قناع المتفوقة والغصّة المكتومة
شعرت "أماندا" بشبع مفاجئ وهي تنظر إلى طبقها دون أن تمسّه. اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها أجبرت نفسها على تناول لقيمات تافهة قبل أن تفرغ محتوى معدتها الفارغة في الحمام كالعادة. هي ليست بخير أبداً، ولم تكن هذه المرة الأولى.
تراءت لها صورة أمها وهي تهرع مرتاعة نحو أخيها الأصغر من جرح بسيط تسببت فيه بعوضة عابرة، بينما حين حاولت هي التعبير عن تعبها يوماً وما تعلم انه غير طبيعي بالمرة! قوبلت بكلمات كالسهام أصابت عينيها في منتصف الهدف:
- "لماذا تدعين المرض وأنتِ تدرسين الطب؟ ألا يمكنكِ علاج نفسكِ؟ حسودة..
- مزعجة..
- غيورة!"
أغمضت عينيها بقهر والتردد الصادح لتلك الأصوات ينهال عليها..كيف تخبرهم أنها في بداية المسير ..حتى لو علمت بمرضها أنى لها أن تحضر الدواء ؟؟. ارتدت ثيابها على عجل، ووقفت أمام المرآة تضبط شكلها. ابتسمت بهدوء نقي، وأخذت شهيقاً وزفيراً عدة مرات لتغسل وجهها من الحزن، قبل أن تخطو خارج المنزل.
كانت خطواتها متزنة، تحيي هذا وتلقي ابتسامة على تلك. في الطريق، لمحت سيارات زملائها وذويهم وهم ينزلون أبناءهم بكلمات حب وتشجيع دافئ. تذكرت صوت والدها الجاف حين طلبت مرافقتهم يوماً:
"أنتِ كبيرة على هذا الدلال، ما هذا التكلف؟!"
رمشت عدة مرات لتمنع دموعها من السقوط، وتساءلت في سرها بقهر:
«وماذا عن هؤلاء؟ ألسنَ بناتٍ أيضاً؟»
قطع حسرتها صوت "دارلين" وهي تنزل صاخبة من سيارة أخيها الذي يكبرهما بعام في كلية الطب نفسها. اندفعت نحوها وشاركتها عناقاً دافئاً كاد يسقطها من قوته، سائلة إياها ببهجة عن حالها وأهلها. ابتسمت لها "أماندا" برحمة ورقة، وأجابت بالكلمة الوحيدة التي تملكها، الكلمة التي ينزلها الله على القلوب المكلومة لترتاح:
- "الحمد لله."
اسمعت تنهيدة من "حسام"، أخ دارلين، وهو يترجل من السيارة متنهداً بقلة صبر من تصرفات أخته الصبيانية، قبل أن يرفع رأسه نحو "أماندا" ويومىء بتأدب واحترام كسلام مرمز ردّته بإيماءة مماثلة ، ثم تقدم ليناول أخته حقيبتها ويمضي في طريقه غاضاً بصره...لطالما كان معنى صديقتها يعني المحبوبة ايضا ..لكن الفرق بينهما أنها تجده جليا في حياتها ولها نصيب وفير منه في عائلتها وواقعها أيضا .. تتبعته أماندا بعينيها وقلبها ينبض بأسى؛ لقد كان "حسام" يمثل بالنسبة لها النموذج الأمثل للأخ المحامي، الفارس، والشيء الوحيد الذي تمنت لو أن القدر منحها إياه...لقد كان لها همس حب عفيف تركته بيد الله
هتفت الفتيات حولها ينسقن معها جدول المحاضرات، فغارت في جو البهجة لتداري ألمها.
كيف تخبرهن؟ هي ممثلة الدفعة، الطالبة الأولى حسنة السمعة والدرجات، ذات رأي سديد وعقل راجح، يقصدها الجميع لفض الخلافات وإسعاف المحتاجين، محبوبة في وسط لا يعرف منها سوى القشور.
كيف تكذب حقيقة يعتقد الجميع أن بها النعيم كله؟
والدها طبيب نفسي شهير في العيادة المركزية بالمدينة، ذائع الصيت والثراء، يداوي أفئدة المرضى ويزيل عقدهم النفسية، لكنه يمارس الجفاء في بيته ويمرض روح ابنته دون رحمة. من قال إن كل الأمراض عضوية تظهر في الصور الشعاعية؟ هناك سرطانات تصيب الروح حين تحرم من الأمان، ولا يراها الطبيب ولو كان يملك ألف سماعة!
وأمها معلمة الروضة الفاضلة، التي تفيض حناناً واحتواءً على أطفال الناس، وتستنزف ابتساماتها الناعمة لتستقبل الصغار كل صباح، حتى إذا عادت إلى بيتها أغلقت مخزن عاطفتها، واستكثرت على ابنتها مجرد "نظرة رضا" أو كلمة إشادة تفك عنها حصار الجدران الباردة!
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!