وضع القراءة:

الفصل الرابع: داخل بيت الشافعي

وقفت سيارة العروس أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر الشافعي، فقط كان القصر رغم كبره مزين بالكامل، ورجال عائلة الشافعي يستقبلون كبيرهم وزوجته بكل حفاوة وفرح....
شعرت ريحانة ببعض الخوف يتسلل لداخل قلبها، فلم تتخيل يوما أنها ستدخل هذا القصر وهي عروسه فهي لا تنسى ما سمعته من حكايات عنه وعن العائلة التي تقطن بداخله...
فتح زيدان باب السيارة بنفسه ثم مد يده إليها، خافت في أول وودت ان يرجعها لـأهلها لكنها بعد لحظات من الزمن سمح فيها زيدان لها ان تسيطر على مشاعرها، وضعت كفها داخل يده الممدودة لها لتنزل بهدوء وسلاله بمساعدته لها. بينما كانت العيون كلها تتابعهم عن كثب فعيون محبه ومرحبة وأخرى فضوليا، أما أخرى لا تستطيع إخفاء رفضها وكرها لما يحدث..
همست ريحانة بصوت لم يسمع لغيره:
- يا بوي كل دول مستنيينا؟
رد زيدان بنفس الهمس:
- دي عيلة الشافعي كلها تقريبًا.
اتسعت عيناها بصدمة بتقول دون وعي منها:
- يا ساتر يا رب ليه حنحارب اياك؟
كادت أن تفلت منه قهقه عليها فهي تشبه الأطفال في ردودها لكن تمالك نفسه بمعجزة، ثم قادها إلى الداخل، وهناك تقدمت منها امرأة في الخمسينات من عمرها ولم تكن إلا أمل لتحتضن ريحانة وهي تقول بود:
- نورتِ بيتك يا مرات إبني.
بدالتها الإبتسامة لترد:
- منوره بيكم ياما.
ابتسم كبار العائلة بحبور فيبدو أن ابنت عائلة علوان قد تربت على الأصالة وإحترام العائلة وهذا المطلوب في زوجة كبير عائلة، أما هي فقد بدأت تشعر ببعض الراحة لأول مرة منذ بداية هذا اليوم العصيب..
بعد جلوسهم بدأت ريحانة تتعرف على أفراد العائلة، كأعمام زيدان وزوجاتهم، وأبنائهم، وبناتهم. فقد كانت أسماء كثيرة وحاولت حفظ أغلبيتها، لكنها لاحظت شيئًا غريبًا، كلما دخل زيدان مكانًا ساد الصمت، وكلما تكلم استمع الجميع حتى أعمامه الأكبر سنًا.
وفي إحدى لحظات قالت إحدى سيدات لأمل بود:
- الحمد الله إن الكبير اتجوز أخيرا يا أمل، ربنا يفرحك بعوض ان شاء الله.
لتضحك أخرى بعد تأميمهم على كلامها وتسرد:
- والله انا فرحتي مش عطياها لحد ده إحنا كنا فاكرينه مش هيتجوز أبدًا.
لتقول أمل بتكشيره:
- ليه يعني؟
أجابت امرأة مسنة لتراضي أمل:
- عشان طول عمره شاغل نفسه بالشغل والخيل، انتي ناسيه ان هو شايل مسؤولية عيله كاملة من هو عنده سبعة وعشرين سنة بس.
ليبتسم الجميع بفخر، أما ريحانة فقد نظرت لزيدان الجالس بعيدًا يتحدث مع الرجال، وهي ترى حجم العبء الذي يحمله فوق كتفيه وهي تخبر نفسها أنا على استعداد لمساندته وحمل معه حتى قليل...
في صباح اليوم التالي، استيقظت ريحانة مبكرًا فهي مازالت لم تعتد على مكان نومها الجديد، وبعد لحظات من جلوسها هاجمها الملل لترتدي عباية شيك وتضبط طرحتها وخرجت لتتجول داخل القصر، لتنبهر بالمكان وأشجار ضخمة ونافورة كبيرة تتوسط مساحات خضراء واسعة، ليقع نظرها على الإسطبل لتتجه نحوه بفضول، وما ان دخلت حتى وقفت مبهورة من كمية الخيول العربية الأصيلة، فنعم هي رأت خيول اخواتها وأقاربها لكنهم لو جمعوها لن تكون نصف ما تنظر له، فقد كانت الخيول جميلة بصورة لا تصدق وهي ترى كل الألوان التي خلقها الله عز وجل في هذه المخلوقات الجميلة ورائعة. لتقترب من حصان أبيض ومدت يدها لترتب عليه، فهي تعودت على هذا مع حضان أخيها، لكنها لا تعلم أن الحصان يجب ان يتعود على شخص، فما ان حاولت الوصول للحصان حتى انتفض هذا الأخير فجأة، لتشهق بخوف وتتراجع بسرعة، وما ان التفتت حتى تفجأت بزيدان يقف خلفها:
- ما تقربيش منه كده!
