وضع القراءة:

الفصل الثاني: عريس من نار

أشرقت صباح يوم جديد لتستيقظ ريحانة على أصوات النسوة تملأ قصر علوان، فمنذ إعلان الصلح، تحول القصر إلى خلية نحل، كل من له رأي يريد أن يبديه، وكل قريبة قادمة لنصح ريحانة كأنها مقبلة على حرب عالمية لا زواج.....
جلست أمام المرأة وهي تنظر لنفسها بتجهم لتدخل عليها هدير ابنة خالتها وهي تضحك على منظرها طفولي:
- مالها عروستنا الجمر مبوزه ليه؟
رمقتها ريحانة بنظرة نارية:
- عروسة مين وزفت ايه؟
تلاعبت هدير بحاجبيها وهي تشاكسها:
- عروسة زيدان الشافعي.
لكن ما ان أكلمت كلامها حتى وجدت وسادة ترتطم بوجهها، وصوت ريحانة الحادة يقول:
- اغربي عن وشي سعادي مش ناقصاكي.
ضحكت هدير أكثر لتقول بحنان وحب وهي تقترب منها:
- طب قوليلي بس ايه الي مزعلك يا جمري؟
صمتت ريحانة بعض الوقت، ثم قالت بصوت منخفض:
- مش عارفه والله يا خيتي؟
هدير بإستغراب:
- هو في حد ما يكونشي عارف هو مالوا يا حبيبتي؟
تنهدت وهي تقول:
- مش عارفه ملغبطه كل حاجه حصلت بسرعة!
نظرت للبعيد من نافذتها لتتنهد قائلة:
- كل حاجه حصلت بسرعة وفجأة ومن غير مقدمات، طول عمري كنت فاكرة إني هتجوز ابن عمتي غصب عني..
إبتسمت هدير وهي ترتب على كتفها:
- طب ودلوقتي يا خيتي حس بايه؟
- دلوقتي رايحه أتجوز واحد ما أعرفيش عنيه حاجه واصل غير إن الناس كلياتها بتترعب منه..
لتضحك هدير بخبث محبب:
- بس كل بنات النجع بتحلم بيه يا خيتي!
رفعت ريحانة إحدى حاجبيها:
- وده يهمني فيه ايه ان شاء الله؟
هدير بمشاكسه:
- انا بس قولت اوعيكي يا حبيبتي ان زوجك كل بيتمنى بس نظره منه فحبي على طيرك يا صغنن..
نظرت لها ريحانة بوعيد:
- طب بس لقوملك وانتي عارفاني مش ححلك...
لتقهقه هدير وهي تتجه للخارج وتقول:
- لا وعلى ايه؟ انا حروح اشوف لو خالتي عايزا مساعده ولا حاجه؟
ما ان أصبحت بفردها لم تستطيع أن توقف تفكيرها في ذلك الرجل الذي وافق على الزواج دون تردد وهو لم يرها يوما، وكأنه يؤدي مهمة من مهام يومه لا أكثر.
كان زيدان يجلس أمام مكتب ضخم من الخشب داخل ديوان الشافعي، حولَه مجموعة من الرجال يتحدثون عن الأراضي والمصانع وصفقات جديدة.
لكن عقله كان مشتت وفي مكان بعيد عن مكان تواجده، دخل الجد الى الغرفة فوقف الجميع احترامًا له.
ابتسم راضي بحبور ليقول بوقار:
- سيبونا أنا وزيدان لوحدينا هبابه.
خرج الجميع ليجلس الجد مقابل لحفيده ليقول بعد ما لاحظ تشتت فكره:
- مبسوط؟
رفع زيدان عينيه بإستغراب لجده فهذه أول مرة يسئله جده هذا السؤال، ليرد بإستغراب واضح:
- من إيه؟
الجد:
- من الجوازة من بنت علوان؟
ابتسم ابتسامة سخرية من القدر ليجيب:
- دي مش جوازة حب يا جدي؟ هو انا الي حقولك يعني؟
أجابة راضي بحكمة اكتسبها مع زمن:
- ومين قال إن الحب لازم يجي الأول يا بني؟
صمت زيدان يستمع لجده بتركيز ليكمل راضي كلامه:
- أنا لم اتجوزت جدتك ما كنتيش أعرفها ولا بحبها، بس بعد ما عشرتها عشقتها كيف عشقي للهواء الي بتنفسه.
ابتسم زيدان على ذكرى جدته ليرد على جده:
- بس زمنا غير الزمن يا جدي؟
نظره له جده قائلا بصرامه:
- بس الرجالة لسه رجاله برضوا ولا ايه؟
نظره له مطولا بعمق وبعدها قال بحبور:
- اسمع يا زيدان... البنيه دي جايه بينا وهي شايله هم الدنيا كلها فوق رأسها.. اوعاك يا بني...
