بس جماعة هناك وافقوا على الجوازة.
شهقت النساء، وأغمضت أمينة عينيها فما كانت تخافه قد حدث، أما ريحانة فقد حدقت بهم بعدم فهم، لتقول متسائلة:
- جوازة مين بمين؟
رد الغفير:
- جوازتك يا هانم... بزيدان الشافعي.
سقط الهاتف من يدها، وتجمدت كل ملامحها لتصرخ:
- نعم؟؟؟ أنا أتجوز مين؟ زيدان الشافعي ايه جنان ده؟
لتقول بعد صمت دام لحظات كأنها تحاول استعاب صدمتها:
- هو حد خد رأي أصلا عشان يوافقوا؟
ردت أمها بهدوء فهذه العادات هنا:
- ده قرار رجالة العيلة.
لتصرخ بغضب ظاهر دون أن تسطيع التحكم في نفسها:
- وأنا مالي ومال رجالة العيلة ان شاء الله؟ وهما مين أصلا عشان يقرروا انا اتزوج مين وما تزوجشي مين؟ هو ايه اصلوا ده؟
لكنها توقفت فجأة ومن يرى المنظر يجزم انه قد أصابها مس من الجنون، فقد تذكرت ابن عمتها، ذلك اللزج وزواجها منه الذي يتقاوله العائلة بإستمرار رغم رفضها للموضوع، فقطبت حاجبيها وارتسمت ابتسامة على شافتيها لا يمكن تحديد مهياتها....
ثم هتفت بينها وبين نفسها:
- على الأقل خلصت من أبن سرمه الثاني...
ولأول مرة يخالجها شعورين متناقضين فهي لا تعلم هل تفرح ام تغضب....
عاد الجميع بنظر نحو زيدان، فالمجلس كله ينتظر كلمته فهو أساس الأمر كله، وقف زيدان ببطء فبدأ أطول وأكثر هيبة، ثم قال بصوته العميق:
- لو الجوازة دي هتوقف الدم.... أنا موافق.
ساد الصمت. ليكمل:
- بس في كلمة حقولها للكل.
لتلتفت له أنظار الجميع:
- من النهارده اللي هيرفع سلاح على علوان يبقى رفعه على الشافعي، وأعتقد الكل عارف ان انا ما بلعبيش في حق عيلتي...
تبادل الرجال النظرات فهو يعلنها صريحتا ان عائلة علوان قد أصبح عائلة زوجته وعائلته، ليكمل بصرامة وقسوة:
- واللي هيخالف كلامي حيتحاسب، وحساب زيدان الشافعي عسير..
أذعن الجميع لكلامه حتى أعمامه أنفسهم لم يعارضوا، فكلمة زيدان داخل عائلته أمر لا يمكن مناقشته.
اقترب منه جده راضي الشافعي وهو يستند على عكازه ليرتب بفخر على كتفه وهو يقول:
- عشان كده اخترتك كبير عيلة الشافعي.
أومأ زيدان برأسه دون أن ينبت أي كلمة، بينما كانت عيناه تتجهان نحو الأفق البعيد، وهو يفكر في الفتاة التي أصبحت خطيبته دون أن يراها إلا مرات قليلة ومن بعيد....
حلت نسمات الليل على قنا، وكان القمر مكتملاً فوق الأراضي الزراعية الواسعة، وكانت تقف بدر عائلة علوان في شرفت تعصر طرف حجابها بين أصابعها من شدة توترها وقلقها...
تشعر بحيرة وضياع لا مثيل لها، أفاقت من شرودها على صوت أخيها الكبير وهو يقول بحنان أخوي:
- سرحانه في ايه يا خيتي؟
التفتت له بإبتسامة متوتره وهي ترد:
- أنا خايفه!
اقترب منها وقام بإحتضانها ليرد وجه مطمئن:
- من زيدان؟
هزت رأسها بالموافقة، وتنهدت بقلق وهي تدفن نفسها في حضن أخيها لتكمل:
- الناس كلها بتخاف منه وبتعمل ألف حساب!
تبسم بخفه وهو يقبل مقدمة رأسه:
- بس هو رغم عداوتنا راجل من ظهر راجل وعمرنا ما سمعنا إنه ظلم حد بالعكس ده كل الناس بتحلف بيه وبعدل ووقوف مع ضعيف قبل قوي.....
سكتت للحظات ثم قالت بفضول:
- هو شكل عامل إزاي؟
ضحك أخوها ملأ فمه ليقول لمشاكسه:
- لا والله يا خيتي ما ليش في رجاله للأسف!
لتضربه بخفه في ذراعه وتنخمس معه في ضحك....
في الإسطبل تابع لقصر عائلة الشافعي كان زيدان يقف وهو يمسح على رقبة حصانه الأسود، بينما يتذكر ملامح فتاة قد لمحها مرة من بعيد تركض بين أشجار المانجو وتضحك كطفلة صغيرة فرحة برحلة مدرسية قد أرسلت لها....
تمتم لنفسه:
- ريحانة علوان...
ثم ابتسم ابتسامة واسعة لأول مرة منذ أيام طويلة، فهو بسبب منصبه قد أخفى بسمته لدرجة انه نسى انه يستطيع الابتسامة، فاليوم كانت بداية جديدة لكلتا العائلتين...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!