لتضع يدها على قلبها الذي كاد ان يتوقف من الخوف:
- خوفتني
اقترب من الحصان ورتب على عنقه فهدأ فورًا. لتقول بدهشة:
- ايه دي، ده وسطه ولا ايه؟
نظره إليها بإستغراب:
- وسطه؟
لترد له بضيق حاولت جاهدة اخفائه:
- أه بيسمع كلامك ازاي بقي لو مش واسطه؟
رد زيدان وهو يخالب نفسه كي لا يضحك:
- طبيعي عشان أنا اللي مربيه.
ابتسمت براحه وهي تقلب عينها على كل ما موجود في اسطبل لتقول:
- هو انت مربيهم كلهم.
- ايوه.
لتسئل بإستفهام:
- شكلهم بحبوك، انت اول ما دخلت كلهم وقفوا ويتابعوك...
نظره لحصانه الأدهم الذي اقترب منه وهو يرد بصوت هادئ ورخيم:
- الخيل أوفى صديق وخل ممكن تخديه في حياتك لان عمره ما يخون صاحبه...
لا تعلم لما شعرت أن الجملة تحمل معاني أعمق من مجرد حديث عن الخيول....
كانت حرفيا في حضنه وهي تركب معه الأدهم في جولة صباحية كما عودها منذ أسبوعين، فقد قرر أن تكون هذه مساحتهم الخاصة حيث تشرق شمس كل يوم جديد وهي في حضنه توقف على سفح جبلي ينظرون إلى قرص الشمس وهو يبدأ بصعود ليتألق في سمائه، ليفيق من روعة هذا المنظر على صوت وليد المحبب لهما وهو يقول:
- صباح الخير على كناري الحب في قنا كلياتها.
نظره له زيدان بوعيد بينما ريحانة خجلت من نظرات اخيها لتغرس وجها داخل حضن زيدان الذي ابتسم على فعلتها ليقوم بضمها أكثر لحضنه، وهو يرد:
- خف يا خفيف بكره تبقي تحت ايدي مش هرحمك.
قهقه وليد بحب:
- واهون عليك يا خيلي؟
زيدان بمراوغه:
- اه عادي عشان كلاحتك دي!
مثل وليد الصدمة وهو يقول مشهدا اخته:
- خليك فكره يا ريحانة الي زوجك قالوا عشان لم تحصل في أمور أمور افكرك..
ابتسمت ريحانة بحب فهي كانت تتمنى دائما ان تكون علاقة زوجها لإخواتها جميلة خصوصا وليد، وكانت تخاف هذا الزواج بسبب هذا الموضوع لكنها تفاجأة منذ فترة انه يوجد علاقة صداقة واخوه قديمة بين وليد وزيدان دون علم أحد، لا تنكر انها فرحت بذلك كثيرا اكثر من فرحها من تخلصها من زواج ابن عمتها، افاقت من شرودها على كلمات وليد المشاكسة:
- ايه يا ريحانة قلبي روحتي فين؟
نظره له زيدان ليقول بغيره واضحة:
- مش حنخلص من رزالتك انهردا ولا ايه؟
وليد بمشاكسة:
- لا، ايه بتغير عليها ولا ايه؟ دي خيتي على فكره؟
نظره له زيدان بغضب حاول اخفائه وهو يقول بوعيد:
- حسابنا بعدين بعيد عن حريم يا شيقي....
تحرك الأدهم عائدا للقصر تحت ضحكات وليد الذي صرخ:
- حنيني قلب عليا يا ابنت ابوي..
ضحكت ريحانة وهي ترد:
- ماليش صالح بيناتكم يا خي.
قبلة زيدان مقدمة رأسها هامسا:
- ربنا يباركلي فيك يا ريحانتي..
بعد الظهيرة... كانت ريحانة تتناول الغداء مع نساء العائلة، لتنظر لها سمر بتعالي وهي إحدى بنات عم زيدان وتقول:
- أكيد الحياة هنا مختلفة عن بيت علوان؟
ابتسمت ريحانة:
- أكيد
لتقول مغزى لا يخلى من إستهزاء:
- وهتعرفي إن بيت الشافعي ليه قوانينه.
فهمت ريحانة المغزى من كلامها وانها تريد إستفزازها ليحدث أول صدام لدا قررت عدم الرد، لكن عدم ردها جعل سمر تغلي لتكمل:
- بس مش كل الناس تقدر تعيش هنا؟
هنا رفعت ريحانة رأسها وهي تواجها بإبتسامة واسعة:
- في دي عندك حق وانا مش زي حد!