قاطع زيدان كلام جده بجدية:
- من غير ما تقول يا جدي ما حديش هيظلمها طول ما انا موجود.
ابتسم راضي برضا، ليرتب على يد زيدان الموضوع على مكتب وهو يردد:
- عفارم عليكي يا ولدي.
ليتجه بعدها خارجا فهذا بالضبط الذي كان أتي من أجله وقد اطمئن قلبه...
بعد لحظات كان تقف سيارة رباعية الدفع في وسط طريق بين محاصيل زراعية، حيث كان زيدان الشافعي يستند على مقدمتها لتأتي في مقابله نفس سيارة لتقف على مقربة منه وينزل منها وليد علوان الذي ما رأى زيدان حتى قال مستفزا:
- ايه يا أبو نسب جاي تخلص عليا ولا ايه؟
نظره له زيدان نظرات حارقة ليرد:
- ومن ميتا زيدان الشافعي بيخلف كلمة قالها يا ابن علوان؟
وليد ما ان وقف أمامه:
- والله ليك وحشه يا شيقي..
رغم جمود ملامح زيدان إلا ان عينيه ضحكت ليرد:
- وانت كمان يا خيلي، أخبار دنيتك ايه؟
وليد بود:
- كل تمام بعد الهدنة الي حصلت بين العلتين..
زيدان بتفهم:
- طب الحمد الله..
تحرك زيدان الي سيارته تحت انظار الأخر ليحضر علبة مغلفة ويعود لمكان وقوف وليد ويعطيها له قائلا:
- خدي دي إديها للجماعة.
امسك وليد الهدية ليقول بمشاكسة:
- والله وكبرت يا شقي وبقى ليك جماعة، لا وشوف نصيب وقعك في أختي...
نظره له زيدان بنظرات حارقة، وتركه وتجه الي سيارته وقادها تاركا خلفه وليد يقهقه ليقول محدثا نفسه بحب لخله:
- والله وجاء اليوم الي زيدان الشافعي ما يقدريش يرد عليا.
في بيت على أطراف النجع كان الغضب يملأ المكان حيث جلس فارس ابن عمة ريحانة وهو يضرب كل ما تطاله يده ليصرخ بغيظ:
- يعني ايه يتجوزها الشافعي؟
قالت والده وهي تحاول امتصاص غضبه:
- دي أوامر الكبار يا بني!
نظره لها وعلى ملامحه غضب الشياطين ليقول بهسيس:
- طب وأنا؟
الأم بمحايلة:
- خلاص يا ولدي انساها مش نصيبك يا حبيبي.
قال بعنف ووعيد:
- لا مش خلاص، ريحانة دي حقي وانا حعرف أرجع حقي كويس أوي..
ليخرج من المنزل وهو يحمل شياطينه معه، ويترك والدته تطلب من الله هدايته فهي لأول مرة تشعر بالخوف من هذا الحب الذي يكنه ابنها لإبنة أخيها....
كانت ريحانة تتجول في الحديقة الخلفية للقصر، كعادتها منذ الصغر تسير بين الأشجار تقطف ثمار المانجو الصغيرة قبل نضجها لتقوم بعمل المربة التي تعشقه، لتسمع فجأة صوت أخيها ينادي:
- ريحانة انتي يا بت!
التفتت اليه بسرعه وهي تقول:
- نعم انا هنا اهو.
اقترب منها وهو يحمل علبتا أنيقة ليقول بحب:
- ده جاي من الشافعي.
اتسعت عيناها من الصدمة لتقول:
- ليا أنا؟
- أيوه.
خطفت من يده الهدية وفتحتها بسرعة لتجد بداخله هاتف جديد وفخم للغاية ويعتبر أخر طراز ومعه ورقة صغيرة انيقة، فتحتها بتوتر لتجد قد خط بداخلها جملة واحدة فقط:
- " أي احتياج ليكي كلميني ".
وتحت الجملة رقم هاتف، حدقت طويلا في ورقة...
اما وليد فقد كان يحاول السيطرة على ضحكات فهذا المتوقع من زيدان الشافعي لكن ملامح الصدمة على صغيرته تجعله غير قادر على السيطة على ضحكاته لينفجر أخيرا عندما نطقت اخته ما تقوله ملامحها وهي:
- هو ده كل الي ربنا قدره وكتب؟
قهقها وليد عاليا ليقول من بين ضحكاته:
- كنت مستنيا ايه قصيد حب مثلا؟
رمقته بغيظ لتقول:
- صنف بارد صحيح.
