كعكة باردة
كعكة باردة
جزء 5 من 6
وضع القراءة:

معدل 11 والجو المحموم

وصادف بعد ثلاث سنوات على عام البكالوريا خاصتها أن يكون عام امتحان شهادة التعليم المتوسط "البيام" لأخيها الذي يليها "معاذ". أخيها الذي لم يذق يوماً طعم سهر الليالي، ولا عرف عناء طحن النفس بين المجلدات، بل كان كل همّه وسعادته منحصريْن في "الإنترنت والحصول على الغراند ماستر في لعبة فري فاير ".
وحين أُعلنت النتائج.. نال معدل (11.00).
في تلك اللحظة، حدث في البيت ما لم تكن "أماندا" تتوقعه إطلاقاً؛ بكت أمها، لكنها لم تكن دموع فرح بالتفوق، بل كانت دموع ألم وتذمّر صريح لأن المعدل لم يكن مرتفعاً كما تمنت ورسمت في مخيلتها! أما والدها، فقد تجهم وجهه بشدة، وغادر المنزل غاضباً يجر خطواته الثقيلة دون أن ينطق بكلمة واحدة.
تنفست "أماندا" الصعداء في سرها. غمرتها سذاجتها الطفولية بالظن أن ميزان العدل في هذا البيت بدأ أخيراً يستقيم، وأن اليوم لن يمر على خير، وأن أخيها سيلقى جزءاً من ذاك الجفاء الذي تعجنت به روحها لسنوات.
حتى الأخ نفسه خاف؛ تملكه الذعر ولم يجرؤ على دخول البيت إلا بعد أن مضى زمن طويل. وعندما تسلل أخيراً عبر الباب، كان الهواء في الصالة محموماً، مشحوناً بالترقب والوجوم، والجميع ينتظر لحظة انفجار الأب عند عودته.
لكن الانفجار الذي حدث.. نسف روح أماندا من جذورها.
لم يُطفئ ذلك الجو المحموم المشحون بالخوف سوى دخول والدها. لم يكن على وجهه أي أثر للغم أو العتاب؛ بل كانت ترتسم على محياه ابتسامة عريضة، التفت بها نحو معاذ... وفي يده كعكة زاهية.
تأملت أماندا المشهد بذهول شلّ تفكيرها؛ تذكرت كيف كان الجو كئيباً كالجنائز يوم نالت هي معدل (18.00) في هذه المرحلة نفسها. واليوم، لمعدل 11، تبدلت الأحوال! أمها التي كانت تبكي قبل قليل جفت دموعها فجأة كأن لم تكن. ولأنها لا تجيد إطلاق الزغاريد، رأتها أماندا تمسك هاتفها بنشاط غريب، تبحث في الإنترنت لتُشغّل صوتاً مسجّلاً لزغاريد مدوية تملأ أرجاء الصالة!
كان الموقف قاتلاً بكل المقاييس:
صوت زغاريد وهمية تنبعث من شاشة باردة، والأب يقطع الكعكة مبتسماً ويططب على كتف معاذ بفخر غير مشروط...وأخوه يتذوق منها خفية في موقف طفولي نضحك !
ورغم كل هذا القهر، لم تحمل أماندا يوماً ضغينة نحو معاذ. بل على العكس؛ بلعت غصتها الحارقة وتمنت له من كل قلبها السعادة التي حُرمت منها، ولم تتحمل مجرد تخيل أن يمر بكاء وحزن وسنوات جفاء كما حدث لها.
من أجل ذلك، كانت قد أعدت له مفاجأة؛ هدية خاصة ادخرت أموالها لأجلها بجد وحرمان طويل، حتى إنها باعت بضعة من كتبها القيمة والمفضلة لديها، لتشتري له تلك الهدية التي علمت كم كان يرغب بها ويتمناها وان كان يعلم أن نتيجته متدنية فقط كي لا يذوق طعم الخيبة.
تقدّمت نحوه وسط صخبهم والزغاريد الإلكترونية تصنع ضجيجاً مفرغاً من الروح، ودسّت الهدية المغلفة في جيب قميصه بحب. فتحت ذراعيها واحتضنته بقوة؛ حضناً طويلاً، عميقاً، كأنها تودع فيه الحياة برمتها.
همست في أُذنه والدموع تتحجر في عينيها كالزجاج:
-"مبارك لك يا حبيبي..."
وزادت في سرها بحسرة:
«أردتك أن تسعد بما حُرمتُ منه.. ولا تذوق قطرة من مرارتي.»
ثم زادت في ضمّه شدة وسط استغراب معاذ وحيرته، وقالت بصوت مسموع متهدج:
-"لا أريد أن أفارقك أبداً، أتمنى أن تظل معي دائماً."