ضحكة احدى بنات عم زيدان التي تجمعها هي وريحانة صداقة وليدة المهد فهي أحبت قوة ورد ريحانة جدا، ليحمر وجه سمر غيظًا وهي تقول لبنت عمها:
- فرحانه اوووي يا ختي؟
دخلت في تلك اللحظة أمل لتفهم ما يحدث فورا لتقول بحزم:
- ريحانة مرات الكبير... والكل يحترمها، لان احترامها من احترام الكبير والعكس صحيح وانتم عرفين الي يجي على الكبير بيحصلوا ايه؟
ساد الصمت، أما ريحانة فشعرت بالامتنان لتلك المرأة الطبية التي لم تتركها أبدا من يوم دخولها هذا القصر وكانت دائما الذرع الحامي لها....
في المساء، اجتمع الرجال في الديوان وكان زيدان يناقش بعض أمور الأراضي ومصانع، وفجأة دخل أحد العمال مسرعًا وهو يردد:
- يا كبير يا كبير في مشكلة...
رفع زيدان رأسه بهدوء يتميز به:
- خير.
- الأرض الغربية حصل فيها خلاف بين العمال يا كبير.
وقف سرعًا من مكانه قائلا:
- أنا جاي.
خرج معه الرجال وبعد ساعة كاملة عاد ليجلس في مجلس عربي يتوسط مجلس الصلح، كانت ريحانة تراقبه من الشرفة، لتلاحظ كيف كان الجميع ينتظر حكمه، وكيف انتهى خلاف له ساعات بمجرد كلمه منه، بعد مغادرة الجميع دخل القصر لتقترب منه وتقول بتردد ملحوظ:
- ليه الناس كلها بتسمع كلامك من غير ما تناقشك؟
نظر لها وقال ببساطة:
- عشان عمري ما ظلمت حد، واليوم الي حظلم فيه حد ما حدش بعدها حيسمعلي كلمة.
صمتت للحظات ثم نظرة له نظرات اعجاب لتبتسم وهي تقول:
- جواب زكي...
لأول مرة تظهر ابتسامته الحقيقة على وجهه ليرد:
- وإنتي حشرية وأسئلتك كثير يا ريحانتي...
ضحكت، أما زيدان فقد وجده نفسه تائه في عيناها الضاحكة وصوت ضحكاتها التي تطرب اذنيه، ليخفق نابضه بين ضلوعه بكل قوة وهو يعلن عشقه لريحانته.....
في تلك الليلة، كان زيدان يقف في مكتبه وهو ينظر إلى صورة جدته القديمة التي تتوسط جدار مكتبه، ليدخل جده وقال بإبتسامة خبيثة وهو يرى عقد زوجته على مكتب زيدان:
- شكلك ابتديت تحب مرتك؟
رفع زيجان حاجبه بإستغراب:
- مين قال؟
ضحك الجد:
- عينيك الي قالت يا ولدي.
صمت زيدان فهو لأول مره لا يجد رد فهو يكره الكذب فإذا لجأ لسكوت كحل مثالي، فهو بدأ يكتشف حقيقة مشاعره لكنه لم يملك جرأة الإعتراف بها...
كانت ريحانة تقف في الشرفة تتأمل السماء بنجومها التي تتلألأ مخبر الجميع أنها حلي السماء وبدونها يكون ليل كئيب، لتسمع طرق خفيف على باب الغرفة فأذنت بدخول...
ليدخل زيدان وهو يحمل علبة جميلة الشكل فقد كانت خشب ومنقوشه نقش مخصوص بطريقة أنيقة...
لتقول بإستغراب:
- ايه الصندوق الي في ايدك ده؟
قدمه زيدان لها وهو يخبرها بفتح وما ان فتحته حتى اتسعت عينيها من صدمة وانبهار فقد كان هناك عقد قديم جميل جداااا...
رفعت عينها بعد لحظات لزيدان الذي قال بصوت رخيم:
- كان لي سيتي، وقالت انه حيبقى نصيب ست البيت من بعدها...
لم تجد ردا لكلامه فهو يعلنها رسميا أنها أصبحت جزء من العائلة، لا لا ليس جزء فقط بل ركن هام في العائلة فهي ليست مجرد هدية. بل إعتراف عظيم بمكانتها وقيمتها بين عائلة الشافعي..
أما بعيدًا نوع ما عن قصر.... كان فارس يجلس في الظلام وعيناه تشتعلان حقدا وقد اتخذ قراره أخيرًا، فإذا لم يستطيع أخد ريحانة حقه، فهو سيدمر هذا الزواج ويرجع ثأر من أول وجديد...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.