تقدمت ناحية غرفتها تحت ضحكات وليد على غيظها، لكنها اثناء تقدمها أخفت الورقة داخل كفها، وقربت كفها من قلبها الذي ما ان قرأت كلمات البسيطة التي خطها زيدان بخط يده حتى انطلقت طبول نابضها تدق دون توقف...
في المساء جلست ريحانة في غرفتها وهاتفها الجديد أمامها، تارة تمسكه، وتارة تضعه جانبًا. لتقرر أخيرا تجريب حظها، لتقوم بكتابة رسالة قصيرة:
- " السلام عليكم ".
وأرسلتها بسرعة لكي لا تقوم بحذفها كسابقاتها، ثم ألقت بالهاتف على السرير وكأنه قنبلة... لتمر دقيقة، اثنان، ثلاث... ليعلن الهاتف عن وصول رسالة:
- " وعليكم السلام ".
حدقت بالشاشة بصدمة لتهمس لنفسها:
- بس؟
تأفف لتكتب:
- " إزيك؟ ".
ليصل الرد بعد لحظات:
- " الحمد الله ".
لتفتح فمها كبلهاء ثم تقول بغيض:
- يا نهار أبيض! إيه برود ده؟
ثم كتبت بعض العصبية:
- " هو حضرتك العادي بتاعك انك تتكلم كده دايما؟ "
هذه المرة جاء الرد سريعا:
- " غالبًا ".
لتنفجر بضحك رغم غيظها الشديد منه ومن رده، لكنها لأول مرة منذ معرفتها بزواجهم يخالجها شعور مختلف، فهي شعرت ان زوجها المستقبلي بعيد كل البعد عن ما وصفوه لها...
بعد يومين وصلت عائلة الحج سليمان علوان إلى قصر الشافعي بعد دعوة الحاج راضي لهم لترى العروس جناحها وتطلب التعديلات التي تريدها قبل الزفاف...
كانت ريحانة أول مرة ترى القصر عن قرب فهو أشبه بقلعة كبيرة، فهيبة المكان وحدها كفيلة بإخافة أي شخص، لكن رغم هذه المشاعر المتخاطبة كانت تحاول التظاهر بالشجاعة، فبعد الترحيب دخلت هي ووالدتها رفقة النساء عائلة الشافعي... ورجال ذهب للجلوس في ديوان إلى معاد الغذاء...
استأذنت ريحانة إلى الدخول للحمام، فطلبت أمل من إحدى الخدم أن تري ريحانة مكان الحمام، ما ان أوصلتها الخادمة للحمام حتى استأذن منها لتعود للمطبخ....
دخلت ريحانة اكرمكم الله وبعد لحظات خرجت واتجهت للعودة لمكان نساء لكنها كانت تنظر حولها بإنبهار، فتصميم القصر من داخل فاق الخيال. لتصطدم فجأه بشخص ما وكادت أن تسقط، لكن يدًا قوية أمسكتها قبل وقوعها لترفع رأسها بسرعة، وتتجمد مكانها....
فقد كان زيدان منقذها، فقد كان قريب منها جدااا فوق المتوقع، وأكثر وسامة مما وصفه الجميع، فعيناه السوداويتين كانتا ثابتتين عليها...
اما ريحانة فقد نسيت للحظة كيف تتكلم أو ماذا تفعل، قال بهدوء وهو يبتعد عنها قليلا:
- خلي بالك.
ابتلعت ريقها وانزلت عينيها لترد:
- حاضر.
رغم ابتعاده عنها منذ دقائق لكنها مازالت تشعر بحرارة كفه بيدها، أما هو فقد أدرك لأول مرة أن تلك مشاغبة الصغيرة ليست مجرد وسيلة لإنهاء الثأر، بل هي الفتاة الوحيدة التي استطاعت تحريك نبضات خافقه الذي يدق بين ضلوعه أول ما إن يراها كأنه في مرتون عدوا....
فقد تبادلوا النظرات لثواني قصيرة لكنها كانت كفيلة لزرع شيء جديد داخل قلبيهما، شيئا لم يكن ضمن اتفاق الصلح ولا ضمن حساب أي أحد من العائلتين...
بعد الغذاء توجهت ريحانة مع أمل لجناح المخصص بزيدان التي يقوم بتجدديه لتراه وتطلب التعديلات التي تريدها، قامت أمل بجلوس على أريكة موجودة في زاوية في الغرفة وجلست بجانبها ريحانه، لتقول لها ببعض الود:
- ما تخافيش يا بنتي انا شبهك بضبط جيت العيلة دي في حكاية ثار، والحمد الله عشت زي الفل وسطيهم وخلفت عيالي كمان.
