كعكة باردة
كعكة باردة
جزء 6 من 6
وضع القراءة:

الذروة والحساب المتأخر

التاريخ: 15 يونيو 2026
المكان: العيادة النفسية للأب
كان الأب يجلس خلف مكتبه الخشبي الفاخر، يداوي جراح الناس ونفوسهم، وأعمى عن بيته. دخلت عليه الممرضة ووضعت ملفاً أبيض:
-"دكتور، هذا ملف الفتاة التي وصلت جثتها للتو إلى المستشفى الجامعي، الشرطة بحاجة لتقريرك النفسي الأولي بحكم أنها قريبتك، ووجدوا هذه الورقة في يدها."
_ قريبتي ؟
قالها مغمغما بريبة قبل ان يهمّ بفتح الملف ببرود ومهنية جافة.
الصفحة الأولى: صورة ابنته أماندا. طالبة الطب، الأولى على الدفعة، ذات التسعة عشر عاماً.
الصفحة الثانية: سبب الوفاة: "توقف مفاجئ في عضلة القلب نتيجة صدمة نفسية حادة واكتئاب جسيم ممتد."
سقط القلم من يده. شعر ببرودة الموت تسري في أطرافه. فتح الورقة المطوية المكتوبة بخط يدها المرتجف، وبدأ يقرأ:
"أبي.. أمي..
تذكرون عام الباك؟ حين بكيتُ لأحصل على كعكة صغيرة؟ أكلتُها باردة في غرفتي، بينما كنتم بالأمس تطلقون البارود والزغاريد وتجلبون الخيول لأخي الذي نال (11).. والتي لو نلتها أنا لربما طُردت من البيت!
البنت يا أبي لا تحتاج إلى حظر خروج، ولا إلى حرمان من العالم تحت مسمى 'التربية'. البنت تحتاج إلى 'نظرة'. تحتاج أن تشعر أنها غالية، أن نجاحها يملأ قلوبكم كما يملأه نجاح الذكور...وان كان دونيا !
كعكتكم الصغيرة قتلتني.. لأنني عرفتُ من خلالها حجمي في قلوبكم. تركتُ لكم المصحف مفتوحاً عند الآية التي لم أستطع إكمالها.. لأنكم كنتم الوعد الذي كسرني."
في تلك اللحظة، انهار العالم فوق رأس الطبيب النفسي. تيبست حنجرته، ولم يستطع إخراج حشرجة واحدة. وقف فجأة فمال الكرسي خلفه وسقط أرضاً. لم يعد طبيباً؛ أصبح أباً قاتلاً. أخذ يمزق ياقة قميصه وهو يشعر بالاختناق، ويمسك بصورتها ويصرخ صراخاً صامتاً، ودموعه تسيل بغزارة تحرق وجنتيه:
-"مالذي فعلته!!
سقط على ركبتيه، يضرب الأرض بيديه بقلة حيلة وانكسار مرير، وصوت نحيبه يدوي في أرجاء العيادة.
بينما الأب يغرق في نحيبه ممزقاً رسالة ابنته من شدة امساكه بها ، تحرك مقبض الباب ببطء. دخل طبيب آخر، زميله في المستشفى، كان يفرك جبهته بإعياء شديد وعيناه تتهربان من النظر في عيني الأب. وضع على المكتب بضعف شديد ملفاً أحمر اللون.. ملفاً أحمر خيل إليه انه مغطى ببقع حقيقية من دماء طازجة. قال بصوت متهدج ومبحوح:
-"عظم الله أجرك يا دكتور.. الحادث الذي وقع قبل قليل أمام باب المستشفى.. ابنك معاذ صدمته شاحنة وهو يحمي أخاه الأصغر طارق.. طُحن جسده بالكامل. وأخوه الصغير مات بجانبه بسكتة قلبية من هول المنظر... لم نُنقذ أحداً.. ماتا معاً."
تجمّد الكون. نظر الأب إلى الملف الأحمر الملطخ بالدماء.. وخيل إليه من شدة الفاجعة والذهول أن هذا اللون القاني ليس مجرد بقع، بل هو دم أبنائه الثلاثة معاً؛ دموعهم وأشلاؤهم ذابت في ذاك الغلاف البشع. لقد ذهب أولاده الثلاثة في يوم واحد. تحول الأب في ثانية من ربّ عائلة إلى رجل عقيم، هدم بيته بيده.
خرج الأب من المستشفى يجر جثته. وصل إلى البيت مكسوراً، منحني الظهر كعجوز في المئة.
فتح الباب.. كان البيت صامتاً صمتاً مرعباً، يفوح منه طعم البارود القديم ورائحة الحلوى الجافة. مشى بخطوات ثقيلة نحو الصالة.