ثم نظرت الى أخيها الأصغر طارق والذي كست وجهه علامة غيرة فاحتضنته أيضا رغم احتاجه الطفولي وهي تقول بين دموعها :
_وأنت أيضا
ابتسم معاذ بطفولية ولم يفهم عمق كلماتها، ولا أبعاد الحزن المخيم على عينيها، ووضع يده على قميصه يتحسس هديتها، غير مدرك أن تلك الضمة الدفيئة كانت الميثاق الأخير بينهما.
لكن القهر لم يكتفِ بيومٍ واحد؛ بل امتد ليزحف نحو اليوم التالي بقسوة أشد وأعتى.
في الظهيرة، دخل والدها المنزل يتأفف ويمشي ببطء من أثر الألم الحاد في ركبته، تسانده أمها بحرص. ورغم مرضه وتأففه، أحضر معه واحدة أخرى.. كعكة عملاقة، مزدانة بالألوان البرّاقة والزينة الفاخرة، كعكة لم يطلبها معاذ أصلاً ولم تكن في حسبانه! أحضرها الوالد بدافع الفخر المحض الذي لم يجد طريقاً نحو أماندا يوماً.
وقفت أماندا على مسافة خطوات تراقب الكعكة العملاقة بذهول كليل. تذكرت كيف بكيت في السابعة عشرة من عمرها وهي تترجى أباها ليشتري لها كعكة صغيرة بعد معدل 17 في البكالوريا، وكيف أحضرها بعد توسلات جافة دون ابتسامة أو كلمة رضى...أو كيف لم يحضر لها شيئا في عام البيام أيضا.
نظرت إلى أمها، فباغتتها الأم بتلك النظرة؛ عينان تعرفان حجم الوجع المشتعل في صدر ابنتها، لكنهما تختاران بملء إرادتهما أن تكونا ضدها.
وحين تجرأت أماندا وهمست بمرارة تذكرها بما مضى، نهرها أخوها الأصغر بقسوة جافة قائلاً:
-"أنتِ حاقدة وتحسدين أخاكِ!"
نزلت الكلمات كالصاعقة، فاخترقت ما تبقى من ثباتها.
دخلت غرفتها بخطوات متهالكة، أغلقت الباب خلفها، وانهارت على الأرض.
سحبت مصحفها بيد مرتعشة، وفتحته عشوائيا عند الصفحة (342) من سورة النور. بدأت الآيات تبتل بدموعها الحارقة عند قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ...﴾.
توقفت أماندا.. لم تعد تملك قدرة على الصمود، ولم تعد تملك طاقة لتصديق الوعود في هذا البيت البارد.
أغلقت عينيها والدموع محتبسة في حلقها ووجدت يدها تكتب بوجع على ورقة كانت تضعها كفاصل لمصحفها ، قبل ان تنام نومتها الأخيرة صامتة.. نومة فرضها القهر النفسي الحاد الذي أوقف نبضات قلبها الغض إلى الأبد.
في المساء، حين اكتشفوا غيابها الطويل.. ظنوها ذهبت عند جارتهم التي طلبتها سابقاً واستحت أمها في ردها فسمحت لها. جنّ جنون أخويها
احين ذهبا يسألان الجارة واخبرته أن أماندا لم تأتِ أصلاً.
وكان منزل الجارة يبعد قليلاً، فظنها اختطفت أو حلّ بها مكروه، وكل هذا ووالدها قد غادر البيت قبل ساعات دون أن يسأل عنها.
صدمت الفاجعة الصغير، فهرع إلى الشارع مذهولاً، يركض بلا وعي تحت تأثير الفقد والذعر عند منعطف الشارع، وقطع الطريق غير منتبه لشاحنة ضخمة هادرة قادمة نحوه بسرعة جنونية.
في لمح البصر، واندفاعاً بغريزة الشهامة والأخوة الناصعة، سارع معاذ-فتى البيام-ودفع أخاه الأصغر بكل قوته لينقذه من الموت الفظيع.
نجا الصغير.. لكن الشاحنة هرست جسد معاذ الوديع تحت عجلاتها الضخمة بطريقة بشعة يرقّ لها الصخر؛ تمزق جسده الطري، واختلطت دماؤه بهدية أخته التي كانت ما تزال في جيب قميصه!
أما الأخ الأصغر، الذي وقف مصدوماً يرى شقيقه يُهرس ويتحول إلى أشلاء أمامه، فلم يتحمل عقله الضئيل وجسده الغض بشاعة المنظر المروع؛ تيبس في مكانه، وتوقف قلبه الصغير فجأة ليموت بسكتة قلبية من هول المنظر بجانب أشلاء أخيه.
مات الثلاثة.. وذهبا الشقيقان معاً تلبية لحضن أماندا الأخير، ولم يفترقوا.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.