ابتسمت بود لتقول:
- انا مش عارفه انا حس بإيه يا خاله؟
أمل وهي تمسد على رأسها:
- ولا يهمك يا حبيبتي ده طبيعي انتي حتسيبي كل عيلتيك وتدخلي عيلة جديدة كل الاحاسيس الي بتحسها عادي يا نضري، انا بس عايزاكي ما تسمعيش كلام أي حد على زيدان هو قلب أبيض وحنين سيبيك من الوش الي مصدرو ده غصب عنوا بسبب ان الكبير وكده بس معاملة مع أهل بيت غير أي حد ماشي يا بتي..
أومأ ريحانه بتفهم، لتكمل أمل:
- ياه خدنا الكلام ونسيت اقولك، ها هتعوزي ايه في جناح بقي؟
لم تتشرط ريحانه بل أخبرتها انها موافقه على كل ما قام به دون جدال لتقبل أمل مقدمة رأسها وهي تخبرها:
- ربنا يخاليكي بعقلك يا بتي...
عندما كانت ريحانة تنزل السلالم مع أمل لكي يعود لمكان تواجد النسوة كان الحج راضي الشافعي يخرج من ديوان الذي يتواجد به الرجال مع زيدان وما ان لمحى ريحانة وأمل حتى قال بهدوء:
- أمل وصلي ريحانة المكتب عايزها في كلمتين!
لترد أمل بإبتسامة:
- حاضر يا عمي..
لكن لاحظ كل من راضي وزيدان خوف ريحانة وتمسكها كطفلة في يد أمل التي رتبت على يدها مطمئنة لتسير معها في اتجاه المكتب، لينظرا لبعضهما البعض وهما يبتسمان بتفهم، فهم على دراية ان أمل ستضع ريحانة تحت جناحها وتدافع عنها كما تدافع على أطفالها فقد اعتبرتها زوجة إبنها وانتهى الأمر....
بعد لحظات كانت تجلس امام المكتب ومعها أمل ليدخل زيدان ومعه راضي ليجلس الأخير في مقابل لريحانة التي ما ان رأته على قرب حتى إبتسمت بعفوية ليبادلها البسمة وهو يقول بود:
- أخبارك ايه يا بتي؟
ريحانة بإحترام:
- بخير يا جدي انت أخبار صحتك ايه؟
راضي بحب:
- بخير يا بتي طول ما انتم بخير...
ليكمل بعدها وهو ينظر لأمل:
- ما فيش حاجه نشربها يا أمل ولا ايه؟
قامت أمل من مكانها وهي تتجه خارجا:
- حاضر يا عمي حالا اهو.
وينظر لزيدان الذي فهم ان جده يريد الإنفراد بريحانة ليخرج من مكتب تحث نظرات ريحانة مستغربة لخروجه دون كلمة لينتبه جده من هذا الاستغراب الواضح على ملامحها ليقول بحب:
- الوحيد الي بيفهمني من نظرة عيني ومش محتاج أقول كلمة عشان ينفذ الي أنا عايزه...
ابتسمت ريحانة لتقول بود:
- ربنا يخاليكم لبعض، ها يا جدي عايز مني ايه بقي؟
رتب الجد على يدها وهو يقول:
- بقي في حد غير زيدان فهمني اهو...
ابتسمت بود، ليقول الحج راضي وهو ينظر بعمق في عينيها:
- كنت عايز اقولك انا عارف ان الوقت اتغير عن سابق، بس القلوب ووليفها بيبقوا عارفين بعض من نظره، فما تقفليش قلبك يا بتي عشان زواج ثار في زواجات كثير كانت عشق وما كملتيش، وكان في زواجات ياما بسبب تقاليد وعادات وكملت وعمرت، انا عايزك تحاربي وتجربي وتعافري عشان زواجتك تبقى زواجت الدهر يا بنيتي...
رتبت ريحانة على يد الجد مطمئنة:
- حاضر يا جدي، بس سؤال اكديه هو كلام ده لست بس ولا لراجل كمان...
ابتسم رضا بحب وهو يرد على مشاكستها له:
- للاثنين يا غاليه وحياتك كلمت قبل ما كلمت وخدت منه عهد رجال إن يحميكي ويحافظ عليكي...
قامت ريحانة وقبلت مقدمة رأس الجد مع دخول أمل التي ابتسمت من حركة ريحانة لتقول الأخيرة بهمس:
- ربنا يخاليك لينا يا جدي.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.