هناك.. كانت الأم تجلس على الأرض. لم تكن تبكي، ولم تكن تصرخ. كانت تنظر إلى الفراغ بعينين زجاجيتين متسعتين، كمن أدرك خطيئته الكبرى قبل ثوانٍ من وقوع الكارثة. كانت ملامحها تقول إنها عرفت الآن، الآن فقط، حجم الجريمة التي ارتكبتها بنظراتها وزغاريد هاتفها وتفرقتها.
ارتمى الأب بجانبها، ووضع الملفين (الأبيض والأحمر) في حجرها. نظرت الأم إلى الأسماء، ثم نظرت إلى سقف الغرفة، وأطلقت صرخة مكتومة لم تخرج من حنجرتها، بل مزقت أحشاءها من الداخل.وطبعت انهار جارية على وجهها الشاحب
دخلا معاً إلى الغرفة الصامتة الباردة. على الطاولة، كان المصحف ما زال مفتوحاً على الصفحة (342). وبجانبه بقايا الكعكة العملاقة التي لم تسعد بها ابنتهما.
حدق الأب بالآية وتكملتها :
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
قبل ان يحتضن المصحف المفتوح بين يديه المرتجفتين، وسقطت قطرة دمع حارقة من عينيه لتستقر تماماً فوق كلمة ﴿أَمْنًا﴾.
ارتجفت شفتاه، وتجمدت حدقتاه وهو يقرأ الآية مراراً وتكراراً:
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
كانت الكلمة تلسعه كجمرة متقدة. تنفس بصعوبة، وصوت شحيجه يمزق سكون الغرفة الباردة، ثم التفت بنظرة مكسورة نحو الأم التي راحت عيناها تهميان في عجز وهي تميك رأسها بين يديها وتعض على شفتيها حتى ادمتا، ونطق بصوت مبحوح يتشح بالندم:
-"لقد خافت في بيتنا يا أم أماندا... خافت من جفائنا، وخافت من غدها معنا. كُنا نُطعمها الخوف والوحشة كل يوم تحت سقفنا، ولم نمنحها الأمان الذي وعدها الله به... فتركَتْ لنا الخوف كله، وذهبت إلى ربها ليُؤمنها منا ومن ظلمنا!"
انحنى بجسده كاملاً فوق السرير، يضغط المصحف إلى صدره بقوة كأنه يستجدى مغفرة لن تأتي، واستطرد بنحيب ينخلع له القلب:
-"ظننتُ أنني أعالج خوف الناس في عيادتي، وأنا الذي زرعتُ الرعب في قلب ابنتي حتى أوقفتُ نبضها... يا الله! كفرنا بنعمتك، فحرمتنا من الأمن والولد في ليلة واحدة!"
بعد جملته تلك ارتمى الأب والأم معاً على السرير الفارغ، يضمان وسادتهما المفقودة ويتباكيان بنحيب يقطع الصخر.. لكن الصحوة بعد فوات الأوان، هي الجحيم عينه في الأرض.
ملاحظة الطبيب الأخيرة المكتوبة بدمه على ظهر الملفين المدمجين:
"إلى كل أب وأم:
تذكروا أن العدل بين الأبناء هو حبل الحياة للبيت كله. ابنتي البكر أماندا اختارت الطب لتقتدي بي في إسعاف الناس، فكنتُ أنا الجلاد الذي قتلها بجفائه وتفرقتها وحرمانه. وبموتها انفرط عقد البيت؛ فلحق بها شقيقها الوديع معاذ مهروساً تحت الشاحنة وهو يحمي أصغرهم (الذي كان يرافقني بالأمس ممسكاً بالكعكة وظلم أخته ليرضيني)، فمات الصغير بسكتة قلبية من هول الفاجعة.
لقد ذهبوا جميعاً وتركوا لنا كعكاً عملاقاً وزغاريد ميتة منبعثة من هاتف بارد. لا تكسروا قلوب بناتكم؛ فكسر الخواطر في البيوت يصنع الجنائز المزدوجة والمقابر الجماعية، ويبقى صداها صوتاً صامتاً يمزق الروح."
❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️❄️
_تمّت بحمد الله _
1 قراءة
1 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 5 ساعات
تمت بحمد الله

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.